العنوان هل تصمد الأوبك؟!
الكاتب عبدالله الصالح
تاريخ النشر الثلاثاء 01-يونيو-1982
مشاهدات 96
نشر في العدد 573
نشر في الصفحة 25
الثلاثاء 01-يونيو-1982
في كيتو صمدت أوبك فأبقت على سعر الأساس والحد الأقصى للإنتاج.
بعد اجتماع فيينا لجأت الشركات إلى الضغط على نيجيريا أضعف الحلقات في أوبك.
اليماني: معاقبة الشركات
دول الأوبك غير متفقة على سياسة تحديد الإنتاج والشركات لا تزال تسحب من مخزونها!
السعودية هي المدير الفعلي لأوبك وبيدها مفتاح نجاح استراتيجيتها.
انخفض دخل أوبك وبعض أعضائها، لم تعد عائدات النفط كافية لتمويل موازناتها العامة!
علي الخليفة: وحدة أوبك أهم.
توصلت أوبك في اجتماعها الرابع والستين الذين أنهى أعماله يوم ٨٢/٥/٢١ في كيتو عاصمة الأكوادور، إلى قرار بالإبقاء على سقف الإنتاج الذي أقر في مؤتمر فيينا في شهر مارس الماضي، وهو ۱۸ مليون برميل يوميًّا، وكذلك على سعر نفط الإشارة وهو ٣٤ دولارًا للبرميل.
وبغض النظر عن الأسباب التي جعلت وزراء نفط أوبك يتوصلون إلى قرار الاتفاق على سقف أعلى للإنتاج، فإن اتخاذ قرار بذلك وبشكل علني للمرة الثانية بعد اجتماع فيينا في مارس الماضي، يُعد مؤشرًا إيجابيًّا في تاريخ المنظمة إذا ما قدر له أن يستمر كاستراتيجية طويلة الأمد.
لكن الأمل في ذلك ضعيف للأسف، بسبب الخلاف الذي ما زال وظهر جليًّا في الجلسات الأولى للمؤتمر، حول مبدأ تحديد الإنتاج الإجمالي لأوبك وتحديد حصة كل دولة في ذلك المعدل.
صمود
ولو أردنا أن نقيم النتائج التي توصل إليها المؤتمر لوجدنا أن عبارة «استطاعت منظمة الأوبك أن تصمد أمام ضغط شركات النفط الغربية وتحافظ على وحدتها التي قدمت بها وكالة الأنباء الكويتية لخبر عرضت فيه نتائج اجتماع كيتو، تعبر بصدق ووضوح عن مغزى قرار الاجتماع بالإبقاء على مستوى الإنتاج والأسعار كما حدده اجتماع فيينا السابق».
فالعبارة تعبر بحق عن الوضع الذي آلت إليه أوبك منذ بداية العام الحالي، وهو فقدانها السيطرة على تحديد هيكل الأسعار، وهو الهدف الذي قامت من أجله، بل إن الأمر تعدى ذلك فأصبح الحفاظ على وحدة الأوبك هو الموضوع الأهم الذي ينبغي معالجته كما قال وزير النفط الكويتي الشيخ على الخليفة الصباح للتلفزيون الكويتي في نهاية شهر مارس الماضي!
والواقع أن أوبك تواجه وضعًا خطيرًا تجد نفسها أمامه لأول مرة منذ إنشائها.
فالمنطقة التي ظلت تواجه طلبًا متزايدًا على خامها وجدت نفسها منذ بداية العام الحالي مضطرة إلى خفض معدل إنتاجها بشكل ملحوظ، وأن هذا المعدل المنخفض لم تعد قادرة على تصريفه في السوق، مما أدى إلى انخفاض أسعار النفط بقرابة (٦٤) دولارًا دون مستوى سعره الأساسي ٣٤ دولارًا للبرميل!
وفي مؤتمر فيينا الذي انعقد في ١٩ مارس الماضي توصلت أوبك إلى قرار بتحديد السقف الأعلى لإنتاج أوبك بـ ۱۸ مليون برميل يوميًّا، والتأكيد على أن يبقى سعر نفطه الإشارة «النفط العربي الخفيف» ٣٤ دولارًا للبرميل؛ وذلك كمحاولة لوضع حد لضغط الشركات الغربية التي تهدف إلى خفض أسعار أوبك رسميًّا. وبالرغم من أن إنتاج أوبك كان أقل من المعدل المتفق عليه بسبب إعلان السعودية، خفض نصف مليون برميل من إنتاجها وعدم استطاعة بعض الدول الأعضاء الأخرى بيع خامها بالسعر الأساسي، إلا أن الشركات الغربية ظلت تملك ضغطًا قويًّا بسبب ما تملكه من مخزون نفطي بدأت في بنائه منذ عام ٧٩ في ظل نشوب الثورة الإيرانية وتوقُّف الإنتاج الإيراني، بالإضافة إلى الوضع الذي خلفته الحرب العراقية - الإيرانية.
