; هل القوة هي الحق.. والعدالة هي الندامة؟! | مجلة المجتمع

العنوان هل القوة هي الحق.. والعدالة هي الندامة؟!

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الاثنين 16-ديسمبر-2002

مشاهدات 55

نشر في العدد 1527

نشر في الصفحة 46

الاثنين 16-ديسمبر-2002

قد يتعجب الإنسان لما يشاهد وقد يدهش لما يرى، إذ ينظر إلى الكثيرين في جيلنا الحاضر، المثقف المتحضر، يدعون إلى الوحشية الفاتكة، ويسعون إليها ليلغوا في دماء الأبرياء، ويغتصبوا حقوق الآخرين، ليرجعوا بأفعالهم إلى عهود تلك الجاهليات العمياء التي بادت قبل آلاف السنين، حيث كانت تعيش على افتراس الآدميين وأكل لحومهم، بعد أن اعتقد الناس أن تلك الحقب قد ولت، وحل محلها العلم والحضارة، وتبادل المعارف بين الشعوب.

 ولكن الأيام والحوادث قد أثبتت بما لا يدع مجالًا للشك أن الجاهليات البائدة قد رجعت أشد فتكًا، وأعظم ضراوة، تحمل في فكرها الإثم، وفي ضميرها الملوث، وعملها الخبيث الكراهية العرقية والعصبية الدينية، ومازالت جذوتها حية مشتعلة متأججة، تتلظى في صدورهم، وتلتهب في أكبادهم، وتعمل عملها. 

كما تجلت أيضًا حقيقة أخرى كالشمس في رائعة النهار، وهي أن الضمير الإنساني والشعور الخلقي، وتنديد الشعوب المحبة للسلام والعدالة بالظلم وشجبها واستنكارها بل واستنكار الحكومات واحتجاجات منظمات عالمية كبيرة مثل الأمم المتحدة، قد أصيبت بالداء نفسه، وبالنفاق والغثائية، حتى أصبحت أداة في يد كل عابث، ولعبة في أرجل القوى العاتية المتجبرة، وأصبحت قراراتها محللة لأغراض وشهوات الأقوياء والعابثين. 

هذا ولا يمكن أن تقف في وجه هذه الموجة السوداء، إلا قوة منظمة مسلحة بديلة تعتمد على إرادتها الصارمة، وعزيمتها الأكيدة، لأن تلك القوى التي رضيت هذا الطريق الجائر مازالت تتحكم في هذا العالم المتمدين بشريعة الغاب وقانون العصابات وبالقاعدة المنحرفة التي تقول «إن القوة هي الحق». 

حتى أصبح سفيها وعدوًا لنفسه من يعقد الآمال في مستقبل الأيام على أن هذا الضمير العالمي، أو هيئة الأمم المتحدة أو الذين يتشدقون بالعدالة زورًا وبهتانًا، سيؤيدون مظلومًا للوصول إلى حقه، أو يردعون ظالمًا لحجزه عن ظلمه، وإنما يجب أن يعلم أن هؤلاء وهؤلاء، مردوا على النفاق والخداع وحب التمويه والميل إلى الأقوياء على حساب الضعفاء،  هذا وقد تبين الكثير من أصحاب النظر من زمن بعيد قدر الخداع والتمويه الذي تقوم به المنظمات الدولية، ومقدار الغرر والأماني الكذاب التي تنطلق من بياناتها، حتى صار:

 يأوي إليها كل أعور ناعق *** وتهب فيها كل ريح صرصر 

ويكاد من يأتي إليها مرة *** من عمره يشكو انقطاع الأبهر

لقد ولت أمم العزائم ودول الرجال، وأصبحت منظمات حقوق الإنسان خدعة كبيرة، وأضحت الاتحادات والأسماء الرنانة مصايد وشراكًا للقنص والاحتواء، وستبكي الإنسانية كثيرًا على ضياع القيم الأساسية والأخلاقية، وفقدان الرجولة والنخوة التي كانت سائدة يومًا من الأيام في حياة الرجال: 

يخوض إلى المجد والمكرمات *** بحار الخطوب وأهوالها

وإن ذكرت للعلا غاية *** ترقى إليها وأهوى لها

ولكن والحقيقة يجب أن تقال: إن ضعف الضعيف ومسكنته وهوانه هو الذي جلب عليه كل ذلك، وأطمع فيه الذئاب والوحوش، وينبغي له أن يتداوى من علته وينهض من كبوته، كما يتحتم عليه أن يفتح عقله على حقائق معينة منها:

١- تحليل خصائص ودوافع أعدائه ومنطقهم وأسلوب التعامل معهم عقليًا وسياسيًا وجهاديًا.

٢-وعي واسع بالتاريخ والحوادث ومعرفة بالدوافع والمقاصد، حيث إن تحليل الحوادث التاريخية، ودراسة الوقائع والأزمان الماضية، تثبت أن طغيان اليوم، ليس إلا تكرارًا لطبيعة الإنسان الممتدة من أقدم العصور، وأن من يعلق عقله، ويعمي على بصيرته، يفاجأ بما يسوءه دائمًا وهو على غرة من أمره، وجهالة لواقعه، ونضرب مثلًا بمنطقة الشرق الأوسط فالاستعمار الفرنسي ورث الاستعمار الإنجليزي في بعض البلاد، وحدث العكس في بعضها، وكلاهما ورث وعاش مفاهيم استراتيجية القيادة الرومانية.

 ومن المعلوم أن رعاة البقر القادمين اليوم من القارة الجديدة يصفون أنفسهم بالقياصرة الجدد وبالصليبيين القادمين، وهكذا علينا ألا نندهش إزاء سياسة استعمارية تنطلق اليوم لتصيب أرضنا ومستقبلنا، لأننا كما يقول: «مالك بن نبي مازالت عندنا قابلية للاستعمار، وبذلك سنرى عن قريب وقد بدأت تلك الخطوات الاستعمارية الماضية من سيطرة واستغلال للثروات وتبعية، تحاول محو الشخصية ومحاربة الهوية، وخلق أسباب دائمة للتوهين والاتهام المهين بأفعال من عمل الاستعمار، أو من استغلال الجاهلين والعابثين لخلق القهر المعنوي، والاستقذار الذاتي في نفوسنا، بما يصطلح عليه الآن بالغزو المعنوي، ولهذا حرص القرآن دائمًا على رفع معنوية المسلم والإشادة به: ﴿ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ  ﴾(آل عمران: ١٤٠). 

وبعد: فإن السؤال المطروح اليوم هو: هل نستطيع أن نستنقذ الجسد المسلم مما ألم به وهل نستطيع تحريك الأمة حتى تستيقظ من سباتها، وهل نستطيع أن تقنع السلطات بالخطر الداهم، لتجمع قوى الأمة، وتطلق طاقاتها نحو النجاة؟ نعم نستطيع، لأن أمتنا هي أمة المجد، وأمة الخلود وأمة القرآن الموعودة بالنصر والفوز والفتح المبين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل