; هل تخلَّت «المجتمع» عن فكرة البراء من الأنظمة الجاهلية؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل تخلَّت «المجتمع» عن فكرة البراء من الأنظمة الجاهلية؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 24-نوفمبر-1987

مشاهدات 54

نشر في العدد 844

نشر في الصفحة 6

الثلاثاء 24-نوفمبر-1987

عزيزتي المجتمع

السيد رئيس تحرير مجلة المجتمع الغراء، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وبعد..

فإن هناك قضية مُلحة برزت في ذهني لدى اطلاعي على ما تطرحونه من قضايا تخص مواقف الحركة الإسلامية في ركن المنتدى الفكري.

فالذي يُستفاد من إجابات المفكرين الإسلاميين على أسئلتكم أن الحركة الإسلامية تقف من السلطات الوطنية الحاكمة موقفًا حياديًّا، بل يستفاد أيضًا أن الحركة الإسلامية في طرح د. عبد الله النفيسي ود. حامد الرفاعي في إحدى الندوات تدعو إلى إقامة علاقات وطيدة مع الأنظمة والسلطات الحاكمة، وهذا لم نكن لنطلع عليه في كتابات كبار رجال الحركة منذ أيام الإمام حسن البنا والشهيد سيد قطب والمرحوم المودودي، مما يجعل القارئ للأفكار الجديدة في مجلة «المجتمع» حائرًا في تفسير هذا التعارض.

والسؤال الذي أود الإجابة عنه يكمن في النقاط التالية:

- ألا يتعارض ما تطرحه «المجتمع» من مواقف سياسية جديدة مع فكر كبار مؤسسي الحركة الإسلامية ومواقفهم المشهورة؟

- ما سبب حرص مجلة «المجتمع» على طرح إقامة علاقة بين الحركة الإسلامية والحكومات القائمة في العالم الإسلامي؟

- ما تطرحه «المجتمع» بهذا الصدد هل يمثل اتجاهًا جديدًا رسميًّا عند قادة الحركة الإسلامية؟ وما هي الظروف التي استجدت حتى يغير الإسلاميون مواقفهم من السلطات الحاكمة؟

القارئ

د. عبد الحميد المصري- الأردن

عزيزي القارئ

إن مجلة المجتمع بقدر اهتمامها بتحليل الخبر وسير أغواره، تهتم كذلك بتأصيل الأفكار والآراء، وتعتقد «المجتمع» أن الدعوة الإسلامية تتضمن ثوابت ومتغيرات. فعلى سبيل المثال: إنكار المنكر هو أحد ثوابت هذه الدعوة والذي يشكل أحد دعاماتها، ولكن وسائل الإنكار هي من المتغيرات؛ فهناك تغيير يتم باليد وآخر باللسان، وأضعفها جميعًا التغيير بالقلب، وهذه المتغيرات ترتبط بالقدرة والظروف المحيطة.

و«المجتمع» عندما تتناول بعض الأفكار والآراء المتعلقة بالدعوة الإسلامية، إنما تريد تنشيط الفكر الاجتهادي في سياسات الدعوة وإستراتيجياتها ووسائلها، ولعل القضية التي أثرتها -عزيزي القارئ- من ضمن القضايا التي نرى لابد من إثراء الفكر فيها بتنشيط الاجتهاد.

فقضية إقامة الجسور بين الحركة الإسلامية والحكومات ما كانت تبرز لولا المذابح والمجازر التي تتلقاها الحركة الإسلامية من بعض الأنظمة في كثير من البلدان، بسبب ذلك تعطل الدور الاجتماعي والتربوي في تلك البلاد بتعرض الدعاة لابتلاءات التشرد والفتن والتعذيب.. إننا لا ننفي سنة الله الجارية في دعوته والتي قررتها سورة العنكبوت بقوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (العنكبوت: ۲).

لكننا كذلك -مع إيماننا بهذه السنة- نؤمن بأن أمنية لقاء العدو ومواجهته محرمة في الإسلام، فلا نتمنى أن نعرض شباب الدعوة وذويهم للسحل والضرب والتشرد والتعذيب.. كذلك نؤمن بأن الدعوة الإسلامية غير مطالبة بأن تعيش حالة حرب وعداء مع كل خصومها وبخاصة وأنها منهكة ومازالت جراحها تنزف.

ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فلقد هادن في مكة وهادن في المدينة، وابتلي في مكة وابتلي في المدينة، فلقد كانت سياسة الصبر والصمود أمام الابتلاء تحاذيها سياسة تجنب الابتلاء.

وعليه كان لابد من أن نطرح فكرة إقامة الجسور مع الحكومات.. فالدعوة في حاجة إلى من يؤمن لها الحماية للقيام بدورها الاجتماعي التربوي، وما لا يدرك كله لا يترك جله.

ورغم أن كتاب الله يقرر لنا قاعدة البراءة من الخصوم على لسان إبراهيم عليه الصلاة والسلام إذ يقول: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ۖ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (الممتحنة: ٤).

إلا أنه لا يترك المجال دون توضيح واستثناء إذ يقول: لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (الممتحنة:8-9).

فالآية الأولى تقرر إعلان العداء مع الخصوم الذين كفروا بكتاب الله وأعلنوا الحرب على الإسلام، أما الآية الأخرى فتقرر السماح بإظهار المودة والقسط لمن لم يعلنوا الحرب على الإسلام، هذا فيما يخص الكافرين. أما فيما يخص عصاة المسلمين من الحكام فلفقهاء المسلمين مدارس في ذلك:

فمدرسة أبي يوسف والأوزاعي والعز بن عبدالسلام غير مدرسة مالك والشافعي، وغير مدرسة ابن حنبل، وكل أولئك له اجتهاده، وكل أولئك اجتهاده معتبر؛ فأبو يوسف وابن عبدالسلام والأوزاعي كانت بينهم وبين الحكام جسور.

ولولا وجودهم قرب الحكام لاستفردت بطانة السوء بالحاكم واحتكرت التأثير على رأيه، ورغم مقاطعة مالك والشافعي للحكام إلا أنهما لم يحجموا عن المساهمة في الرأي إذا ما استشيروا، وكذلك هناك ابن حنبل الذي اتخذ من مقاطعة الحكام مقاطعة نهائية منهجًا له.

هذه مدارس الفقهاء والمعتبرين في مثل هذه القضية، وليس لنا أن نقول إن هدم الجسور بين الحركة الإسلامية والحكام هو الموقف الإسلامي الصحيح، فهذا الموقف من المتغيرات وليس من الثوابت.

  • يبقى.. هل هذا يتعارض مع فكر كبار مؤسسي الحركة الإسلامية ومواقفهم المشهورة؟ فنحن نقول إنه مادام هذا الموقف من المتغيرات التي تتأثر بالمستجدات وحصيلة التجربة، فلا يمنع أن يكون كبار مؤسسي الحركة بنوا اجتهادهم لفترة كان ذلك الموقف يتناسب مع واقعهم ولا يتناسب اليوم مع واقعنا.
  • ورغم ذلك من قال إن الإمام حسن البنا كان يدعو إلى هدم الجسور بين الحركة الإسلامية والحكام؟! هذا غير صحيح وقراءة سريعة لتاريخ الإخوان وسيرة الإمام البنا تفند هذا الزعم. ومن قال إن مولانا المودودي كان يدعو إلى مقاطعة الحكام؟! لو كان كذلك فبماذا نفسر النشاط السياسي للجماعة الإسلامية في باكستان وتحالفاتها ومهادناتها ودخولها الوزارة؟! أما عن كتابات الشهيد سيد قطب فنحن نقر أنه كان يدعو إلى المفاصلة والبراءة من الأنظمة الجاهلية، ولكننا نعتقد أن الشهيد سيد قطب لم تُعط له الفرصة لرصد تجربة هذا الرأي على مسرح الواقع.. إن رأي الشهيد ظل رأيًا نظريًّا له حججه وأدلته المعتبرة ولا ينقصه إلا نجاحه على أرض الواقع.
  • إن القول بأن الدعوة لإقامة جسور بين الحركة الإسلامية والحكام تتعارض مع رأي كبار مؤسسي الحركة الإسلامية يحتاج إلى دلیل وبرهان، ولذلك نقول إن ما تطرحه مجلة «المجتمع» لا يمثل اتجاهًا رسميًّا لقادة الحركة الإسلامية، إنما هو تسليط الضوء على قضية حساسة ومهمة، ولا يمنع أن يكون بعض قيادات الحركة الإسلامية متحمسين لمثل هذا الرأي.
  • إن حرص مجلة «المجتمع» على طرح هذه القضية يعني رغبتها في إثراء البدائل والخيارات في سبل الدعوة ووسائلها، وهي لا تدعو بالضرورة الحركة الإسلامية لأن تختار هذا الخيار، ولكنها تدعو للاستفادة من الخيار، فليس من المطلوب أن تعيش الحركة الدهر كله في حالة عذاب ومعاناة! وليس من المعقول ألا تستفيد الحركة من الحريات التي تمنحها بعض الأنظمة، وليس كذلك من المقبول أن نسوي الأنظمة السياسية المعادية للإسلام ذاته بالأنظمة السياسية المعتدلة.

وختامًا نقول: إن «المجتمع» عندما طرحت آراء الكتاب الإسلاميين في منتدياتها، دعت مفكري الأمة وعلماءها وكبار دعاتها لطرح الرأي حول المواقف والأفكار المستجدة. وسوف ننشر -إن شاء الله- كل رأي يثري هذه الأفكار، ويصقل المواقف المستجدة؛ بغية ترشيد مسيرة هذه الصحوة وتأصيلها في مجتمعنا الإسلامي الكبير.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

1640

الثلاثاء 24-مارس-1970

حَديث صَريح للشيخ محمد أبو زهرة

نشر في العدد 1

1417

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع القراء

نشر في العدد 2

1443

الثلاثاء 24-مارس-1970

مع القراء 1