ضغط الشركات
المتغير الرئيس منذ اجتماع فيينا إلى اجتماع كيتو أي بعد شهرين في تحديد الإنتاج بـ ۱۸ مليون برميل يوميًّا، هو لجوء الشركات النفطية الاحتكارية إلى الضغط على أضعف الحلقات في سلسلة أوبك.
وقد كانت الدولة المختارة هي نيجيريا بسبب سوء وضعها الاقتصادي المتردي وكثرة عدد سكانها الذين يعتمدون على ٩٠٪ من عائدات النفط لتسديد فاتورة المستوردات، وبسبب أن إنتاجها انخفض من ١,٢ مليون برميل إلى قرابة ٦٣٠ ألف برميل يوميًّا، وهذا ما يعني بصورة أخرى أن عائدات نيجيريا النفطية لم تعد كافية لدفع قيمة المستوردات فضلًا عن مستلزمات خطط التنمية بل والميزانية العامة، وكان الرهان من قِبل الشركات على أن مقاطعة نفط نيجيريا ما لم تخفض أسعار نفطها سيضطرها إلى خفض أسعارها وزيادة إنتاجها للحصول على عائدات أعلى، الأمر الذي يهدم هيكل أسعار النفط و يهدد وحدة أوبك.
وقبل اللقاء في كيتو كانت بعض الدول كالسعودية على لسان وزير بترولها السيد أحمد زكي يماني، قد هددت بمعاقبة الشركات التي تلجأ إلى مقاطعة نيجيريا، وأيدتها في ذلك الكويت ودول أخرى.
وهذا ما جعل بعض المراقبين يتنبأ بأن يتوصل اجتماع كيتو إلى ما توصل إليه فعلًا، وهو الإبقاء على سعره الأساسي ومعدل الإنتاج على ما هو عليه. ولا يخفى أن السعودية هي مفتاح نجاح استراتيجية أوبك نظرًا لكونها تنتج ٤٠% من إجمالي إنتاج المنظمة.
وهكذا بقرارها الذي اتخذته أوبك في كيتو تكون قد صمدت أمام ضغوط شركات النفط الغربية فحافظت على سعر نفطها الأساسي ٣٤ دولارًا للبرميل، كما حافظت على وحدتها واتفقت على سقف أعلى للإنتاج ۱۸ مليون برميل يوميًّا.
لكن هل تستطيع المنظمة الصمود فيما بعد؟
وما هي احتمالات المستقبل النفطي؟
حقائق أساسية
قبل الإجابة عن هذا التساؤل، هنالك بعض الحقائق يحسن الوقوف عندها:
استطاعت مجموعة الدول الصناعية المستهلكة للنفط أن تخفض استهلاكها من النفط بمعدل يقرب من ١٠٪ سنويًّا منذ ثورة أسعار النفط في عامي ٧٣ و٧٤.
الفائض النفطي الذي قدر بنحو ٣-٤ مليون برميل يوميًّا كان هو السبب الأساسي والمباشر الذي أدى إلى تدهور أسعار النفط في عامي ۸۱،۸۰، وقد ساهمت بعض الدول الأعضاء في أوبك بوجود هذا الفائض وذلك بإبقائها على معدلات عالية لإنتاجها.
السبب الأساسي والمباشر في تدهور أسعار النفط منذ بداية العام الحالي يعود إلى سحوبات الشركات من مخزونها النفطي الذي أضحى يكلفها كثيرًا، كما أنها اشترته بأسعار مرتفعة نسبيًّا بسبب الوضع الذي نشأ في أعقاب الثورة الإيرانية واندلاع الحرب العراقية عام ٧٩.
منذ عام ٧٩ أصبحت السعودية هي المدير الفعلي لأوبك لكونها تنتج ٤٠٪ من مجمل إنتاج المنظمة، لذا فإن نجاح أوبك أو فشلها في التوصل إلى أي قرار بشأن الأسعار والإنتاج سيعتمد بشكل أساسي على موقف السعودية.
ونعتقد أنه إذا ما أمكن التنبؤ باستهلاك الدول الصناعية من النفط في المستقبل المنظور، وأمكن امتصاص الفائض النفطي عن طريق إجراء مزيد من خفض الإنتاج في أوبك، وإذا ما أمكن معرفة مدى تحمل الشركات النفطية للسحب من المخزون النفطي، بالإضافة إلى رأي السعودية، فإنه يمكن الإجابة عن التساؤل بوضوح.
بالنسبة لاستهلاك الدول الصناعية تشير المعلومات المتوافرة إلى أن هذه الدول على عكس ما توقعت بعض دول أوبك في اجتماع كيتو ستستمر في خفض معدل استهلاكها العام من النفط، على الأقل في الصيف القادم سيكون معدل الاستهلاك متدنيًا، مما يعني أن الطلب على نفط أوبك سينخفض وفي أحسن الأحوال سيبقى على ما هو عليه.
ومما يؤيد هذا زيادة إنتاج النفط في الدول غير الأعضاء في أوبك كإنجلترا والمكسيك والغابون والكونغو وغيرها.
هذا بالإضافة إلى أن دولة مثل المكسيك التي تعاني عجزًا في ميزان مدفوعاتها ستكون قادرة على أن تفسد أي اتفاق بشأن الأسعار قد تتوصل إليه أوبك؛ رغبة منها في بيع المزيد من النفط بأسعار منخفضة للحصول على عائد أكبر يسد العجز في میزان مدفوعاتها!
مستقبل مظلم
وأما إحداث مزيد من الخفض في إنتاج أوبك فذلك ما يصعب التوصل إليه بسبب وجهات النظر المتباينة من جهة، وبسبب عدم تحمل كثير من الدول الأعضاء لخفض الإنتاج من جهة ثانية، بسبب ما يؤدي ذلك إلى عجز في موازناتها ومدفوعاتها.
وقد بدأ ذلك يضغط بوضوح على نيجيريا وإندونيسيا وليبيا والجزائر والكويت وغيرها.
يبقى إذًا رأي السعودية، واحتمالات انتعاش الاقتصاد الغربي.
بالنسبة للسعودية واضح أنها منذ عام ۱۹۷۷ تعمل على استقرار أسعار النفط عند معدل معين، وقد وقفت منذ ذلك الحين ضد فكرة رفع الأسعار.
لكن موقفها كما ترجمه وزير البترول والثروة أحمد زكي يماني في اجتماع كيتو يتجه إلى الحفاظ على السعر الأساسي وهو ٣٤ دولارًا للبرميل، وتجميد ذلك حتى نهاية العام الحالي.
وفيما يتعلق بمسألة تحديد الإنتاج، ترى السعودية أن ذلك من مسائل السيادة القومية، وبناءً عليه فإنه إذا ما زالت الأسباب الداعية لتحديد الانتاج في الوقت الحاضر، فإنه من المتوقع أن تلجأ إلى تكييف الإنتاج طبقًا لما تراه، وإذا ما علمنا أن الاقتصاد الغربي عمومًا والأمريكي خصوصًا يعاني من الانكماش وتفشي البطالة، وليس من المتوقع أن يتعافى في المستقبل القريب المنظور، فإن موقف السعودية من مسألة الإنتاج سيكون له الدور الحاسم في صمود أوبك ووقوفها في وجه ضغط الشركات الغربية، بمعنى أن السعودية إذا أبدت استعدادًا لخفض إنتاجها إلى معدل ٥ مليون برميل يوميًّا إذا اقتضى الأمر وهذا ما صرح به مرة أحمد زكي اليماني، فإن أوبك ستكون قادرة على الصمود إلى أن تمسك بزمام الأسعار من جديد.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل سيكون مثل هذا الموقف من السعودية كافيًا إذا ما تبدل الوضع السياسي في الشرق الأوسط وتوصلت الحرب العراقية - الإيرانية إلى نهاية سريعة؟ أي هل سيكون خفض الإنتاج السعودي إلى حد (٥) ملايين برميل يوميًّا وهو أدنى معدل يؤمِّن لها دخلًا كافيًا لخططها الإنمائية؟ هل سيكون هذا كافيًا للصمود أمام الشركات إذا عاد إنتاج العراق وإيران إلى معدلاتهما السابقة؟
ربما يكون ذلك من الناحية النظرية كافيًا، لكن البلدين اللذين تدمرت كثير من منشآتهما الاقتصادية فضلًا عن خسائر الحرب والديون الخارجية سيكونان مضطرين إلى الإنتاج بأعلى معدل يمكِّنهما من النهوض من آثار الحرب وإعادة البناء.
وعندها لا سمح الله يكون المخطط الغربي قد نجح وأصبح النفط وبالًا علينا لا نعمة، وسلاح النفط ضدنا لا بيدنا ولا حول ولا قوة إلا بالله.