; هل انتهى دور مصر السادات في أزمة الشرق الأوسط | مجلة المجتمع

العنوان هل انتهى دور مصر السادات في أزمة الشرق الأوسط

الكاتب عبدالله الصالح

تاريخ النشر الثلاثاء 03-فبراير-1981

مشاهدات 67

نشر في العدد 515

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 03-فبراير-1981

مفاوضات الحكم الذاتي وصلت إلى طريق مسدود وكامب ديفيد يبحث عن مخرج!

الإدارة الأميركية فشلت في جر الأردن وأطراف أخرى لمفاوضات الحكم الذاتي.

دولة فلسطينية ذات علاقات خاصة مع الأردن هي القاسم المشترك بين الكامب والمبادرة الأوروبية وتصور حزب العمل الإسرائيلي!

المخطط اليهودي كان يقضي بأن تكون مصر أول دولة عربية وإسلامية تستسلم وتقبل بالوجود اليهودي في فلسطين.

السادات معزول عربيًّا ودوليًّا وحسني مبارك هو البديل!

مع مجيء إدارة ريغان إلى البيت الأبيض، وانعقاد مؤتمر الطائف، وترجيح رحيل بيغن عن كرسي الوزارة في إسرائيل، وارتفاع العزف على وتر المبادرة الأوروبية لحل أزمة الشرق الأوسط، يتساءل المراقبون عن مستقبل دور مصر السادات، وما إذا كان قد انتهى عند محطة الكامب ديفيد، فهل انتهى دور السادات فعلًا وما هو البديل؟!

ما تقوله الوقائع: إن اتفاقات كامب ديفيد بالصورة التي طرحت بها قد وصلت حتى الآن أمام طريق مسدود؛ إذ بالرغم من مضي السادات شوطًا بعيدًا في تطبيع العلاقات مع اليهود، وتقديمه تنازلات كثيرة، إلا أن محور الاتفاقات وهو ما يسمى بمفاوضات الحكم الذاتي لم تتقدم خطوة واحدة إلى الأمام؛ حيث إن المفهومين المصري والإسرائيلي متباينان من جهة أن إسرائيل الليكود ليس لديها استعداد للتنازل عن مطالبها وتصوراتها قيد شعرة، أن أهم طرفين من أطراف الكامب وهما إسرائيل ومصر قد وصلا إلى هذه النهاية، ولم يقتصر الأمر عليهما فقط؛ بل أن الطرف الثالث في الكامب وهو الولايات المتحدة الأميركية قد أصبحت في نهاية إدارة كارتر غير مقتنعة بجدوى المضي في اتفاقيات كامب ديفيد، كما جاء ذلك على لسان وزير الخارجية السابق أدموند موسكي وغيره من المسؤولين في إدارة كارتر. ولكن عدم جدوى الاتفاقات من وجهة النظر الأميركية لا تعود إلى أن هذه الاتفاقيات مجحفة وظالمة؛ بل لأنها اقتصرت على مصر وإسرائيل، والمفروض أن تنضم إليها دول عربية أخرى خاصة دول المواجهة.

فشل متواصل

ولما كان كارتر يثق في السادات، كما يثق في زوجته روزالين ظل يطلب من السادات أن يتنازل لبيغن، كلما طلب الأخير ذلك؛ حفاظًا على نجاح الاتفاقيات وتقدم المفاوضات. ومع أن السادات كان مطيعًا جدًّا إلا أن بيغن في المقابل كان يتصلب أكثر، مما انتهى بالمفاوضات إلى طريق مسدود على النحو المعروف. وفي هذه الأثناء كان العراب الأميركي يحاول أن يجر أطرافًا أخرى، وكان الأردن في مقدمة هذه الأطراف، ولكن هذه المحاولة يبدو أنها قد فشلت حتى الآن. وقد قيل: إن هنري كيسنجر حاول في جولته الأخيرة التهيئة لما أصبح يسمى بالخيار الأردني. وكان الرئيس الأميركي المنتخب رونالد ريغان قد أشار في أول خطاب له بعد نجاحه في الانتخابات إلى أهمية الدور الأردني في حل أزمة الشرق الأوسط، وسيكون الملك حسين أول مسؤول عربي يجري محادثات رسمية مع الرئيس الأميركي الجديد.

التمثيل الفلسطيني

ولكن الملك حسين والمسؤولين الأردنيين قد أكدوا في مؤتمري القمة العربية في عمان والقمة الإسلامية في الطائف أن منظمة التحرير الفلسطيني هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، ولكن يبدو أن أوساط منظمة التحرير الفلسطينية لا تزال تتحسب للخيار الأردني؛ نظرًا لرفض الولايات المتحدة على لسان ريغان الاعتراف بها ونظرًا لما يقال بأن حزب العمل الإسرائيلي الذي أصبح مؤكدًا إنه سيفوز بانتخابات الكنيست القادمة يتبنى مشروع الخيار الأردني، ويبدو أن الخيار الأردني هو القاسم المشترك الأعظم بين تصور الإدارة الأميركية الجديدة والمبادرة الأوروبية وحزب العمل الإسرائيلي، ولذلك قد يجد الأردن نفسه مؤهلًا للتقدم نحو تسوية برعاية دولية. ولكن كيف يمكن التوفيق بين روح اتفاقيات كامب ديفيد من جهة والخيار الأردني والتمثيل الفلسطيني من جهة أخرى؟ لعل ما كشف عنه عرفات مؤخرًا لأول مرة يحل هذا الأشكال. فلقد صرح السيد ياسر عرفات أن مؤتمر الرباط الذي اتخذ قرارًا بالاعتراف بالمنظمة ممثلًا شرعيًّا للشعب الفلسطيني قد أقر كذلك أن تكون هنالك رابطة خاصة بين الدولة الفلسطينية المرتقبة والأردن، وقال: إن الفلسطينيين يرحبون بمثل تلك العلاقة. ويستفاد هذا المعنى أيضًا من تصريحات بعض القادة الفلسطينيين، كالسيد خالد الحسن الذي قال أكثر من مرة: إن نوع العلاقة مع الأردن سيترك للبرلمان الفلسطيني عندما يتشكل.

الدور المصري

وهذا التحليل يقود إلى أن الدور المصري في عهد السادات قد استنفذ أغراضه؛ وذلك أن الدور المصري كما في التخطيط اليهودي والاستعماري كان يقضي بعزل مصر عن دول المواجهة عسكريًّا، ومن جسم الأمة الإسلامية فكريًّا وسياسيًّا؛ لتكون أكبر بلد عربي وإسلامي «يكسر الحاجز النفسي» بين المسلمين واليهود ويطبع العلاقات معهم على النمط الساداتي، وللحقيقة والأنصاف فهذا المخطط قديم ولم ينفذ على عهد السادات فحسب؛ بل بدا تنفيذه في مصر مبكرًا. والمخطط إياه يقضي الآن أنه طالما استسلمت مصر السادات التي كانت رمز العروبة والنضال ووقعت اتفاقية مع اليهود، وأنشأت معهم علاقات سياسية ودبلوماسية وتجارية وثقافية، فلا بد أن تلحق بها دول أخرى. ولكي تتسم الحلول المقترحة صفة الجدية والنهائية؛ طرحت مسالة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. وبما أن اتفاقيات الكامب لم تنص على ذلك؛ فإنها تعتبر قاصرة وغير مجدية، ومن هنا كان على الدور المصري أن ينتهي أو يتغير.

إشارات عربية ودولية

وهنالك جملة من المؤشرات على المستوى العربي تدل على أن السادات أصبح معزولًا وبالتالي لم يعد له دور في اللعبة. فالمسؤولون العرب متطرفون ومعتدلون، رؤساءً وملوكًا وأمراءً، قد أجمعوا على إفشال مخططات الكامب ونصوا على إفشال خطط السادات بالذات. لقد أجمع الزعماء العرب على ذلك مع اختلاف المنطلقات منذ مؤتمر بغداد عام ۱۹۷۸ ومن خلال مؤتمرات القمة في تونس ۱۹۷۹ وعمان ۱۹۸۰ والقمة الإسلامية الأخيرة.

وعلى المستوى الدولي فقد نشط الأوروبيون للتبشير بالمبادرة الأوروبية التي وأن حرص الأوروبيون على القول بأنها لا تلغي اتفاقيات كامب ديفيد، إلا أنها مكملة لها ومتقدمة عليها من ناحية واحدة فقط، هي التمثيل الفلسطيني الذي قد يؤول إلى منظمة التحرير الفلسطينية. وقد أدينت اتفاقيات كامب ديفيد من قبل الهيئة العامة للأمم المتحدة ومؤسساتها ومن المجتمع الدولي؛ أي أن السادات أصبح معزولًا عربيًّا ودوليًّا. 

ولكن هل تفرط فيه الولايات المتحدة الذي لا يفتأ يسبح بحمدها؟

دور أساسي

الذي يلاحظ أن هناك تحركًا أميركيًّا بدأت تتضح معالمه مع استلام إدارة ريغان للحكم في واشنطن، هذا التحرك يركز على بناء علاقة متينة مع مصر؛ بحيث تظل مصر قلعة للنفوذ الأميركي في المنطقة، وهذا يقتضي إغداق المال والسلاح على مصر، وإقامة القواعد العسكرية التي لم يترك السادات مناسبة إلا ودعا أمريكا لإنشائها، وانسجامًا مع سياسة الحزب الجمهوري الأمريكي التي تميل إلى تصعيد الحرب الباردة مع السوفيات والاعتماد على إسرائيل في الشرق الأوسط؛ فإن مصر ستلعب دورًا عسكريًّا نيابة عن أميركا. والدليل على ذلك ما أعلن عنه السادات وبعض المسؤولين المصريين من استعداد القوات المسلحة المصرية للاشتراك في حرب القرن الأفريقي إلى جانب الصومال ضد الحبشة، وما أعلن كذلك من استعداد للتدخل في تشاد والوقوف إلى جانب السودان إذا احتاجت لذلك.

ويتوقع المراقبون أن يلعب السادات دورًا في الإطاحة بالقذافي أو أضعافه عن طريق إشعال الحدود بينهما؛ وذلك لأن القذافي بسبب تقلباته وسياساته غير المتزنة لم يعد فيما يبدو أهلًا للاعتماد عليه، وبات يخشى أن ينقلب إلى المعسكر السوفياتي.

لقد قام الجنرال جونز قائد الجيش الأمريكي بأكثر من زيارة لمصر، وقامت قوات أمريكية بتدريبات مشتركة مع القوات المصرية، وأصبحت مصر مهيئة للقيام بدورها في أية لحظة تقررها الإدارة الأميركية.

هذه الاستراتيجية الأميركية في مصر ثابتة، ولكنها على أية حال غير مرهونة بوجود السادات؛ بل أن التجارب قد أثبتت أن أميركا أطاحت بمعظم حلفائها أو عملائها من حكام العالم الثالث عندما لم يعودوا أهلًا لتنفيذ مخططاتها. والسؤال المطروح الآن هل اتخذ قرار بالإطاحة بالسادات بطريقة ما لإبداله بوجه جديد يتلاءم مع المرحلة الجديدة؟ لا أحد يملك الإجابة عن هذا السؤال بالضبط إلا الله سبحانه والمخططون لذلك، ولكن ثمة إشارات ودلالات ترجح أن هنالك مخططًا لتغيير النظام المصري. فقد ذكرت مجلة الوطن العربي نقلًا عن مصادر مطلعة أن الإدارة الأميركية بدأت بالاتصال فعلًا بعدد من المسؤولين المصريين على رأسهم نائب السادات حسني مبارك، وتم التباحث معهم لاستلام السلطة في مصر وإزاحة السادات. وقد أكدت مثل هذا الخبر صحيفة الوطن الكويتية وصحيفة الجيرولازم بوست، والمعلومات المتوفرة تقول: بأن التغيير المحتمل هو لصالح حسني مبارك، يعاونه في ذلك الفريق محمد عبد الحليم أبو غزالة رئيس الأركان المصري المعروف برجل أميركا ووزير الداخلية النبوي إسماعيل.

عودة إلى الصف العربي

ومما يدلل على صحة هذه المعلومات ما اتخذه السادات من قرارات فردية لإعادة تشكيل الأمانة العامة للحزب الوطني الحاكم، وما تتداوله الأوساط الصحفية عن احتمال تغيير وزاري جديد لصالح أعوان السادات من أمثال منصور حسن وسيد مرعي وغيرهما. والجدير بالذكر أن حسني مبارك عسكري أصلًا وغير خبير بالشؤون السياسية، مما يؤهله لتمثيل الدور المصري المطلوب أميركيًا.

وفضلًا عن ذلك فقد صدرت له الأوامر على حد قول مجلة الوطن العربي بعدم زيارة إسرائيل أو استقبال أحد من المسؤولين، وهذا المؤهل ربما كان شرطًا عربيًّا مسبقًا لقبول عودة مصر إلى الصف العربي. ولكن هذه العودة مرتبطة طبعًا بتجاوز كامب ديفيد والتقدم نحو المبادرة الأوروبية، وهذا ما يبدو أنه قد اتخذت خطوات في سبيله.

فقد حرص مندوب السوق الأوروبية وزير خارجية هولندا على التوقف في مطار القاهرة لمدة ساعة أجرى خلالها محادثات مع بطرس غالي حول المبادرة الأوربية، وهو في طريقه من الرياض إلى الرباط، وقد حرص اللورد كارينجتون الذي سيرأس مجلس السوق الأوروبية في شهر تموز القادم على زيارة القاهرة وإجراء محادثات مع حسني مبارك أولًا، ثم مع السادات ثانيًا، وقد كان المقصود هو اختبار الموقف المصري من المبادرة الأوروبية، ويعتقد الموقف المصري منها بدأ يلين بعدما هاجمها بشدة في وقت سابق. وقد اضطر السادات مؤخرًا إلى التصريح لوفد من أعضاء لجنة التسلح التابعة للكونغرس الأميركي أنه يؤيد اشتراك منظمة التحرير في «محادثات السلام» ولكن بعد التوصل إلى اتفاق بشأن الحكم الذاتي.

والعجيب أن السادات مع علمه بمن يخطط لإزاحته عن السلطة إلا أن جام غضبه قد صبه على الجماعات الإسلامية في الجامعات، فراحت قوات الأمن المركزي تطارد هذه الجماعات، وتعتقل أفرادها وذلك بسبب معارضتها لبرامج التطبيع ومهاجمتها لنظام الحكم. وبهذا ما يدل على أن السادات ظل مخلصًا لليهود والأمريكان بالرغم من إدراكه أن المخطط يقضي بإفساح المجال لغيره، ولكن المهم بالنسبة للمراقب المسلم هو أن ما نفذ من مخططات على الساحة المصرية باتت الدلائل تشير إلى أنه سينفذ على جبهات عربية أخرى؛ لتكون المحطة الأخيرة الساحة الفلسطينية بالذات. وعندها يكون قد تحقق حلم اليهود في العيش بسلام ضمن حدود آمنة، ويبنون علاقات اقتصادية مع سوق كبيرة مفتوحة.

إذا قدر الأمر أن يؤول طبقًا لهذا السباق، وهذا ما تشير الدلائل إليه، فإن على الأمة الإسلامية أن تدرك- أن الخيار المصري هو كالخيار الأردني وكالخيار الفلسطيني الذي بنادي به عرفات، وكل هذه الخيارات هي بصورة أو بأخرى خيار يهودي ماكر. وليس أمامنا إلا الحل الإسلامي الذي هو قدرنا، فهل ننتبه لذلك أم على قلوب أقفالها؟! 

الرابط المختصر :