; هل تبدأ حرب القوقاز الثانية من الشيشان ؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل تبدأ حرب القوقاز الثانية من الشيشان ؟

الكاتب محمد العباسي

تاريخ النشر الثلاثاء 13-ديسمبر-1994

مشاهدات 63

نشر في العدد 1129

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 13-ديسمبر-1994

تشكيل جبهة روسية من البرلمانيين والساسة تعارض الدخول إلى المستنقع الشيشاني

عشرات الآلاف من المقاتلين، والقوقازيين، ومن مختلف الدول الإسلامية ينتظرون تدخل الروس

وزير خارجية الشيشان يؤكد استمرار القتال حتى آخر نفس ويحث الدول الإسلامية على الاعتراف ببلاده

تنتهي بعد غد الخميس الموافق منتصف الشهر الحالي 15/12 المهلة الثانية التي حددها الرئيس الروسي بوريس يلتسين للقوات الشيشانية بتسليم أسلحتها مقابل العفو عنها، وهو الاحتمال الذي يستبعده المراقبون خاصة في ظل معرفة الشخصية الشيشانية التي تفضل الموت على الاستسلام إذ قاوم الشيشان روسيا حوالي ٤٠٠ عام وضحوا بثلاثة أرباع السكان للحفاظ على هويتهم الإسلامية واستقلالهم الوطني، وبالتالي فإن معظم المراقبين يتوقعون بداية حرب القوقاز الثانية وسط تحذيرات للرئيس يلتسين من داخل روسيا نفسها بعدم دخول المستنقع الشيشاني الذي ستكون فيه النهاية الحتمية لروسيا الاتحادية.

 إلا أن تراجع الرئيس الروسي عن تهديده الأول بغزو الشيشان والذي أطلقه أوائل الشهر الحالي إذا لم تطلق الشيشان سراح ۷۲ عسكريا روسيا تم أخذهم أسرى أثناء اشتراكهم في المعارك التي دارت في نهاية الشهر الماضي بهدف السيطرة على العاصمة جروزوني، يشير ذلك التراجع إلى معرفة يلتسين لخطورة التدخل في الشيشان، خاصة بعدما تأكدت موسكو من قدوم آلاف المتطوعين من مختلف أنحاء القوقاز والبلاد الإسلامية الأخرى وسط صيحات الجهاد والدعوة بالنصر في صلاة الجمعة، وبالتالي فإن التهديد باحتلال الشيشان تلك الجمهورية الإسلامية الصغرى في خلال ساعتين لا يعدو أن يكون أكثر من لهو حديث من مسئول مخمور لمدة ٢٤ ساعة وفقا لتقارير أجهزة الاستخبارات عنه.

والموقف في الشيشان حاليًا حتى صباح ٥ /١٢ /١٩٩٤م، من خلال اتصال هاتفي تم تأمينه من خلال مصادر المجتمع، مع يوسف شمس الدين - وزير الخارجية الشيشاني - يتبلور في التالي:

سيطرة القوات الشيشانية والمتطوعين المسلمين على كافة القطاعات الحيوية في البلاد وذلك بعد نجاحها في مواجهة العدوان الروسي الذي بدأ يوم ٢٤ / ١١ / ١٩٩٤م وشاركت فيه ٤٠ طائرة عسكرية من طراز توبوليف ١٣٤ علاوة على ۱۰ طائرات هليوكوبتر أخرى كانت تساند قوات المعارضة المدعومة بآلاف من الجنود الروس، إذ تم أسر ۱۲۰ معا، منهم ۷۰ روسيا وقتل أكثر من ۲۰۰ ، ودمرت ۲۰ دبابة روسية بينما استولت القوات الحكومية على ١٢ دبابة أخرى، وكانت هذه المعركة هي التي أثارت ثائرة يلتسين، وأوضحت هزيمته وكشفت تدخل روسيا السافر في الشيشان المستقلة منذ عام ١٩٩١م. وأضاف بأنه قبل انتهاء مهلة يلتسين للشيشان بالاستسلام الساعة الخامسة يوم ١ /١٢ /١٩٩٤م، تدفق آلاف المتطوعين من أبخازيا وداغستان وقرة تشاي - شركس وقباتراي بالكار - للاشتراك في مواجهة الروس، علاوة على تواجد الآلاف من المتطوعين المسلمين من مختلف دول العالم الإسلامي الذين يعيشون لحظات أشواق للجهاد، وهو الأمر الذي أخاف يلتسين، خاصة بعدما أكدت التقارير أن الشعب الشيشاني كله يقف مع الرئيس جوهر دوداييف الذي أصبح يمثل للشعب تجسيدًا حيًا لأسطورة الشيخ شامل الذي أذل الروس لعشرات السنين. 

وقال وزير الخارجية الشيشاني إن صلاة الجمعة يوم ٢/ ١٢ / ١٩٩٤م في مساجد الشيشان والتي تدفق إليها الشعب من كل صوب يدعو الله بالنصر ضد الروس زلزلت قلوب حكام روسيا، ولذلك انتقد الكثير من أعضاء البرلمان الروسي التدخل الروسي بشكل سافر مثلما فعلت الين بامفيلونا - وزيرة الخدمات الاجتماعية السابقة، وعضو البرلمان حاليا - إذ قالت: إن كل إنسان يعرف أن الطائرات التي قصفت جروزوني ليست بريطانية، ولا فرنسية، ولا أمريكية بل هي روسية، وهو أمر مخالف للدستور لعدم أخذ موافقة البرلمان ولذلك يجب أن يتم وقف القصف فورًا. 

كما انتقد النائب فلادمير ليسنكو، بوريس يلتسين قائلا: يجب ألا تواجه الشيشان الصغيرة لأن التدخل يعني تعريض ١٥٠ ألف روسي يعيشون هناك للخطر وأنه يجب البحث عن حل سلمي للأزمة. وهو الأمر الذي طالما دعا إليه الرئيس الشيشاني دود اييف، وقال وزير الخارجية الشيشاني بأنهم رغم موافقتهم على التفاوض فإنهم مستعدون للقتال حتى آخر لحظة وأنهم لن يكونوا أقل من الذين ضحوا بحياتهم ضد العدوان الروسي من الشعب الشيشاني والذي بلغ عددهم ٦٧٠ الف و ۳۰٥ شيشانيًا حتى الآن. وكان الرئيس الشيشاني قد أعلن في مؤتمر صحفي عقده في بداية الشهر الحالي أنهم مستعدون للتفاوض مع موسكو وأنهم طالما دعوا إلى ذلك إلا أن موسكو رفضت المفاوضات، وقال إنهم مستعدون للدفاع عن كل شمال القوقاز وليس الشيشان فقط وأشار إلى تدفق أعدادًا من المتطوعين من الدول الإسلامية إلى الشيشان.وعمومًا فإنه على الرغم من عدم نجاح القوات الروسية التي تتقنع بأسماء الجماعات المعارضة الشيشانية والتي لا تشكل أكثر من 1% من السكان، فإن القوات الروسية المرابطة في أوسنيا الشمالية قد اتخذت كافة الاستعدادات اللازمة للتدخل بعد صدور قرار بذلك وهو ما أحدث الشيشان لمواجهته ليكون ذلك التدخل هو بداية حرب القوقاز الثانية. 

والتحرك الروسي حتى هذه اللحظة يعتمد دعم جماعات المعارضة الشيشانية التي شكلتها. موسكو نفسها لخداع الشعب الشيشاني وهي: مجموعة عمر افتخار نوف التي تعارض إقامة جمهورية مستقلة في الشيشان وتفضل البقاء أسيرة للنظام الروسي، جماعة يراجي محمود رف - وهو رئيس وزراء سابق، ورئيس حكومة المنفى التي تدعمها روسيا رسميا وجماعة جبريل حانيف - رئيس جماعة العلماء ورجال الدين. وكان من أنصار دود ابيف ثم انقلب عليه بسبب نجاح الأخير في إقامة علاقات واسعة مع الدول الإسلامية وهو الأمر الذي فوت عليه الحصول على مكاسب شخصية كان يحققها من خلال قيامه بذلك، وجماعة حسين أحمدوف - رئيس برلمان الشيشان - وكان أيضًا من أنصار دوداييف إلا أنه انشق عليه مقابل أموال ضخمة من روسيا، وإن كان قد برر انشقاقه على دوادييف لمحاولات الأخير السيطرة على البرلمان، وجماعة رسلان حسبولاتوف- رئيس البرلمان الروسي السابق - والذي عقد اتفاقًا مع الرئيس يلتسين يقضي بتوليه رئاسة الشيشان في حالة نجاحه في إزاحة دوداييف كما يقوم بعمل اتصالات مكثفة مع بعض الدول العربية والإسلامية لإثنائها عن دعم دوداييف أو إقامة علاقات معه إلا أنها فشلت حتى الآن مؤتمر الشعوب القوقازية والذي شكلته موسكو من عملائها في القوقاز المواجهة كونفدرالية الشعوب القوقازية التي تعارض موسكو، علاوة على ۱۲ مجموعة من المجرمين مدعومة بـ ٣ مروحيات عسكرية مدججة بالصواريخ مهمتها اغتيال الرئيس دوداييف الذي أصبح يشكل رمزا للاستقلال.

وتحاول روسيا أيضًا من خلال حملة إعلامية منظمة تشويه جوهر دوداييف من خلال تسريب أخبار وأنباء للمراسلين الأجانب ومدهم أحيانا بوثائق مزورة حول شخصية دوداييف ومحاولة الطعن في نزاهته. وفي مواجهة ذلك يوجد لدى الرئيس الشيشاني أكثر من ٢٥ ألف مقاتل شيشاني مسلح بشكل جيد ويمكنهم الصمود السنوات طويلة خاصة وأن الظروف الجغرافية والمناخية تساعدهم على ذلك، بالإضافة إلى عدة آلاف من المجاهدين المسلمين من مختلف أنحاء العالم الإسلامي والذين تدربوا على القتال في الحرب الأفغانية - السوفيتية، وكانوا من عوامل هزيمة الاتحاد السوفيتي السابق، بل وانهياره أيضًا علاوة على تسليح كافة أبناء الشعب الشيشاني للقتال، وإذا كان ألكسندر سکندریان - مدیر معهد الدراسات القوقازية في موسكو - يرى أن الشيشان جنود جيدون ويفضلون الموت على الإستسلام أو الإذلال، فإن ذلك يعني اندلاع حربا شرسة بين روسيا والشيشان ستضحي فيها الأولى بالغالي والرخيص، بل إن مصالحها الحيوية ستتعرض للخطر إذ أن هناك جماعات مسلحة شيشانية في كافة أنحاء روسيا منتظرة تلقي الأوامر من الرئيس دوداييف القيام بهجمات مسلحة على كافة المصالح الروسية الحيوية. 

ولذلك ظهرت جبهة معارضة في روسيا المجرد التفكير في التدخل في الشيشان فها هو ميخائيل جورباتشوف - آخر رؤساء الاتحاد السوفيتي السابق، ومن مواليد القوقاز - يحذر يلتسين من مغبة التدخل في الشيشان قائلا: لا تدخل الشيشان، إن دخول الدبابات والجنود الروس إلى هناك يعني بداية حرب القوقاز، لقد عملت سنوات هناك وأعرفها جيدًا، فالحل أن يكون عبر المفاوضات السياسية دون تجاهل جوهر دوداييف تذكر حرب الشيخ شامل ضد شارليك، إن روسيا ستنتهي إذا ما ذهبت إلى القوقاز أما نايل إيرتوجانوف - أحد مساعدي سيرجي يوسانكوف رئيس لجنة الدفاع في البرلمان الروسي - فأكد بأن التدخل الروسي سيحدث فاجعة، وطالب بإيجاد حل سلمي وهو ما طالب به أيضًا النائب فلادمير ليسنكو للحفاظ على أرواح ١٥٠ ألف روسي يعيشون في المنطقة، وحذر الين بامفيلوفا - عضو البرلمان . من إقدام يلتسين على شيء مخالف للدستور وإن أي تدخل حتى لو كان قصفًا جويًا يجب أن تتم الموافقة عليه من البرلمان الروسي.

ورغم إعلان حالة التأهب القصوى بين الجانبين؛ فإن المعلومات التي حصلت عليها المجتمع من مصادرها في العاصمة الشيشانية تشير إلى بدء مفاوضات سرية بين الجانبين تستهدف عدم تفجير الموقف وعدم إسالة الدماء في القوقاز -خاصة- وأن دوداييف بدأ حاليًا الدعوة لتشكيل جمهورية قوقازية تضم الجمهوريات الصغرى الأخرى بجانب الشيشان وهو الأمر الذي تراه موسكو تحديا لها، ولذلك من المحتمل أن تعترف موسكو بالأمر الواقع في الشيشان على أساس أنها دولة مستقلة منذ سبتمبر ۱۹۹۱م، بشرط عدم دعم أية حركة انفصالية أخرى في القوقاز وضمان حركة المرور من روسيا - إلى جمهوريات آسيا وكذلك عدم عرقلة مد خط أنبوب النفط المخطط له من أسيا الوسطى وأذربيجان إلى ميناء نوفو روسيسك والذي سيكون مدخله من داغستان والشيشان، وما زال دوداييف يدرس كافة الخيارات إلا أنه بالتأكيد وفقًا للمعلومات المتوفرة حول شخصه لن يرضى باقل من الإستقلال بديلًا وسيرفض إعطاء أي وعد بعدم دعم إخوانه في القوقاز الذين أبدوا مواقف شجاعة وأعلنوا دعمهم له مثلما دعم هو شخصيًا أبخازيا أثناء حربها مع جورجيا والتي يمكن أن تستخدم روسيا الأخيرة ضد الأولى كورقة ضغط على الاباظة لعدم تدخلهم إلى جانب الرئيس الشيشاني، وهو الأمل المحتمل حدوثه إذا ما تدخلت روسيا في الشيشان.

وعلى الصعيد الدولي اعتبرت واشنطن أن التطورات الحالية في الشيشان من الأمور الداخلية في روسيا، وهذا يتلامم بالطبع مع سياسة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون الذي یهادن روسيا ويوافق على أن استعادتها لدول الجوار الإسلامية أفضل من وقوعها في يد إيران الإسلامية أو تركيا التي يمكن أن تتقوى بها قوميًا. ويعتبر ريتشارد ارميتاج - مساعد وزير الدفاع الأمريكي السابق - والذي كان يشرف على المساعدات الأمريكية لدول الاتحاد السوفيتي السابق في يناير ۱۹۹۲ إلى مايو ۱۹۹۳م، أن قضية الشيشان تشكل مأزقًا خطرًا للدبلوماسية الأمريكية قد تنهي مصالح واشنطن واستثماراتها في حقول النفط في كازاخستان وأذربيجان وغيرها من دول القوقاز، إذ أن إدارة كلينتون سترتكب خطأ جسيمًا - على حد قول ارميتاج - إذا هي أوحت بأن الموسكو حرية التصرف كما تشاء خارج حدودها القريبة.

وجدير بالذكر أن الرئيس الشيشاني كان قد ذكر بأن أمريكا تأمرت على بلاده والقوقاز مع موسكو حيث عقدت واشنطن وموسكو بالطا جديدة المجتمع العدد ۱۱۲۰ الموافق 6 جمادىالأولى ١٤١٥هـ - ١١ / ١٠ / ١٩٩٤م). أما الموقف التركي الرسمي والذي لخصه بيان للخارجية نشرته صحيفة تركيا، يوم ٢ / ١٢ /١٩٩٤م فيدعو إلى البحث عن حل سياسي في الشيشان في إطار المبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان وعن طريق المفاوضات على أساس الوحدة الترابية لروسيا الاتحادية، وهو ما يعني ببساطة رفض استقلال الشيشان المعلن منجانب واحد في سبتمبر ۱۹۹۱م وفي نفس الوقت رفض أسلوب الحل العسكري لإنهاء الأزمة.أما الدول العربية والإسلامية فكان الأمر لا يعنيها البتة رغم محاولات الشيشان المكثفة لجذب انتباهها عن طريق الاتصالات وطلب الاعتراف بها، وذلك من خلال تحرك أكثر من   15بعثة دبلوماسية شيشانية لم تحصل على أكثر من وعود تذهب أدراج الرياح.فهل يظهر العالم الإسلامي دعمه للشيشان التي أعلنت بأن القرآن الكريم سيكون دستورها؟ أم ينتظر لحين يطبق الروس عليها، ولحظتها يبدأ الصراخ على ضياع حاضرة إسلامية أخرى مثلما يحدث حاليًا في البوسنة، خاصة وأن وزير الخارجية الشيشاني أكد لـ «المجتمع في الاتصال الهاتفي معه أن روسيا وضعت كافة قواتها يوم /١٢/٤ / ١٩٩٤م على أهبة الاستعداد، وحشدت قوات خاصة لإرسالها إلى الشيشان في الوقت الذي توجه فيه رسلان حسبولاتوف إلى موسكو.

خريطة للشيشان والانجوش

الرابط المختصر :