العنوان هل أصبح يقود السياسة الأمريكية؟ "الدين" في انتخابات الرئاسة الأمريكية
الكاتب محمد جمال عرفة
تاريخ النشر الجمعة 12-نوفمبر-2004
مشاهدات 48
نشر في العدد 1627
نشر في الصفحة 28
الجمعة 12-نوفمبر-2004
في استطلاع للرأي أجراه مركز بيوريسورتش الأمريكي في أغسطس ٢٠٠٤، لاحظ المستطلعون أن 72% من الأمريكيين المسجلين على اللوائح الانتخابية قالوا - على غير العادة - إنهم يريدون انتخاب رئيس مؤمن. وفي استطلاع آخر. قال 70 % من الناخبين إن الرئيس الأمريكي المقبل يجب أن يحدد سياسته بموجب قناعاته الدينية ... وعقب إعلان فوز الرئيس الأمريكي بوش بفترة رئاسة ثانية أربعة أعوام قال خبراء في منظمة بيليف نت أو شبكة الإيمان» التي تدرس الاتجاهات الدينية إن جورج بوش فاز تمامًا كما كان يتوقع الفريق المسؤول عن حملته الانتخابية بجذب المؤمنين المحافظين.. حيث طرح بوش نفسه في هذه الانتخابات على أنه المخلص، والمنقذ لأمريكا في مواجهة ما يقولون إن الإنجيل حذر منه وهو محور الشر.
فقد طرح بوش نفسه باعتباره زعيمًا سياسيًا دينيًا يسعى للحفاظ على الأخلاق في أمريكا والتمسك بالدين لمواجهة ما يسمى به الإرهاب». وطرح بوش نفسه على أنه المدافع عن الطابع 1 المقدس للزواج، أي اقتران بين رجل وامرأة - ورفض زواج الشواذ جنسيًا، ودعا لدعم التعليم الديني المسيحي في المدارس الأمريكية وصيانة الأسرة ومحاربة الأعداء بالدين، والغريب أن بوش - فاز رغم أن نائبه تشيني قال علنًا: إنه يؤيد زواج الشواذ وأن ابنته من الشاذات؟.
وقد نجحت هذه الحملة في دفع كافة المتدينين والكنائس لدعمه، لدرجة عقد ما يشبه المؤتمرات الانتخابية في الكنائس، وتجنيد عشرات المنظمات الدينية الإنجيلية جهودها وطبع دليل الانتخابات لدعم بوش دينيًا والذهاب إلى المنازل منزلاً للدعوة لانتخاب بوش لأنه الرئيس المؤمن.
وأعرب اليمين الديني الأمريكي عن بالغ سروره بعد إعادة انتخاب الرئيس جورج بوش وقالت روبرتا كومبز، رئيسة التحالف المسيحي الأمريكي: إن المسيحيين الإنجيليين لعبوا دورًا محوريًا في فوز الرئيس الجمهوري.
وخلال الحملة الانتخابية حصل الجمهوريون على دعم المنظمات الدينية الثمين خصوصًا البروتستانت الإنجيليين الذين يمثلون ربع عدد السكان، وأكدت المنظمات الدينية على واجب جميع المسيحيين الأخلاقي في الاطلاع على مواقف المرشحين والتصويت، كما فعلت مجموعة فوكوس أون ذي فاميلي النافذة في كولورادو حيث صوت ۸۵ % من المسيحيين الإنجيليين في هذه الولاية لصالح بوش وكذلك ٥٠٪ من الكاثوليك، في حين دعا أسقف دنفر إلى عدم التصويت لمرشح لا يعارض الإجهاض مثل كيري.
والمعروف أن الدستور الأمريكي نصّ على أن يحظر في الولايات المتحدة طلب إجراء اختبار ديني لشغل أيّ وظيفة أو منصب عام، كما أن يحظر على الكونجرس إصدار قوانين تتصل بالدعوة الدينية أو تعوق حرية الممارسة الدينية ما يعني تأكيد فصل الكنيسة عن الدولة، ومع ذلك تحولت انتخابات 2004 الرئاسية الأمريكية لمعركة من الخطب الدينية التي يتنافس فيها المرشحان الرئيسان!
فبوش - وهو بروتستانتي إنجليكاني «إنجيلي» كان يحرص على القول خلال المناظرات الرئاسية: إن الصلاة والتدين يقويان عزمي ويمنحاني الهدوء وسط أنواء العواصف التي أشهدها في موقعي الرئاسي، وعندما سُئِلَ عمّا إذا كان قد سأل الرئيس الأسبق جورج بوش النصيحة قبل الحرب في العراق أجاب الابن قائلًا: إنني أستمد العـزم والقوة من الأب الأعلى.!
وعندما حاول كيري، الذي ينتمي للكنيسة الرومانية الكاثوليكية، في المراحل الأولى من حملته الانتخابية أن يبعد الدين عن السياسة تماشيًا مع الدستور الأمريكي، لاحظ مستشاروه أن أسهمه تنخفض لصالح بوش، فنصحوا كيري بالتركيز على الدين أيضًا والظهور بمظهر الرئيس المؤمن!.
ولم يتأخر كيري، فقال خلال المناظرات مع بوش إنه كان يعمل في خدمة الكهنة أثناء إقامة الصلوات وأن أعظم "وصيتين تعلمهما" هما: أحب الربَّ إلهك بكل عقلك وجسدك وروحك.. وأحب جارك كما تحب نفسك...
وأهمية حسم دور الدين معركة الانتخابات لصالح بوش ترجع إلى أن اليمين المسيحي الذي يستند إليه بوش يقدر بما بين خمسين وستين مليون ناخب أي ربع مجموع الناخبين ونصف الناخبين الأمريكيين البالغ عددهم ١٠٥ ملايين شخص، والإحصاءات تشير إلى أن 70% من هؤلاء يؤيدون جورج بوش.
أما خطورة هذا التيار الديني الأمريكي فتتمثل في أنه يقدم مصالح الكيان الصهيوني على أيّ شيء، اعتمادًا على ما يسمونه «رؤى إنجيلية تؤمن بضرورة مساندة اليهود للسيطرة على فلسطين وعودة اليهود كلهم للقدس، وكذلك السيطرة على أرض بابل «العراق» في سياق النظرية الدائرية للتاريخ وفكرة هرمجدون»، ومن ثم يجعل تحرك الرؤساء الأمريكان لنصرة الدولة العبرية أمرًا دينيًا يجب أن ينفذوه!!.
وتصاعد هذا الدور للدين في هذه الانتخابات ودوره في فوز بوش لم يرصده المحللون من خارج أمريكا، ولكنه كان نتيجة أكدتها مراكز أبحاث أمريكية قبل الانتخابات لدرجة القول إن الحماس الديني أصبح عاملًا أساسيًا في السباق إلى البيت الأبيض، في بلد يرى فيه سبعة من كل عشرة أمريكيين أن رئيسهم يجب أن يكون على درجة كبيرة من الإيمان بالله.
فللمرة الأولى منذ ٤٤ عامًا، تنتهي مناظرة في إطار الانتخابات الرئاسية بين (بوش وكيري) بمثل هذا الحماس الديني، والدعوات الدينية وبعبارتي ليحم الله أمريكا»، و«ليبارك الله بلدنا الكبير، وللمرة الأولى يكون الذهاب إلى الكنيسة مرة واحدة أو أكثر في الأسبوع، معيارًا لحساب الأصوات التي يمكن أن يجنيها كل مرشح.
أيضًا هي المرة الأولي التي تؤكد فيها استطلاعات الرأي أن أكثر من 60% من الأمريكيين يرون أن الديانة، تمثل أهمية كبرى في حياتهم، مما دعا روبرت بوستن الذي يعمل الجمعية الأمريكيين المتحدين من أجل الفصل بين الدين والدولة للقول إن هذه السنة تشهد أهمية استثنائية للسياسة على أسس دينية.
بوش والحرب الصليبية: وقد حرص بوش من خلال مارك راسيكوت رئيس حملته الانتخابية - على تدشين حملته الانتخابية بإعادة استخدام مصطلح "حملة صليبية" ضد الإرهاب في خطاب لجمع التمويل، وركز حزبه على ما أسماه "قيادته حملة صليبية عالمية ضد الإرهاب". والحقيقة أن إدخال بوش الدين في معترك الرئاسة وفوزه به ليس وليد لحظة الانتخابات بل هو خاتمة لها، لأنه حرص خلال ولايته الأولى على إبراز دور الدين في قراراته وسياسة إدارته... فهو يكاد يكون أول رئيس يطالب بتدريس المسيحية في المدارس الأمريكية، وأول رئيس يحارب القضاء الأمريكي، ويهدد بعدم تعيين القضاة الذين يعارضونه؛ لأنهم يرفضون اعتماد
قسم للولاء في المدارس يتضمن كلمة (الله)؟ وهو أيضًا أول رئيس يجاهر بأنه تلقى علومًا دينية في الكنيسة في شبابه ويشجع بالتالي على إقامة المدارس الدينية المسيحية ويقدم لها الدعم، بل يقود حملات قوية - عبر حزبه الجمهوري المتحالف مع اليمين المسيحي المتطرف – لإقامة مدارس غير مختلطة لكل من الإناث والذكور ويناهض الإجهاض، وأول رئيس يقترح تعديلًا دستوريًا لمنع زواج الشواذ ويقيم مكتبًا خاصًا في البيت الأبيض للمساعدة على تطوير الهيئات الاجتماعية المرتبطة بمؤسسات دينية.
والحقيقة أن استخدام الدين في السياسة الأمريكية أمر قديم نسبيًا، ولكنه كان استخداما وقتيًا ولم يستخدم على نطاق واسع كما هو الحال في الانتخابات الحالية، حيث ظهر في انتخابات سابقة على يد الرؤساء السابقين هاري ترومان وكارتر وريجان أيضًا كانت إدارة بوش الأب وقبلها إدارة ريجان الجمهوريتان من أوائل الداعين لمزيد من التدين في المجتمع الأمريكي، وساندنا منع الإجهاض في المستشفيات وزيادة جرعة التعليم الديني في المدارس والفصل بين الإناث والبنين ومنع الاختلاط في المدارس.
أما أهم ما يرصده الصحفيون الأجانب بشأن هذه الحملة، فهو أن هذه النزعة المحافظة والتدين لا تثير معارضة علنية في البلاد، ويرجعون ذلك إلى أحداث 11 سبتمبر التي قلبت المجتمع الأمريكي رأسًا على عقب، ودفعت الأمريكيين المزيد من التدين بعدما رأوا الموت بأعينهم، فضلًا عن سعي بعض المتطرفين الإنجيليين للدعوة لتمسك الأمريكان بالدين ردًا على الهجمات التي قام بها مسلمون على أمريكا بدافع ديني.
وربما يمكن القول هنا إن رسالة أسامة ابن لادن قبل الانتخابات بأسبوع والتي هدد فيها بمزيد من العنف ضد أمريكا جاءت نتيجتها لصالح بوش.
محور سياسة أمريكا في العالم
وإذا كان الاهتمام الديني في البيت الأبيض ظاهرة جديدة، فالجديد هو إدارة الدين للسياسة الخارجية أيضًا حتى إن الإنجيليين الجدد الذين ظلوا مهتمين بقضايا محلية وداخلية مثل الشذوذ الجنسي والصلاة في المدارس والتعري والإجهاض صاروا الآن يهتمون بقضايا عالمية.
ويهود هذا التغير لدى الإنجيليين إلى الاهتمام المستجد بما يسمونه الكنيسة المضطهدة»، وهم يعنون بذلك المسيحيين الذين يعانون في بقاع من العالم خارج الولايات المتحدة، ويقول القس ريتشارد شيزيك نائب رئيس جمعية الإنجيليين. التي تمثل ٤٣ ألف كنيسة في تفسير سر هذا النشاط في الخارج. إن الإنجيليين مهتمون بأن يحدثوا فرقًا لا أن ينقل عنهم موقف علني، وإنهم أبدوا استعدادًا في السنوات الأخيرة للتعاون مع اليهود وغيرهم في القضايا المشتركة، وإن أحد أسباب فشلهم في الثمانينيات إنما يعود لفشلهم في التعاون؟؟.
وترى هذه الجماعات أن البيت الأبيض ترك الباب مفتوحًا أمامهم، وذلك بتأثير الرئيس الذي يستعمل لغة الإنجيل في خطاباته، ويقول: إن الله هداه وأنقذه بالإنجيل من إدمان الخمر (أيّ ولد من جديد).. ومن هنا يمكن فهم سر تصاعد الحديث عن الرئيس (بوش) الذي ولد من جديد في أوساط الإنجيليين، مما يعطي انطباعًا بوجود نهضة دينية حقيقية، حتى إن محللين أمريكان قالوا قبل الانتخابات: إن بوش يمكن أن يفوز بالانتخابات معتمدًا على أصوات المسيحيين الإنجيليين فقط.
وقد نقلت صحيفة نيويورك تايمز في 10/4/2001م -عقب تولي بوش الحكم - عن موظفين في الإدارة الأمريكية، وأعضاء في الكونجرس قولهم: إن هذا التحالف الأمريكي الديني يملك نفوذًا غير عادي في إدارة هي من أكثر الإدارات تدينًا في تاريخ البيت الأبيض.
لأول مرة: اجتماعات انتخابية في الكنائس وتصويت جماعي من المنظمات الدينية لبوش
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل