; هل تتحقق العدالة في توزيع الثروة في الكويت؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل تتحقق العدالة في توزيع الثروة في الكويت؟

الكاتب المحرر المحلي

تاريخ النشر الثلاثاء 24-سبتمبر-1985

مشاهدات 51

نشر في العدد 734

نشر في الصفحة 11

الثلاثاء 24-سبتمبر-1985

معيار أساسي في الصلاح السياسي لأي بلد وفي الرفاهية الاجتماعية لأي شعب يكمن في العدالة في توزيع الثروة بين الأفراد، ولعل معظم أنواع الظلم والحروب والشر في التاريخ قد سببها اختلال هذا المعيار، فبهذه العدالة في توزيع الدخل يضمن الشعب الاستقرار والازدهار، وبانعدامها لا يكاد المجتمع يتماسك ويبقى.

 

والعدالة في توزيع الثروة لا تعني بالضرورة تساويها في يد جميع المواطنين لأن الثروة بيد الله يمنحها من يشاء، والتفاوت في المستويات الاقتصادية لفئات المجتمع المختلفة أمر وارد في جميع المجتمعات، ولكن القصد هنا أن يتحقق مبدأ تكافؤ الفرص بالنسبة للأفراد بحيث يستطيع الأكفأ منهم تحقيق المزيد من الثراء وحسب توفيق الله له وبجهده الذي يبذله من أجل هذا الغرض.

 

وفي الكويت بعد أن حبا الله شعبها بالثروة الكبيرة، إلى أي حد استطاعت الكويت أن تحقق العدالة في توزيع هذه الثروة؟

 

يمكن القول بأن جميع ما يحمله الكويتيون في جيوبهم من نقود ليس إلا أموالا نتجت عن تصدير النفط، وهذا يصدق أيضًا على معظم المقيمين في الكويت أيًا كانت جنسياتهم.

 

فالنفط هو عصب الثروة في الكويت، والأساس الذي بنيت عليه الكويت كدولة، وإيرادات الدولة الناتجة عن تصدير النفط هي مصدر السيولة في الكويت، وليست سائر القطاعات الاقتصادية الأخرى في الكويت إلا مستفيدًا من هذه السيولة ومستخدمًا لها.

 

وقد بدأ استخراج النفط في الكويت في الثلاثينيات، ولكن الإنتاج التجاري لم يبدأ إلا بعد أن وضعت الحرب العظمى الثانية أوزارها، وقد تصاعد الإنتاج من ذلك الوقت بشكل كبير وحسب سياسة الشركات النفطية المسيطرة التي كانت تنتج النفط حسب حاجة العالَم الغربي للطاقة وليس وفقًا لاحتياجات الكويت من الدخل.. وفي الحقيقة كان الإنتاج مبالغًا فيه.. ورغم أن سعر البرميل لم يكن يتجاوز الدولار بكثير إلا أن الإنتاج الضخم كان كفيلًا بإمداد الحكومة الكويتية خلال الخمسينيات والستينيات بأموال طائلة لم تكن تتوفر لأي بلد آخر في العالم العربي.

 

ومنذ ذلك الحين وحتى الآن لعب القطاع النفطي دورًا بدائيًا في الاقتصاد المحلي.. إنه فقط يعطي مصادر مالية واستثمارية للقطاعات غير النفطية، فهو ممول للاقتصاد ليس إلا، ولم تُبذل محاولات جادة لتطوير هذا القطاع أو خلق القاعدة الصناعية المرادفة له والمعتمدة عليه.

 

لقد تكونت ثروة هائلة من تصدير النفط، وجزء من هذه الثروة المتراكمة تم استثمارها في الخارج لصالح الحكومة، ولكن جزءًا كبيرًا منها أُنفق في الداخل وتقاسمته أطراف عديدة بطرق متعددة، ومن هذه الطرق على سبيل المثال: التثمين والوكالات التجارية والمقاولات ثم الرواتب. ولكن نصيب كل طرف من هذه الثروة لم يكن متساويًا.

 

التثمين ثروة بدون جهد

 

رأت الحكومة وبعد أن تراكمت الثروة أمامها أن تقوم بتوزيع جزء من هذه الثروة على المواطنين لرفع مستواهم المعيشي، وهو إجراء حسن ومنطقي في حالة الرفاه الاقتصادي المفاجئ في الكويت.

 

وخير وسيلة رأتها الحكومة لذلك هو مبادلة المواطن الذي يملك عقارًا قديمًا هذا العقار بمبلغ من المال تفوق قيمته عشرات المرات القيمة الفعلية لذلك العقار وهو ما عرف بالتثمين.. وعلى هذا الأساس قامت الحكومة بشراء آلاف العقارات من المواطنين ودفعت بالمقابل مبالغ طائلة ذهبت لجيوب أصحاب هذه العقارات؛ مما أسفر عن تحويل الكويتيين إلى شعب من الأغنياء والمرفهين، إلا أن الاستفادة من التثمين لم تكن متساوية فقد طرأت أخطاء في تنفيذ عملية التثمين.

 

لقد كانت الحكومة تثمن أي عقار وبغض النظر عمن يملكه، فمن كان يملك عقارًا واحدًا يحصل على تثمين لهذا العقار.. ومن يملك ١٠٠ عقار يحصل على تثمين لـ ١٠٠ عقار، وبالتالي كان توزيع الثروة عن طريق التثمين غير عادل فهو يتخم أصحاب العقار بالأموال في حين يبقى من لا يملك عقارًا مفلسًا، وقد كان على الحكومة أن تضع حدًا أقصى لما يتم تثمينه للشخص الواحد، وكذلك كان عليها أن تقتصر على تثمين العقارات المستغلة كالأراضي التي تقام عليها البيوت أو المتاجر أما الأراضي الواسعة المهجورة فما الداعي لتثمينها؟ وقد كان لقرب أصحاب العقارات الواقعة من مركز اتخاذ القرار السياسي أثره في تجاه التثمين لصالحهم وتحقيق مكاسب ضخمة من أموال النفط.

 

وحدث تجاوز آخر في موضوع التثمين فعندما علم بعض المتنفذين بحكم مناصبهم بعملية التثمين قبل أن تتم طفقوا ينهبون الأراضي المشاعة ويستولون على أكبر كمية منها بحجة أن هذه الأراضي تحت حمايتهم. وبدأ ما يسمى بـ «زحف البراميل»، إذ يقوم أحدهم بوضع برميل على قمة تل ويضع برميلًا على قمة تل آخر يبعد عدة كيلومترات من التل الأول ويقول بأن ما بين البرميلين من أراضٍ هي تحت حمايته، وبالتالي يستحق التثمين على هذه الأراضي حينما يمتد العمران إليها، وأثرى البعض عن طريق هذه الأساليب ثراءً فاحشًا.

 

المقاولات.. امتصاص الإنفاق الحكومي

 

عندما تدفقت الثروة للكويت في الخمسينيات كانت هناك مهمة كبيرة على الحكومة تتمثل في إنشاء دولة جديدة من القواعد لتحل محل مدينة ساحلية بدائية، وإنشاء هذه الدولة الجديدة بما تتضمنه من بنية تحتية تتمثل في عشرات الشوارع الحديثة والمرافق والمشاريع الأساسية والمباني والموانئ الحديثة، وغيرها من الإنشاءات التي تتطلب إنفاقاً حكوميًا ضخمًا يحتاج إلى العديد من شركات المقاولات التي تتولى تنفيذ هذا كله.

 

ولم يكن في الكويت شركات تمتلك الكفاءة اللازمة لتنفيذ المشروعات والتي كانت تحتاج إلى مهارات فنية تقنية خاصة لم تكن تتوفر في الكويت وخاصة بين الكويتيين؛ لذلك كان معظم المقاولين الكويتيين الذين قاموا بالمشروعات مجرد وسطاء لشركات مقاولات أجنبية قامت بتنفيذ المقاولات فعلًا.. وقد جنت هذه الشركات أرباحًا كبيرة وبالمقابل حصل المقاولون- الوسطاء- الكويتيون على أموال طائلة وحصة كبيرة من الإنفاق الحكومي، ولم تتوفر نفس الفرصة للمواطنين الذين لا يملكون مقاولات.. في حين لم يكن هؤلاء المقاولون- الوسطاء- يملكون القدرة الذاتية أو الشركات ذات الأجهزة القادرة على تنفيذ المشاريع.. لقد كانوا مجرد مستفيدين من تدفق الأموال.

 

لذلك فإنه عندما جاء في توصيات ورقة غرفة التجارة والصناعة لحل الأزمة الاقتصادية المطالبة بتفضيل المقاول الكويتي على غيره في تنفيذ المشاريع الحكومية اعترض الكثيرون على ذلك وقالوا بأن منح المقاولة للكويتي بغض النظر عن الأسعار المنافسة يعتبر تنفيعًا لفئة قليلة من الشعب على حساب المصلحة العامة... وطالب البعض بوضع ضوابط على هذه القضية.

 

الوكالات التجارية.. المؤسسات المصرفية

 

يعتمد الاقتصاد الكويتي اعتمادًا يكاد يكون كاملًا على الاستيراد في سد معظم احتياجاته؛ لذلك فإن إنفاق الحكومة للأموال داخل الكويت ينتهي دائمًا بتسربها إلى الخارج كثمن للبضائع المستوردة.

 

ومعظم الاستيراد في الكويت يتم عن طريق الوكلاء: وكلاء السيارات، وكلاء للأجهزة الكهربائية، وكلاء للمواد الغذائية وغيرها..

 

ويحصل الوكلاء على مكاسب كبيرة من وراء ذلك، فهم يحتكرون ماركة معينة من السلعة ويبيعونها في الداخل بثمن مضاعف مستفيدين من المستوى المرتفع للمعيشة في الكويت فتؤول لهؤلاء الوكلاء نسبة كبيرة من رواتب الموظفين ونسبة كبيرة من بنود المشتريات للشركات المختلفة والوزارات وبالتالي حصة كبيرة من الإنفاق العام للدولة.

 

ومثل ذلك المؤسسات المصرفية.. إذ إن السيولة الكبيرة المُتدفقة في الكويت والنشاط التجاري الكثيف احتاج إلى مؤسسات تقدم الخدمات المصرفية المطلوبة، فتجمعت أموال طائلة في البنوك المحلية استفادت منها مجموعات التجار التي تسيطر على البنوك وسيرتها لخدمة مشاريعها الخاصة.. وقد أتضح من ملابسات أزمة المناخ أن الكثير من البنوك لم تكن تلتزم بسياسة رصينة في الإقراض، بل كانت القروض تُمنح للأقارب والمعارف أو لأعضاء مجلس الإدارة لاستخدامها في المضاربة والحصول على أرباح طائلة.

 

إذا تمكنت فئة محدودة من الشعب الكويتي عن طريق الوكالات التجارية أو بإمساكها بزمام المؤسسات المصرفية من تحقيق ثروات كبيرة لا تتيسر الفرصة لسائر المواطنين لتكوين مثلها... ولم يكن تحقيق هذه الثروات ناتجًا عن كفاءة عالية أو مجهود خاص من قِبَل تلك الفئة المحدودة بل لمجرد حصولها على امتيازات خاصة.

 

الرواتب

 

الرواتب هي الأسلوب البسيط والمباشر لتوزيع الثروة الوطنية لأي دولة، ويعتمد على منح المال لمن يبذل العمل والجهد بالمقابل، والرواتب من أكثر السبل عدالًة وإنصافًا في توزيع ثروة أي دولة على فئات الشعب، هذا من الناحية النظرية على الأقل.

 

وفي الكويت التزمت الحكومة بتشغيل المواطن الكويتي لديها بغض النظر عن الحاجة له، فحق العمل للكويتي قد كفله الدستور في المادة ٤١ منه والتي تقول «لكل كويتي الحق في العمل وفي اختيار نوعه.. والعمل واجب على كل مواطن تقتضيه الكرامة ويستوجبه الخير العام وتقوم الدولة على توفيره للمواطنين وعلى عدالة شروطه»

 

ولذلك كانت الرواتب الحكومية مصدر الدخل لمعظم الكويتيين، ولأن الراتب الحكومي مكفول فإن المواطن الكويتي أصبح يميل إلى الاتكالية وعدم الجدية في العمل، وهذه من أبرز المشاكل في الكويت، وقد زاد من هذه الاتكالية عدم حزم الحكومة مع الموظف الكويتي أو متابعتها له، ربما لأن أصحاب السلطة يعتقدون بأنه لو اتبع الحزم مع الموظف محدود الدخل فإن هذا سيفتح عينيه على أموال الدولة الطائلة التي يُحرم منها وتذهب لمصلحة فئة قليلة من المواطنين، فالرواتب تمثل جزءاً من الإنفاق الحكومي، والأجزاء الأخرى تذهب في جيوب أرباب المقاولات والمصارف وأصحاب الوكالات التجارية.. وهنا يبرز اختلال العدالة في توزيع الثروة.

 

ونظام الرواتب في الكويت يحتاج إلى ترشيد، فالرواتب هي أكثر الطرق إنصافًا في توزيع الثروة ولذلك يجب زيادة هذه الرواتب، ولكن بعد أن يتحول الموظف الكويتي إلى الإنتاجية والعمل الجاد، وينبغي تركيز الزيادة على المهن الفنية الإنتاجية وتفضيلها على المهن المكتبية من أجل تشجيع الشباب الكويتي للاتجاه نحو المهن الصناعية والتي تتطلب مهارات تكنولوجية، ومثل هذه المهن تعاني حاليًا من عزوف الشاب الكويتي عنها لضعف الحوافز.

 

من ناحية أخرى على الحكومة السعي لإيجاد مواقع عمل للكويتيين في غير المؤسسات الحكومية أو الوزارات، فمعظم شركات القطاع الخاص لا يكاد يتواجد فيها موظف كويتي واحد، وجدير هنا النظر إلى الاقتراح الذي نشرته مجلة المجتمع في مقابلة لها مع السيد عبد العزيز الصقر والذي تبنته مجموعة من نواب مجلس الأمة، وهو يشير إلى إلزام شركات المقاولات الوطنية بتشغيل نسبة معينة من الكويتيين فيها ٥٠٪ إذا ما رغبت في الحصول على المقاولات الحكومية.

 

 إن مثل هذا الأمر لو نفذ فإن راتب الموظف الكويتي سيرتفع وسيجد العديد من فرص العمل الجيدة أمامه، كما أن عمل الكويتيين في مؤسسات القطاع الخاص سيخلق الجدية لدى الموظف الكويتي نظرًا للرقابة الصارمة في مؤسسات القطاع الخاص والتي لا تتوفر في الجهاز الحكومي.

الرابط المختصر :