العنوان هل بدأ العد التنازلي لسقوط الاستقطاب الأمريكي
الكاتب محمد المحمود
تاريخ النشر السبت 19-يوليو-2003
مشاهدات 50
نشر في العدد 1560
نشر في الصفحة 39
السبت 19-يوليو-2003
بصرف النظر عن التفسير الإسلامي للتاريخ في تدافع الأمم، وعن تفسير (توينبي) و (شبنجلر) وغيرهما لنشوء الحضارات وسقوطها - لا سيما الحضارة الغربية وصرف النظر هنا ليس استخفافاً بالمصروف عنه، لكنه برهان من وجه آخر لقوة هذا التفسير وذلك كالبرهان السلبي على القضية، مضافاً إلى البرهان الإيجابي عليها.
وبصرف النظر أيضاً عن تعاظم المعارضة الرسمية والشعبية دولياً للسياسات الأمريكية في بسط هيمنتها على منابع الثروات وعلى مفاصل القوة، وحتى على حراك المجتمعات الساعية إلى التحرر من ربقة الاستغلال والحرمان، فضلاً عن المجتمعات الأوروبية المنافسة برغم ذلك وفي يوم واحد 10/2/2003م تعلن الجمهورية الإيرانية بلسان رئيسها خاتمي) عن كشفها المناجم وطنية اليورانيوم)، وعن حق إيران المشروع في استخدامها (السلمي) للطاقة النووية، واستغنائها عن بضاعة الآخرين الخاضعة للضغوط أو الشروط الأمريكية وممانعتها في هذا الوقت ينقسم الصف الأطلسي حليف الإدارة الأمريكية وربما لأول مرة، حول سياسة واشنطن، وبسببها في شن حرب عدوانية ضد العراق، باتخاذ فرنسا وألمانيا وبلجيكا قرار (فيتو) يعارض هذه السياسات بشدة، وخاصة مشروع قرار بشأن دعم الحكومة التركية عسكرياً ،في حال شن حرب على العراق، وتركيا عضو في الحلف عملاً بنصوص اتفاقيات الحلف الأطلسي المعتمدة بينها .
وأصبح انقسام حلف الأطلسي حقيقة مؤثرة انتقلت على إثر ذلك إلى مجلس الأمن حيث لقيت الإدارة الأمريكية خسارة لحربها الدبلوماسية لما انضمت الصين بدورها إلى المطالبة بإعطاء المفتشين فرصة، معتبرة أن ذلك سيكون فرصة للسلام وبذلك لقي التحالف الفرنسي- الألماني - الروسي في مجلس الأمن نجاحاً واضحاً.
إنهما حدثان بارزان: تصريح خاتمي وانقسام الأطلسي، يضافان إلى الأزمة النووية الكورية مع الإدارة الأمريكية بالذات، وارتباك هذه الإدارة وضعفها الواضح في مواجهتها، مما يؤشر إلى تحول في موازين القوة الدولية لغير صالح الإدارة الأمريكية، التي سبق لها أن استقطبت هذا الميزان منذ سقوط الاتحاد السوفييتي، وأخذت تنفرد وتشتد في التفرد غطرسة وغروراً وعدواناً بغير حق على الآخرين صغاراً وكباراً.
قد تكون خطوة كوريا الشمالية ذكية فيإعلانها عن امتلاكها قوة نووية محظورة، مستغلة انشغال الإدارة الأمريكية بالأزمة العراقية أولاً والفلسطينية ثانياً، لدرجة حملت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت على انتقاد سياسة جورج بوش في تخطئة سلم أولوياته الخارجية، حين يهمل الأزمة الكورية وملاحقة تنظيم القاعدة، ليلقي بثقله ضد العراق.
الخطوة الإيرانية الأخيرة، لا تقل كذلك خطورة وأهمية عن الخطوة الكورية، ونظن أن الحبل على الجرار.
نزعم أن الإدارة الأمريكية ليست مفاجأة كل المفاجأة بانكماش أكبر حلفائها الأوروبيين عنها فرنسا وألمانيا، ولا بإقدام كوريا الشمالية على الجهر بامتلاكها أسلحة نووية محظورة، وتحديها للإدارة الأمريكية، لدرجة التلويح بضربة استباقية في هذه الظروف الدولية المتوترة، وربما لم تفاجأ بالخطوة الإيرانية أيضاً هذا ما نقدره ونذهب إليه ولعل الاستراتيجيين المتابعين لسير الصراعات الدولية غير مفاجئين بهذه المؤشرات والتطورات السائرة في غير صالح الإدارة الأمريكية، وهناك مؤلفات غربية مثل كتاب عصر الانحطاط - لرجاء جارودي»، وأخرى أمريكية مثل موت الغرب - لبوكانان» المرشح أكثر من مرة لرئاسة الولايات المتحدة، تذهب هذا المذهب، وقد نشرت منذ سنوات وبدأت النظريات المستقبلية تؤتي أكلها.
مصير الاستقطاب الأمريكي إلى زوال والحساب أيهما أقل سوءاً في التقدير بالنسبة الزعماء الإدارة، ليس غير على أن الخيارات الأمريكية العنيفة، سوف تستدعي ردود فعل أيضاً عنيفة والركض إلى الأمام لن ينقذ العربة الأمريكية من مصير تتهرب منه، بل ربما أدى الغرور والاستبداد إلى تعجيل العاقبة المخيفة.
في أوائل القرن الماضي دخلت الولايات المتحدة الأمريكية النادي النووي وحدها، وظنت بل خططت ألا يدخله أحد بعدها، وضربت - رغم دعاواها الديمقراطية - المدينتين اليابانيتين هيروشيما وناجازاكي، وظنت أو أوحت أن ذلك نهاية التاريخ وسيادة العرق الأبيض نهائياً، لكن ذلك لم يمنع من دخول أعضاء جدد للنادي النووي، وحتى أعداء لأمريكا في الحرب الباردة كالاتحاد السوفييتي والصين، وانتهاء بالجارين اللدودين باكستان والهند، وأخيراً كوريا الشماليةوقريباً - كما تفيد السيناريوهات الأمريكية البحثية عدد مما يسمى دول الشرق الأوسط
مما يسكت عنه دولياً: المعيار الذي يسمح أو يجيز لدولة أن تمتلك السلاح النووي، ولا يجيز الأخرى هذا الامتلاك كل ما في الأمر، هو فرض الأمر الواقع، بصرف النظر عن المعيار الأخلاقي أو سواه من المعايير التي قامت المنظمات الدولية على الأخذ بها مجلس الأمن أو هيئة الأمم المتحدة.
أليست مفارقة صارخة أن يمتلك الكيان الصهيوني السلاح النووي وترسانة ضخمة من الأسلحة الاستراتيجية، ويحظر ذلك على دول الطوق، بل على الدول العربية كلها: الصديقة منها لأمريكا وغير الصديقة حتى الصواريخ البالستية تمنع عن مصر أكبر دولة عربية، وأولها تطبيعاً مع الكيان الصهيوني
احتجت الإدارة الأمريكية لتجريد العراق من أسلحته بأنه حكم غير ديمقراطي، والسؤال ألا تزعم أمريكا نفسها أنها دولة ديمقراطية حين اعتدت على هيروشيما وناجازاكي، وحتى على غيرها من الأمم والشعوب وهل من الديمقراطية والعدالة امتلاك الكيان الصهيوني الأسلحة المحظورة، وتحريمها على دول المنطقة لاسيما الدول العربية؟ هذا غير احتلال أراضي الآخرين بالقوة باستعمار استيطاني، وسياسة الأرض المحروقة التي يمارسها الكيان الصهيوني على مدار الساعة، ومنذ قيامه الغاصب حتى الآن.
لا نأتي بجديد إذا قلنا إن كثيراً من التوقعات والتحليلات التي نخص بها الإدارة الأمريكية تنطبق أيضاً على الكيان الصهيوني، ونعني هربه إلى الأمام، واستباقه الجنوني لمصيره المحتوم يضاف إلى ذلك أن كلاً من الحليفين يتأثر، بل لا يطيق هزيمة حليفه الآخر، وهذا سر آخر من أسرار تحالفهما، وارتباطهما المصيري وسياساتهما العدوانية المسلحة بالباطل وبالأسلحة المحظورة دولياً.
نحن واثقون من غلبة الحق والعدالة في الأرض قبل نهاية التاريخ، فضلاً عن تحققها بعده، وكل ما يقلقنا أن هذين الحليفين العدوانيين الآخذين بالزوال، لن يخرجا من الساحة الدولية بسلاسة ولا بسلام بل لسان حالهما علي وعلى البشرية الخراب إذا لم تخضع لإرادتي وسيطرتي.
ونحن واثقون أيضاً أن التاريخ لا يتحرك تلقائياً وإن كانت المشيئة الإلهية غالبة بل من سنن الله في خلقه تدافع الأمم، ودور الإنسان في اختيار مصيره، وتقرير هذا المصير في النتيجة وهذا يعني أننا لا ننتظر أن تنت أننا لا ننتظر أن تنتحر الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني طائعين مختارين، أو وحيدين، بل لا بد من دفع ضريبة التدافع والدفاع عن الذات وعن قيم العدالة والحرية والأمن .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل