العنوان هل تريد أمريكا حقا محاربة الإرهاب والقضاء عليه؟
الكاتب د. علي محيي الدين القرة داغي
تاريخ النشر السبت 01-مايو-2004
مشاهدات 46
نشر في العدد 1599
نشر في الصفحة 21
السبت 01-مايو-2004
منذ أن أعلن الرئيس الأمريكي بوش حملته العالمية ضد الإرهاب بعد أحداث سبتمبر 2001م، ووقفت معه جميع الأجهزة الأمريكية المخابراتية والسياسية والإعلامية والعسكرية، قام الرئيس بتدشين الحرب العالمية الثالثة التي وصفها في البداية بالحرب المقدسة، ثم بالحرب العادلة، ثم بحرب الحرية وأعلن أن من ليس مع أمريكا فهو ضدها. وعلى إثر ذلك شنّت أمريكا حربًا على أفغانستان وأسقطت حكومة طالبان ثم على العراق، فأسقطت من خلالها نظام صدام حسين في 4 أبريل 2004م.
وخلال السنوات الثلاث الماضية، فإن من يتابع المشاهد السياسي والتطورات التي حدثت والمواقف التي اتخذتها أمريكا والسياسات التي اتبعتها، والتصريحات التي أدلى بها قادتها... يجد أن كل ما سبق لا يدل أبدًا على أن أمريكا تريد محاربة الإرهاب واجتثاث جذوره والقضاء على أسبابه وآثاره كما تزعم، بل على العكس يدل بوضوح على أن أمريكا تتسبب كثيرًا في إثارة المسلمين لدفع بعضهم إلى التطرف وتصب مزيدًا من الوقود على النار المشتعلة لتزداد التهابًا وذلك للأدلة الآتية:
أولاً: أنه في عالم العقل والمنطق -كما هو الشأن في عالم الشرع- إذا حدثت حادثة تدرس من كل جوانبها حقيقتها وأسبابها وآثارها وكيفية علاجها من خلال عدة سيناريوهات مناسبة.
فقضية الإرهاب في العالم الإسلامي، لو فرض أنها خاصة بالعالم الإسلامي، فإن المنطق والعقل والتحليل يقتضي أن تدرس أسبابها.
إنه مما لا يختلف فيه عاقلان وجود أسباب من أهمها وأخطرها احتلال إسرائيل لفلسطين، وما فعلته وتفعله بهذا الشعب البطل من قتل واغتيال وتدمير وجرائم بشعة يندى لها جبين الإنسانية.
فالواقع يشهد والحق ينطق أن جوهر القضية يكمن في هذا التأييد اللامحدود لإسرائيل ولكل ما تفعله داخل الأراضي المحتلة وازدواجية المعايير؛ فشارون - الملطخة يداه بدماء الآلاف من الفلسطينيين في صبرا وشاتيلا ويتفاخر بإشرافه على قتل الشيخ أحمد ياسين ثم الدكتور الرنتيسي- هو في نظر الإدارة الأمريكية رجل السلام، وأما الفلسطينيون الذين يقاومون الاحتلال فهم إرهابيون.
وقفت أمريكا ولا تزال مع الاحتلال الصهيوني على طول الخط بكل قوتها العسكرية والاقتصادية والمعنوية، ووقفت وحدها في بعض الأحيان أمام العالم، حيث توافق على قرار بإدانة إسرائيل كل دول العالم سوى أمريكا التي تستعمل حق النقض الفيتو، عشرات المرات.
أصبحت أمريكا هي إسرائيل، و إسرائيل هي أمريكا، لم يعد هناك فرق بين الطرفين؛ فكلاهما ضد الفلسطينيين وضد العرب وضد كل المشاريع العربية والإسلامية لحل مشكلة فلسطين على أساس عادل.
وفي عهد الرئيس الأمريكي الحالي ازدادت عناية أمريكا بإسرائيل، فوقفت معها في مذابحها البشعة في جنين، وفي كل فلسطين، ثم وقفت معها في قتل الشيخ أحمد ياسين شيخ الشهداء، وأخيرًا في قتل الدكتور الرنتيسي.
وأخطر من ذلك موقف أمريكا الأخير من عودة اللاجئين وتغيير حدود فلسطين حسب قرارات الأمم المتحدة، والمشروعات التي طرحت من مدريد إلى أوسلو إلى خارطة الطريق.
العالم الإسلامي يشاهد ويسمع ويرى ما يحدث على أرض فلسطين، ويغلي كالمرجل، فماذا تكون النتائج؟
وأمريكا تتجه اتجاهًا معاكسًا لكل هذه الحقوق، ومع ذلك يتساءل الرئيس الأمريكي: لماذا يكرهنا العرب والمسلمون؟!
