; هل أبقت المخابرات السورية شيئًا من خطاب القسم؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل أبقت المخابرات السورية شيئًا من خطاب القسم؟

الكاتب الطاهر إبراهيم

تاريخ النشر السبت 11-أغسطس-2001

مشاهدات 41

نشر في العدد 1463

نشر في الصفحة 36

السبت 11-أغسطس-2001

مرت على سوريا أربعة عقود منذ استيلاء حزب البعث على السلطة، كانت قبضة الأمن فيها شديدة الوطأة على السوريين، سواء من كان منهم في السلطة أو عامة الشعب- أما من كان منهم في السلطة -وخصوصًا رجال أجهزة الأمن - فقد كانوا يسهرون ليلهم ويجهدون نهارهم وهم يتتبعون كل شاردة وواردة حتى لا يفاجئهم أمر لم يكن في الحسبان يعكر صفو الصمت الرهيب الذي كان يخيم على سورية. وأما عامة الشعب، فقد كان ينطبق عليهم مقولة ليس لكم عندنا شيء وما يصلكم فهو منحة منا، وقد كان من الممكن القبول بهذا الوضع - ولو على مضض - لو أن الناس تركوا ليعيشوا حياتهم في ظل هذا القليل، غير أنهم كانوا دائمًا مطالبين بإثبات ولائهم للنظام وإلا طالتهم المقولة الأخرى من لم يكن معنا فهو ضدنا».

وقد ظن السوريون خيرًا وهم يستعدون لسماع خطاب القسم الذي كان الرئيس «الجديد» بشار الأسد يتهيأ لإلقائه يوم ١٧ يوليو من العام الماضي، مع علمهم أنه لن يستطيع أن يذهب بعيدًا عما كان يجري في عهد والده، لكنهم كانوا يوقنون أنهم لا بد سيسمعون شيئًا جديدًا. ولم يخيب الرئيس ظنهم، فلأول مرة يسمعون ليس فقط أن الآخر «الذي ليس من حزب النظام» يحق له أن يعيش بل إن هذا الآخر ركن من أركان الديموقراطية له من الحقوق مثل ما الاعضاء حزب البعث. ابتدأ الرئيس عهده بإطلاق مئات المعتقلين السياسيين من سجونهم، ثم سرت شائعات بأن «أباطرة المعتقلات بدأوا يحزمون حقائبهم بعد إقفال سجن «المزة»، وأن «الدور» سيطال، ربما باقي المعتقلات، وأحس الناس أن هناك حركة بدأت توقظ موات الفكر والثقافة وبدأنا نسمع ونقرأ كلامًا كان يعتبر من المحرمات، وانتشرت منتديات «المجتمع المدني» في معظم محافظات القطر. وصدرت مراسيم وتعليمات رئاسية استجابة لبعض حاجات الناس، ومع كونها لم تدخل في صميم التغيير الجذري، إلا أن الناس بدأوا يحسون أن هناك حركة بدأت تخترق السكون ثم أصدر وزير الداخلية تعميمًا إلى إدارة الجوازات الغي بموجبه الموافقات الأمنية التي كانت تطلب عند الحصول على وثائق السفر وصدر المرسوم رقم11 لعام ۲۰۰۰ الذي أزال الحرج عن أبناء المغتربين؛ فأصبح بإمكانهم دفع «البدل النقدي» عن الخدمة العسكرية التي كانت عائقًا أمام الحصول على جوازات السفر لمن تجاوز سن الثامنة عشرة وبعد أن كثر القيل والقال عن وجود عشرات الآلاف من المغتربين القسريين يعيشون في بلاد الغربة من دون وثائق سفر صدر في ١٧ فبراير ۲۰۰۰م تعميم وزارة الخارجية بمنح هؤلاء المواطنين جوازات سفر لمدة سنة واحدة فقط «لماذا سنة واحدة وجواز السفر العادي صلاحيته ست سنوات؟»

ومع أن حاجات المواطنين، أكبر بكثير من هذه الإنجازات «الهامشية»، فقد فرح السوريون بها، واعتبروها خطوة على طريق خذ وطالب هذا أولًا، وثانيًا فقد خافوا - إن تسرعوا بطلب المزيد - أن تضيق أعين «أجهزة الأمن» من هذا «الترف» الذي هبط فجأة على المواطنين. وعلى ما يظهر فإن أعين أجهزة الأمن قد ضاقت بالفعل من هذا القليل. وبدأ توقف مسيرة تلك الإنجازات الصغيرة والبطيئة أصلاً، بل إن بعض ما تم إنجازه، جرى النكوص عنه.

- فقد فوجئ السوريون بأن القنصليات السورية قد أوقفت منح جوازات السفر المشار إليها.

- كما بدأت القنصليات ترفض إعطاء الذين دفعوا «البدل النقدي»، جوازات سفر ما لم حصلوا على «موافقات أمنية» من أجهزة المخابرات، علمًا بأن دفع البدل النقدي قبل ذلك أن يخول صاحبه الحصول على جواز سفر مجرد أن يبرز للقنصلية «دفتر الجندية»، الذي صل عليه بعد دفع البدل النقدي.

وعاد الوضع أشد مما كان

يؤكد المطلعون على بعض خفايا ما يحصل كواليس النظام أن الرئيس - في معظم أحيان - يستجيب للطلبات الإفرادية التي تصل ى علمه ما لم تتدخل أجهزة الأمن بنقل معلومات مغلوطة، من شأنها أن تؤثر في قراراته من هذا القبيل ما حصل عند زيارة الرئيس لإسبانيا، حيث عرضت مجموعة من المهاجرين سوريين القسريين في لقاء له مع الجالية سورية أثناء الزيارة - وضعها أمام الرئيس صدر عفوًا عامًا عنهم «لماذا لم يشمل هذا العفو غير المقيمين في إسبانيا؟»

حالة الصحافة

ورث الرئيس بشار جهازًا إعلاميًا منغلقًا ي أدبيات حزب البعث وقد انحصر الإعلام قروء في ثلاث جرائد يومية حكومية، لا توزع - مجتمعة - أكثر من خمسين ألف نسخة، هي «البعث والثورة وتشرين». ولقد حاول الرئيس أن لي هذه البيروقراطية الإعلامية، فصدرت حركة تعيينات شملت رؤساء تحرير هذه الصحف، ومنهم محمود سلامة الذي عين رئيسًا لتحرير «الثورة»، ومع أنه من الرعيل الذي واكب مسيرة البعث، وتدرج في سلم الترقيات، ولم يكن بعيدًا عما يحصل في أروقة النظام، إلا أنه امتاز بأنه كان يستطيع أن يقرأ المتغيرات أفضل من غيره. فأراد أن يعمل على مواكبة المتغيرات ففتح صفحات الثورة، لكتاب ومفكرين لم يكونوا أصلًا بعيدين عن حزب البعث، إلا أنهم شعروا أنه لا بد من التغيير ونتيجة لسياسة «سلامة» الانفتاحية، أصبحت «الثورة» تبيع - حسب أرقام المؤسسة العامة لتوزيع المطبوعات - ۲۸ ألف نسخة، بينما لا تبيع «البعث» سوى 8 آلاف نسخة ولم يلبث أن أصابته العين الساهرة فتمت تنحيته، خوفًا من أن يصيب غيره بعدوى التطوير.

وقد سمع الجميع مؤخرًا بما حصل لجريدة «الدومري» التي يقوم على نشرها رسام الكاريكاتير «علي فرزات» الذي حظي بدعم خاص من الرئيس عندما سمح له بنشر رسوماته الساخرة عن المسؤولين السوريين وسمح له بإصدار الدومري كأول صحيفة خاصة منذ أربعين عامًا. لكن قوات الأمن منعت توزيع عدد ١٨ يونيو حزيران الماضي، إلا بعد أن تم إلغاء موضوعين كانا بعنوان من وضع العصى في عربة رئيس الوزراء وإشاعات التغيير الوزاري تربط أيدي الوزراء وكالعادة فقد كانت الاتهامات الشفوية التي وجهت إلى فرزات هي الإساءة إلى الوطن والتآمر على البلاد.... وأن ما قام به «ربما يسيء إلى مشروع الإصلاح والتحديث الإداري والاقتصادي»!

لقد سجل تاريخ سورية في عهد الانتداب الفرنسي حادثة مشابهة في عهد رئيس الوزراء «حقي العضم» المعين من قبل فرنسا، فقد كتبت مجلة «المضحك المبكي» الساخرة - صدرت في عهد الانتداب الفرنسي واستمرت أربعين عامًا حتى أغلقها حزب البعث - طرفة ذات مغزى جرت بين قط وكلب اجتمعا على ذراع شاة ميتة فقال القط أنا من حقي اللحم وقال الكلب وأنا حقي العضم. في إشارة واضحة إلى رئيس الوزراء الذي رفض أن يصادر المجلة أو أن يقيم دعوي على ناشرها حبيب كحالة وبهذا يكون تصرف رئيس وزراء عهد الانتداب حقي العضم حضاريًا أكثر من تصرف رئيس الوزراء الحالي «ميرو» وأجهزته الأمنية، مع «الدومري».

لا يمكننا في هذه العجالة أن نستوعب كل ما يدور في أذهان السوريين من تساؤلات حول مغزى ما يحصل من نكوص عن الإصلاحات القليلة التي تمت مؤخرًا. ولكن مما تجدر الإشارة إليه أن هناك أسئلة حائرة تدور في فضاء سورية تعبر عن رغبة المواطنين إلي الرئيس بأن يجعل الهم الداخلي يسير جنبًا إلى جنب مع الهم الخارجي، وأن يتأكد من تطبيق الطروحات التي جاءت في خطاب القسم بعد أن رأى الناس أن الحكومة الحالية والأجهزة الأمنية، تعملان على إلغاء معظم المكاسب التي تحققت منذ استلم الحكم والشعب يريد مزيدًا من الانفتاح لا مزيدًا من التضييق.

 

الرابط المختصر :