العنوان هل استحوذ الغرب على اليونسكو؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 03-نوفمبر-1987
مشاهدات 63
نشر في العدد 841
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 03-نوفمبر-1987
لقد
أنشئت منظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة من أجل إشاعة روح السلام وتدعيمها عن طريق
العمل في مجالات الثقافة والتعليم والعلوم، وقد جاء في مقدمة الميثاق التأسيسي للمنظمة:
«كما تولد الحرب في أرواح الرجال، ففي أرواحهم أيضًا يجب أن نشيد الدفاع عن السلام».
وقد تحددت أهداف اليونسكو على أنها: «حرية انتقال الأفكار فرص متساوية للجميع في التعليم..
نشر المعرفة والثقافة والتقدم بالعلوم وحماية التراث العالمي».
وقد
صور لنا الإعلام الغربي ومنذ ثلاث سنوات أن منظمة اليونسكو تعيش أزمة بسبب السياسة
التي ينتهجها مديرها العام السيد أحمد مختار أمبو السنغالي الجنسية منذ سنة 1974، وعملت
أجهزة الإعلام الغربية طيلة ثلاث سنوات على تصوير السيد أمبو بأنه سبب «الأزمة» وبالتالي
فهو شخص غير مرغوب فيه.
اتهامات
بالجملة لأمبو وحملة تشهير ضده
بدأت
بوادر الحملة ضد مختار أمبو على صفحات الجرائد الأوربية والأميركية منذ أن تولى إدارة
اليونسكو للفترة الثانية سنة 1980 والمآخذ الغربية عليه تدور حول ما يسمونه سوء إدارته
لليونسكو وسوء تصرفه في هذه المنظمة العالمية، ويتهمونه بأنه جعل منها مملكة خاصة به
وبحاشيته، وبأنه -وهذا هو الأهم- خرج عن أهداف اليونسكو باستحداث مشاريع وبرامج تهم
في معظمها بلدان العالم الثالث الفقيرة دون غيرها. ثم كانت النقطة التي أفاضت الكأس
منذ ثلاث سنوات وهي المناقشة التي دارت داخل المنظمة حول هيمنة الغرب على وسائل الاتصال
والمنتجات الإعلامية. وقد لاحظ خبراء اليونسكو أن إمبريالية ثقافة -أي احتكارًا ثقافيًّا
وإعلاميًّا غربيًّا- هو المسيطر على الساحة الإعلامية العالمية، ونادوا بـ«نظام عالمي
في مجال الإعلام والصحافة».
وعندئذ
اتهمت المنظمة بأنها تتبنى توجهات يسارية شرقية، ومن ثم توالت الاتهامات لمنظمة اليونسكو
بقصد الضغط على مختار أمبو حتى يستقيل من منصبه، وعندما لم يحدث ذلك خرجت أميركا من
المنظمة عام 1985 وتبعتها إنجلترا وسنغافورة، وقد كان ذلك ضربة كبيرة لمنظمة اليونسكو؛
لأن أميركا وحدها كانت تمول اليونسكو بنسبة 25%.
الأهداف
الخفية لمحاربة أمبو
من
الأسباب الخفية لاشتداد الحملة على اليونسكو وعلى مديرها الحالي مختار أمبو خاصة ازدياد
الوعي لدى أعضاء هذه المنظمة من العالم الثالث بالدور الغربي ضمن هذه المنظمة، وهو
ممارسة الهيمنة الثقافية لخدمة المصالح الغربية، وقد نتج عن ذلك محاصرة هذا التوجه
والتضييق عليه، وقد ساعد على نجاح الدول الصغرى في منظمة اليونسكو أن الدول الكبرى
لا تمتلك في اليونسكو حق الفيتو، وأن كل الدول مهما كان حجمها متساوية في حق التصويت
واتخاذ القرارات، ومن هنا استطاعت اليونسكو استصدار قرارات عجزت الأمم المتحدة عن استصدارها
مثل القرارات التي أدانت الانتهاكات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة وخاصة الحفريات
التي يقوم بها الصهاينة في القدس، وتلك التي اعتبرت الصهيونية وجهًا من أوجه العنصرية،
بل وصل الأمر إلى طرح مسألة طرد «إسرائيل» في وقت من الأوقات. وإذا كانت اليونسكو قد
انتصرت لقضايا تراثية وإنسانية وثقافية عادلة فلا غرابة أن يقول عنها الغربيون: إنها
أصبحت «معادية للقيم الغربية».
لقد
قال نائب وزير الخارجية الأميركية لشئون المنظمات الدولية «نيوبل»: «إن استمرار مشاركة
الولايات المتحدة في اليونسكو على النحو الذي تنظم فيه هذه المؤسسة حاليًا لا يخدم
مصالح واشنطن.. وأن هذه المنظمة تعمل ضد المؤسسات الأساسية للمجتمع الحر، ولا بد من
تشكيل أقنية ومنظمات أخرى تقوم على خدمة الأهداف الأميركية».
أجواء
المعركة الانتخابية الأخيرة
استرعت
معركة انتخاب مرشح لإدارة منظمة اليونسكو التي دارت بمقر المنظمة بباريس خلال شهر أكتوبر
1987 اهتمام العالم وتابعتها مختلف الدوائر الإعلامية والسياسية؛ لأنها اتسمت بصراع
عنيف بين المتنافسين على هذا المنصب وبتكتلات عنصرية وجغرافية من أجل الاستحواذ على
منصب إدارة اليونسكو، وبالتالي على اليونسكو، ولا أدل على ذلك من أن الجلسات الانتخابية
الماراثونية وصلت إلى اثنتي عشرة جلسة واستمرت لمدة عشرة أيام، ودامت الجلسة الأخيرة
حوالي إحدى عشرة ساعة، وقد أسفرت هذه المعركة كما هو معلوم عن انتخاب عالم الكيمياء
الحيوية الإسباني فريديريكو مايور ساراغوسا كمرشح لمنصب مدير منظمة اليونسكو، ولم يبق
إلا أن يوافق المؤتمر العام لليونسكو والذي يتكون من 158 دولة يوم 7 نوفمبر المقبل
على هذا الترشيح ليصبح الإسباني فريديريكو مايور هو المدير العام لليونسكو السادس بعد
البريطاني جوليان هكسلي والمكسيكي نوريز بوايت والأميركي لوثر إيفانز والإيطالي فيتوريو
فيرونيز والسنغالي أحمد مختار أمبو، فكيف نجح فريديريكو مايور؟ ومن الذي سانده؟
كانت
الدول الغربية تتربص بأحمد مختار أمبو وتنتظر فرصة الانتخابات لإسقاطه، لذلك كرر الرجل
ومنذ أن انسحبت أميركا وبريطانيا من اليونسكو بأنه لا يطلب فترة ثالثة على رأس هذه
المنظمة.
وقد
أعلنت بعض الدول جهارًا أنها ستنسحب من اليونسكو إذا ما تم إعادة انتخاب أمبو كمدير
عام لفترة ثالثة. ولا شك أن هذا التمهيد «من اليابان وبلجيكا والدانمارك وهولندا وأستراليا»
كان يخيم على أجواء الانتخابات، غير أن منظمة الوحدة الإفريقية أبت إلا أن ترشح أحمد
مختار أمبو وبعد المناورات المحمومة التي دارت في الكواليس والتي صفت ثلاثة مرشحين
من اثني عشر مرشحًا كأكبر محظوظين للفوز بمنصب المدير العام لليونسكو وهم السنغالي
أحمد مختار أمبو، والباكستاني يعقوب زادة، والإسباني فريديريكو. وأثناء الدورة الانتخابية
الثانية حدث انقلاب في الموقف الفرنسي لصالح أمبو على حساب يعقوب زاده، وقالت مندوبة
فرنسا التي استقالت من منصبها: إن قناعتها تمنعها من إعطاء صوت فرنسا ليعقوب زادة لكونه
جنرالًا سابقًا وممثلًا لـ«نظام غير ديمقراطي». وهكذا خرج يعقوب زادة من الحلبة.
الكتلة
الشرقية تبتعد وأمبو ينسحب فيبقى مايور المرشح الوحيد
عندما
وصل التوتر إلى ذروته عشية الدورة الانتخابية الخامسة والأخيرة كان الجميع ينتظرون
موقف الكتلة الشرقية الممثلة بخمسة أعضاء في المجلس التنفيذي الذي يتكون من 50 عضوًا،
ومع أن هذه الكتلة الشرقية تؤيد أمبو ولا ترغب في إسقاطه إلا أن معطيات أخرى وفي مقدمتها
التهديدات الغربية بالانسحاب مع ما يترتب على ذلك من تفاقم للأزمة المالية الشيء الذي
سيؤدي إلى تحمل الكتلة الشرقية أعباء إضافية ليست على استعداد لتحملها، فضلًا عن اللون
السياسي الواحد الذي سيلف منظمة اليونسكو والذي قد يهدد بانهيارها، كل هذه المعطيات
جعلت الكتلة الشرقية تستبق الأحداث وتتصل بأمبو وتعلمه بأنها مضطرة لعدم تأييده هذه
المرة، وعندئذ خير أمبو الانسحاب على الدخول في دورة انتخابية مخسورة. وهكذا أوجد الإسباني مايور
نفسه لوحده على الحلبة فحاز على 30 صوتًا من خمسين صوتًا وأصبح المرشح لمديرية اليونسكو.
وبعد
هذه المعركة الانتخابية نحن نتساءل: هل ستظل التكتلات الجغرافية والعرقية والأيديولوجية
تتحكم بمصير التراث الإنساني والثقافة والعلوم في العالم أجمع؟
وإذا
كانت الضغوطات تأتي في المجالات الدولية بالنتائج المطلوبة فإن ذلك يعني أن من يمتلك
المال والثروات هو الذي يتحكم بمصير الثقافة والفكر في العالم المعاصر، فهل قدر الفقراء
في إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية أن يقبلوا الهيمنة الثقافية والعلمية مثلما أرغموا
على قبول الهيمنة الاقتصادية والسياسية؟ ويبقى السؤال الأهم وهو: هل ستنقلب اليونسكو
على منجزات أمبو في عهد مديرها الجديد الذي يلوح بالتغييرات الجذرية؟ ولعلها التغييرات
التي يطالب بها الأميركيون وحلفاؤهم الأوروبيون وغير الأوروبيين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل