; هل تأخذ الأمة عن رجالها ومن نبعها الصافي؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل تأخذ الأمة عن رجالها ومن نبعها الصافي؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر

مشاهدات 95

نشر في

نشر في الصفحة 43

قد لا يتوازن الإنسان بين دين ودنيا، أو روحانية وجسد، ولا يتناغم بين علم وعمل، أو قول وفعل، لأنه قد يفقد دستور حياته، أو قانون توازنه، فيتخبط ذات اليمين وذات الشمال، ويتمزق من خارجه وداخله، وقد أعطى المنهج الإسلامي للبشرية قانون التوازن و دستور الفقه في الحياة، عرفه الصحب الأول وفقهه السلف الصالح، ففازوا وعزوا وسادوا ووصلوا إلى الغايات والأهداف، أما الذين تاهوا وتنكبوا الطريق، وضلوا وتشتت بهم السبل فقد تولت أمرهم السنون، وعضتهم الأيام، وحطمتهم الدنيا، وقد حدثتنا كتب التاريخ عن بعض هؤلاء، وعن خطاب السلف الفاقه لهم، وردهم إلى الجادة، فقد ذم رجل الدنيا عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال علي رضي الله عنه: «الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار نجاة لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها، ومهبط وحي الله، ومصلى ملائكته، ومسجد أنبيائه ومتجر أوليائه ربحوا فيها الرحمة، واكتسبوا فيها الجنة تنظر إلى هذا الفهم المستقيم للدنيا فتعجب من أقوام ذموا الدنيا تدينا في حنق، وكرهوا الدهر تورعا في ضيق، وما كان العوج إلا في إفهامهم، والانحراف إلا في عقولهم، التي تحتاج إلى فقه للرسالة، وإدراك للحكمة في التعاليم، وتتطلب نصحاً ببصيرة، وشفاء بعلم، حتى تصح وتدرك الصواب، وتستقيم وتعرف الهدف وهيهات هيهات أن تجد الأمين الناصح اليوم، وتعثر على الموجه الفاقه هذه الأيام، وهيهات هيهات أن يسمع التائه التوجيه في هذا الزمان، أو ينقاد الشارد للحقيقة في هذا الوقت، وقد كان سلفنا الصالح حصانة في التيه وإعلاما في التوجيه أطباء للقلوب وهداية للنفوس يقول الإمام أحمد بن حنبل في حقهم هم يرشدون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله تعالى الموتى ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه فما أحسن أثرهم على الناس، وما أقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب، يقولون على كتاب الله وعلى الله وفي الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام يخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم فنعوذ بالله من فتنة المضلين. 

كانوا شموساً على الطريق، يقودون الأمة فكراً وخلقاً وعملاً في ميادين الحياة شرق الناس أو غربوا أعوانا على الحق، دعاة إلى المجد، يرفعون الهمم رغم تقاعسها، ويأخذون بالنفوس رغم جحودها، ويعدلون من الطبائع رغم نفورها، بعث الإمام الغزالي أبو حامد برسالة إلى أحد تلاميذه معلما وناصحًا يقول فيها:

«يا ولدي. النصيحة سهلة، ولكن الصعب قبولها. لأنها في فم من لم يتعودها مرة المذاق. وإن من يحصل العلم ولا يعمل به تكون التبعة عليه أعظم كما قال ﷺ: «أشد الناس عذاباً يوم القيامة عالم لا ينتفع بعلمه». 

يا ولدي. لا تكن من الأعمال مفلسًا، ولا من الاجتهاد في الطاعة خاليًا، وتيقن أن العلم المجرد لا يأخذ باليد، كما لو كان مع رجل عشرة أسياف هندية وهو في صحراء فخرج عليه أسد عظيم مهيب، فهل تدفع عنه هذه الأسلحة دون أن يستعملها بطل؟ كذلك مثل العلم والعمل. لا فائدة في الأول بدون الثاني 

يا ولدي. لو قرأت العلم مائة سنة، وجمعت ألف كتاب لا تكون مستعداً لرحمة الله إلا بالعمل ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾، ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾.

يا ولدي. ما لم تعمل لم تجد الأجر، وفيما ينسب إلى علي كرم الله وجهه: «من ظن أنه بدون الجهد يصل فهو متمن، والمني بضائع الحمقى»، وقال الحسن البصري رضي الله عنه: «طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب»، وفي الخبر عن أهل الله تعالى: ما أقل حياء من طمع في جنتي بغير عمل، وقد قال ﷺ: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والأحمق من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله المغفرة».   

يا ولدي. عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، والعلم بلا عمل جنون ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾( البقرة:44)، والعمل بغير علم ضلال ولا يتأتى، فلابد منهما معا. وإن العلم وحده لا يبعدك اليوم عن المعاصي، ولا ينجيك غداً من النار، فإذا لم تجتهد اليوم في العمل لتقولن يوم القيامة أرجعنا نعمل صالحا فيقال لك يا هذا أنت من هناك جئت؟ 

هذه نصيحة الغزالي رحمه الله العالم الفحل، الذي ينسبه بعض الناس إلى التصوف، يحض على العمل، ويعتبره أساس النجاح في الدنيا، وأساس الفلاح في الآخرة فيا ليت من يعيبون تصوفه يعملون!! ولكن أين العزائم وأين العقول التي تستطيع العمل؟ إنها بعض كلمات تقال هنا وهناك لا تورث إلا الفرقة والضلال.

على قدر أهل العزم تأتي العزائم 

وتأتي على قدر الكرام المكارم

وتعظم في عين الصغير صغارها

 وتصغر في عين العظيم العظائم 

وأعجب من فهم العلماء لخطاب العمل في الأمة، فأقول بهذا الفهم عزت ديار المسلمين وسادت وبلغت الآفاق، وكانت الأمة الأولى في العالم، أما كلام الإفك وأحاديث الزور، ومواقف النفاق، فقد ورثت الأمة الهوان، وأما الإيمان المغشوش والتقوى الزائفة، فإنها تخلف كراهية الإسلام والمنهج والبعد عن طريق الرسالة واتهام التعاليم، فكما جاء في النصيحة العلم المجرد لا يأخذ باليد، ولو قرأت العلم مائة سنة وجمعت في رأسك ألف كتاب لا تكون مستعداً لرحمة الله إلا بالعمل ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ فما بالنا إذا كنا بغير علم ولا عمل وما أحوج الأمة أن تسمع لقول الإمام علي كرم الله وجهه «من ظن أنه بدون تعب أو جهد سيصل إلى عز أو مجد، فهو متمن، والمني بضائع الحمقى».

أترى أن هناك شيئاً أبلغ في التوجيه من هذا القول، وهذا الفهم العميق؟ ورحم الله الإمام الشافعي حين يقول:

 إذا غامرت في شرف مروم 

فلا تقنع بما دون النجوم

فطعم الموت في أمر حقير 

كطعم الموت في أمر عظيم 

فهل نلتفت إلى النبع الصافي، ونأخذ من المصدر الرائق، ونسترجع لأنفسنا توجه السلف الصالح في الفهم والعلم والعمل وأسلوب الحياة، أم نتوه بين الصغار وصدق القائل:

لا تأخذ العلم إلا عن جهابذة 

بالعلم نحيا وبالأرواح نفديه

أما ذوو الجهل فارغب عن مجالسهم

قد ضل من كانت العميان تهديه.

الرابط المختصر :