ثانيًا: تعلم أمريكا وغيرها أن الإرهاب لا يحارب الإرهاب ولا تجتث جذوره بالقوة المادية، وإنما يقضى على الإرهاب من خلال الفكر والإقناع والمناقشة من خلال الندوات والمؤتمرات ووسائل الإعلام، وهذه المسألة غير واردة في أجندة أمريكا.
ثالثًا: لا يقضي على الإرهاب إلا من خلال القضاء على أسبابه التي ذكرنا بعضها.
إن أمريكا لا تنقصها المعاهد الاستراتيجية ولا المخابرات ولا قياس الرأي العام من خلال معاهدها الخاصة بذلك، ومع ذلك تتجاهل كل ذلك وتعمل باتجاه معاكس تمامًا.
بم يفسر ذلك؟
لا يمكن لأي عاقل أن يفسر كل ما يحدث إلا بأحد تفسيرين:
التفسير الأول: أن أمريكا لا تعترف بهذه الحقائق، وهذا التفسير باطل لأن ساسة أمريكا يعرفون قبل غيرهم، كما يعترف المحللون الأمريكان المنصفون أن سبب كره العرب لهم هو السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط وبالأخص في فلسطين المحتلة.
التفسير الثاني: أن أمريكا تستفيد من سياسة إثارة العرب والمسلمين، وتصنع الإرهاب حتى يكون ما يفعله الإرهابيون مبررًا لتنفيذ خططها في الشرق الأوسط، بل وفي العالم أجمع.
والشواهد على ذلك كثيرة منها:
1- أن أمريكا استفادت فعلاً من كل ما يسمى بحوادث الإرهاب فمن خلال ما أسند إلى القاعدة وطالبان احتلت أمريكا أفغانستان واتخذتها قاعدة لها، بل أقامت قواعد في معظم الجمهوريات الإسلامية التابعة للاتحاد السوفييتي السابق، وسيطرت بذلك على أهم ينابيع البترول ومصادر الطاقة بعد الخليج.
ولو صرفت أمريكا المليارات لما استطاعت أن تصل بهذه الصورة المبررة - حتى من الأمم المتحدة إلى احتلال هذه الأماكن الاستراتيجية وفتح قواعد في تلك البلاد.
2- تصرفات النظام العراقي السابق الذي كان مدعومًا من أمريكا وبالأخص خلال الحرب العراقية الإيرانية لما وصلت أمريكا إلى الخليج ولما اتخذت قواعد في المنطقة، وبالتالي استفادت من تطرف صدام وظلمه، إن لم تكن أمريكا هي التي دفعته إلى احتلال الكويت، وهكذا فالمخططون الاستراتيجيون الأمريكيون يعلمون من زمن طويل أن السيطرة على العالم، إنما تتم عن طريق السيطرة على منابع البترول والطاقة؛ لأنها شريان الحياة، والعمود الفقري لكل الصناعات والمواصلات والتقنيات في العالم، ومن هنا خططوا لهذه الهيمنة، فعملوا على جبهتين:
أ- جبهة إثارة العالم العربي وشبابه للاندفاع نحو التطرف والإرهاب حتى يستفاد من نتائجه.
ب- جهة الاندساس في صفوفهم وتهيئة الأمور لهم، وإلا فحادثة الحادي عشر من سبتمبر تعجز عنها أكبر منظمة عالمية، فكيف استطاع منفذوها أن يحققوا ما فعلوه إن لم يكن هناك دعم من الموساد والمخابرات الأمريكية أو أن المخابرات هي التي عملتها، كما قال بعض المحللين؟!
وفي ضوء ذلك نفهم ما تفعله أمريكا ولا تزال تفعل بخصوص الفلسطينيين، وفي العراق؛ لأن أمريكا تستفيد فعلاً من نتائج هذه الإثارة والإرهاب في الوقت الحاضر، ما دامت أمريكا قوية تستهين بقوة المسلمين، والمسلمون مستضعفون لا حول لهم ولا قوة، ولكن على المدى البعيد ستكون له عواقب وخيمة على أمريكا نفسها، لأن القوة لا تبقى لأحد، وقد قال الله تعالى ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (آل عمران: 140). فأين الاتحاد السوفييتي القوي؟
ولكن العاقبة للمتقين، وستبقى هذه الأمة الإسلامية محفوظة إن شاء الله ولن يمكن الله تعالى أي عدو من استباحة بيضتها، هذا ما وعد به رب العالمین رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم، كما ورد في الحديث الصحيح المتفق عليه حينما طلب الرسول صلى الله عليه وسلم من الله تعالى ألا يمكن منهم عدوًا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم، وقد استجاب الله تعالى لذلك، كما أن التاريخ شاهد على ذلك، حيث مرت خمسة عشر قرنًا، حاول فيها أعداء الإسلام القضاء على الإسلام والمسلمين، ففشلوا ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (الصف: 8-9) وحسبنا الله ونعم الوكيل.
(*) أستاذ ورئيس قسم الفقه والأصول بجامعة قطر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل