العنوان هل أصبحت السلطة الفلسطينية سلطة امتثال ذاتي؟
الكاتب عبدالله بن فرحة القرني
تاريخ النشر الثلاثاء 08-فبراير-2000
مشاهدات 52
نشر في العدد 1387
نشر في الصفحة 41
الثلاثاء 08-فبراير-2000
محاضر بكلية اللغة العربية - جامعة الإمام- الرياض
سؤال لا يغادر الأذهان مواقع السلطة الفلسطينية بعد مؤتمر مدريد يختلف عنه قبل المؤتمر بيوم واحد، ذلك أن خطابها السياسي والعسكري والوطني «الجهادي» بات على عكس ما كان عليه قبل ذلك، فقد كان «الفتح» أو السلطة «سمها ماشئت» برنامج لدغدغة عواطف الفلسطيني، وكسب صوته، وإشغاله من أجل لاشيء، ثم أصبح لها برنامج لاسترضاء اليهود من أجل كل شيء. ولها كذلك برنامج لإقناع الفصائل الفلسطينية في الداخل. يختلف عن برنامجها مع شركاء القضية في الخارج، ذلك كله لم يتضح تفسيره إلا بعد دخول السلطة «فتح» إلى الأرض المحتلة، وبعد التنازلات التي قدمتها في الأرض والمبدأ ودماء الشهداء وأول ما فعلت أنها جعلت من الجهاد الذي قام به اتباعها ومؤيدوها طيلة العقود الماضية شيئًا لا معنى له، بل كأنه وجد بطريق الخطأ.
والذي ينظر في حركات التحرر في أنحاء العالم يجد أنها تحتفظ عادة بحق الدماء التي أريقت من أجل حقوقها، ويكون وجود هذا الدم الوطني على طاولة المفاوضات من أبجديات التفاوض كان أولئك المناضلين مازالوا على قيد الحياة إلا في فلسطين بعد أن أصبحت السلطة الفلسطينية تكفر كل يوم بقربان يعفيها من تبعات الدم الفلسطيني الذي أريق من أجل فلسطين، ولو أن إسرائيل دفعت تعويضات فقط للأسر الفلسطينية التي قتل بعض أفرادها والتي دمرت ممتلكاتها لما غطت ميزانية إسرائيل ولا مساعدات الولايات المتحدة والدول الأوروبية نصف تلك المستحقات، لكن الذي يدقق النظر في ممارسات السلطة الفلسطينية يدرك أنها جاءت من مدريد «وكأن في حطبتها عنزًا» وإليك أمثلة على ما حملت السلطة في جعبتها :
الأول: كان من المتوقع أن تبدأ السلطة الفلسطينية فور وصولها بتخفيف آثار الاحتلال، لكنها بدأت على الفور بفتح المعتقلات، وضرب الفصائل الجهادية والوطنية لمنعها من القيام بأي عمل ضد اليهود، علاوة على أنها لم تتوقف لحظة واحدة عن الضغط على تلك الحركات دون هوادة فقط لقبول تنازلاتها لليهود بدون أدنى اعتراض واستخدمت في ذلك كل وسائل القمع التي لم تستخدمها إسرائيل، مما تسبب في وقف العمليات العسكرية ضد إسرائيل، وجعل كثيرًا من المراقبين يصفون المفاوضات بأنها تحويل للسلطة الفلسطينية من حركة وطنية تقاوم الاحتلال إلى شرطي أمن يحرس إسرائيل، بل حققت في ذلك مالم تحققه إسرائيل طوال خمسين عامًا.
الثاني: أن واقع الاتفاقيات التي توقعها السلطة مع اليهود غير واقع الأرض، وغير الاتفاقيات التي تعلنها، فالسلطة مجردة من الصلاحيات إلا فيما يخدم مصالح إسرائيل في قمع الفلسطينيين، ومداهمة المنازل ومصادرة الأفكار، وموظفو السلطة - إذا أردنا أن نسمي الأشياء بأسمائها - موظفون لدى إسرائيل لا تدفع إسرائيل رواتبهم، فكل نقاط التفتيش في مطار غزة والمنافذ البرية والبحرية ليس للسلطة الفلسطينية فيها إلا حق استلام الجواز أو الوثيقة من الفلسطيني، وتسليمها لموظف الأمن الإسرائيلي من خلف الحاجر الزجاجي ليمنع اليهود من يشاءون ويأذنوا لمن يشاءون دون أن يكون الموظف السلطة حق الاعتراض بكلمة واحدة ولو بالتأفف، بدليل أن كل المناطق التي تسمى مناطق الحكم الذاتي مقسمة إلى فئات «أ، ب، ج» فدائرة «أ» يكون الأمن والإدارة فيها للفلسطينيين، و«ب» و «ج» تكون الإدارة فيها مشتركة والأمن فيها للإسرائيليين، وهذا يعني أن مناطق الحكم الذاتي ماهي إلا سجن مؤيد من نوع لم يسبق له مثيل في العالم، لأن الفلسطيني إذا أراد أن ينتقل من بيته في منطقة «أ» إلى مزرعته في منطقة «ب» يخضع النقاط تفتيش فلسطينية وإسرائيلية وكأنه سينتقل من دولة «أ»إلى دولة «ب» إلى دولة «ج» ولو كان ذلك في مسافة ثلاثة كيلو مترات
الثالث: أن تصرفات السلطة مع الشعب الفلسطيني توحي بأن الاهتمام فقط بأمن إسرائيل وليس بأمن الشعب الفلسطيني، بل إن أمن المواطن الفلسطيني أصبح أشد خطورة على يد الشرطة الفلسطينية، وإلا كيف يصل ضابط إلى رتبة عقيد في الشرطة الفلسطينية بعد أن يقدم على عدة جرائم اغتصاب الأطفال فلسطينيين دون أن يلقى عقابًا صارمًا من أول مرة، ولم يتم إعدامه إلا بعد أن أصبح أطفال الأرض المحتلة عرضة له ولأمثاله، وبعد أن أصبح غضب الشارع الفلسطيني على وشك الانفجار والمضحك المبكي خبر ضباط السلطة الفلسطينية ذوي الرتب العالية الذين قبضت عليهم الشرطة الإسرائيلية مع فتيات يهوديات وسلمتهم عند معبر أريز عراة ليس عليهم قطعة ملابس تستر عوراتهم، فأي أمن سيحققه هؤلاء الضباط وكيف سيأمن الفلسطيني على عرضه كيف تنظر إسرائيل إلى هذه الممارسات المخزية ثم تقيم بعدها وزنًا للسلطة الفلسطينية، وبأي لغة يمكن أن تقنع السلطة إسرائيل أنها تدافع عن قضية وطنية بعد عقود من الجعجعات التي أزكمت الأثير «عائدون عائدون»
أسئلة جديرة بالتأمل تقول: ماذا صنعت السلطة الفلسطينية لقضية احتلال وطن وتشريد أهله ومصادرة حقه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل