; هل «الإسلام السياسي» هو الذي فشل أم خصومه؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل «الإسلام السياسي» هو الذي فشل أم خصومه؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 23-مايو-2009

مشاهدات 64

نشر في العدد 1853

نشر في الصفحة 66

السبت 23-مايو-2009

كانت الرؤية الشمولية الديناميكية للإسلام قد انحسرت في حياة المسلمين خلال عصور الانحطاط بفعل عوامل داخلية وأخرى خارجية مما أحدث في حياة المسلمين - وبالخصوص في ظل الاحتلال الغربي وتحت تأثيره - ثنائيات وازدواجيات مغايرة لعقيدة التوحيد، وفرض العلمنة على حياتهم الجمعية، بينما حياتهم الدينية لا تزال مستندة إلى عقيدة التوحيد، وإن ذلك هو الانحطاط من وجهة النظر الإسلامية الجامعة، وهو الجذر الأساسي لتخلف المسلمين.

إن الفكرة الرئيسة في الإصلاح الإسلامي منذ قرنين ولاسيما منذ سقوط آخر شكل للخلافة الإسلامية في الربع الأول من القرن العشرين هي مقاومة هذه الدهرية - بتعبير جمال الدين الأفغاني - أو «الفصام النكد»- بتعبير الشهيد سيد قطب - وهو الانفصال بين العقيدة والحياة، بين العبادة والمعاملة بين المسجد والسوق بين الدين والدولة.. مقاومة هذا الفصام النكد عودًا بالدين إلى أصله التوحيدي هي الفكرة الرئيسة في المشروع الإسلامي نقيضًا للوثنية، كما يترجمها المشروع العلماني المقابل تهميش الدين وإقصاؤه عن صراعات الحياة.

إن التصدي لهذه الفكرة الأساسية في المشروع العلماني من أجل استعادة الوصل بين الدين والحياة، وقيادة الدين للحياة هو جوهر المشروع الإصلاحي الإسلامي منذ زهاء قرنين، وربما يكون الإسلام - حسبما أكد بحق علامة الاجتماع الإنجليزي ، «أرنست غلنر» هو الدين الوحيد الذي فشلت فكرة التحديث الغربي (أي العلمنة) في اختراقه، بل هو الذي اخترق التحديث وروضه واستوعب جوهر الحداثة (أي التقدم العلمي) دون أن يضطر للتنازل عن : شيء من جوهره وهو من يطلق عليه بعض الدارسين ما «الاستثناء الإسلامي».

وبمقدار ما تنحسر فكرة العلمنة، والتحديث العلماني الصالح تحديث إسلامي، بقدر ما تعد الحركة الإسلامية (الإسلام السياسي) في تقدم وصعود، وذلك أن الإسلام التعبدي خاصة لم يكن قط موضع نزاع إلا لدى بعض الزعماء العلمانيين المتطرفين المغرورين مثل الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة الذي انتهك حرمة الصيام جهارًا حاملاً شعبه على ذلك وتحدى خلفاؤه شعائر وقيما إسلامية أخرى مثل الصلاة والحجاب.. وإنما النزاع حول الرؤية الشمولية للإسلام التي تستوعب الحداثة ولا تستوعبها الحداثة، وتعلو سلطان الدولة ولا يعلو سلطانها سلطان، وهو ما اخترع له الغرب اصطلاح «الإسلام السياسي»...

هذا المشروع الإصلاحي الشامل - وإن كان تحت القصف الرهيب - يتقدم ولا ينحسر يتقدم على حساب مشاريع العلمنة وأشدها بأسًا كان المشروع الشيوعي الذي كان للإسلام الفكري الدعوي وللإسلام الجهادي دور كبير وشرف في إسقاطه.. إنه يتقدم، وذلك بقطع النظر عن مدى نجاح التطبيقات والتجارب المنبثقة والمطبقة هنا وهناك، فالإسلام بصدد ترويض عصره والتفاعل معه محتفظا بجوهر شخصيته، فلا غرو أن يصيبه التوفيق هنا ويخونه هناك فيتعلم كما تعلم سابقا وهو يروض حضارة فارس والروم والهند ويوظفها سمادًا في تربته وبسطًا لمشروعه المنداح في الأرض.

وتكفي نظرة مقارنة سريعة لتطور عالم الأفكار الأيديولوجية في البلاد العربية والإسلامية - خلال الثلاثين عامًا الماضية - للتيقن من الانحسار المتسارع للأيديولوجيات العلمانية لحساب ما يسمونه الإسلام السياسي، حتى اتخذت الدكتاتوريات في العالم الإسلامي مشروعية قيامها وبقائها في التصدي لهذا المد الإسلامي الجارف، فلم يعد زعماء مصر وتونس مثلا يخجلون من إعلان ذلك في لقاءاتهم مع زعماء الغرب وخارجها، للجم ما يتلقونه منهم من ضغوط من أجل قدر من الانفتاح الديمقراطي، واستدرارا للمساعدات الغربية باعتبارهم قائمين بمهمة حماية الغرب من الخطر الإسلامي - العدو المشترك 11 - مستحقين للأجر، وذلك بعد أن بدا واضحًا أنه ما من فرصة توافرت للمنافسة بين المشروعين الإسلامي والعلماني إلا وكانت الغلبة للأول. 

أما عندما يكون المشروع الإسلامي محظورًا بالقانون كما في تركيا حيث المنافسة بين علمانية معتدلة تتعايش مع الإسلام وتخدمه حزب العدالة والتنمية وعلمانيات شرسة تحاربه فيكون الفوز نصيب الأولى، ما اضطر حتى المتطرفة إلى أن تقتبس من نور الإسلام، حتى لا تحرم من نصيبها من بركات مده الشعبي فيعلن الحزب الجمهوري - الوريث لـ مصطفى كمال - عن قبول نساء محجبات في صفوفه، الأمر الذي جعل الديمقراطية في خدمة المشروع الإسلامي فحيثما جرت انتخابات نزيهة في أي مستوى بلدي أو تشريعي أو طلابي أو نقابي فقد غدا منتظرًا فوز قوائم الإسلاميين بقصب السبق.

الرابط المختصر :