; هل تعلن حالة الحصار في الجزائر؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل تعلن حالة الحصار في الجزائر؟

الكاتب يحيى أبو زكريا

تاريخ النشر السبت 23-يونيو-2001

مشاهدات 60

نشر في العدد 1456

نشر في الصفحة 34

السبت 23-يونيو-2001

الجزائر تحترق؛ الجزائر تحترق، بهذه العبارة وصف الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الوضع في الجزائر إثر خطاب ألقاه على هامش المسابقة الكبيرة لحفظ القرآن الكريم التي نظمتها وزارة الشؤون الدينية.

وقد اعترف بوتفليقة بخطورة الوضع وبأن هذا البلاء الذي أطل على الجزائر من مناطق القبائل هو الأخطر من نوعه منذ الاستقلال. 

الأوضاع قد تصبح خارج السيطرة كما أن أحداث القبائل قد تتحول إلى انفجار كبير للبركان الشعبي خصوصًا مع امتداد الغضب الجماهيري ليشمل مناطق غير قبائلية أهمها الجزائر العاصمة ولمواجهة الانهيارات الأمنية المتتالية شرعت القيادات السياسية والأمنية في دراسة احتمال فرض حالة الحصار العسكري الذي يتم بموجبه استلام العسكر لكافة الصلاحيات وفرض حظر التجول واجراءات صارمة أخرى، علما بأن حالة الطوارئ والأحكام العرفية مازالت سارية المفعول في الجزائر منذ إلغاء المسار الانتخابي عام ١٩٩٢م. 

وقد أفاد شهود عيان أن القبعات الحمراء، بدأت تفد إلى مناطق تيزي وبجاية بالإضافة إلى اقتراح إرسال الفرقة ١٨ وهي تعرف باسم فرقة القبعات السوداء الخاصة التابعة للجيش, ولم تتحرك منذ عام ۱۹۷۳ وهي فرقة شرسة وفي ذلك إشارة إلى قرب فرض حالة الحصار ومعروف أنه في حالة الحصار يرتدي الجنود بزات خاصة تحمل الشارة الحمراء.

 الإشكال القائم حاليًّا بين المؤسسة العسكرية والرئيس بوتفليقة هو حول قدرة الجيش في تحمل عبء مواجهة الجماعات المسلحة والجماعات البربرية في وقت واحد فالمهام الجديدة ترهق كاهل الجيش وتنتج مضاعفات سلبية على أدائه بشكل عام أما بوتفليقة فتقول أوساطه أنه اذا لم تهدأ الأوضاع فسيكون مضطرًا لفرض حالة الحصار أو الاستثناء، وهي أشد من حالة الحصار وذلك حسب الواقع الأمني المستجد، ويتضح من سياق التطورات أن البرير لجأوا إلى استراتيجية النفس الطويل وعدم توقيف المظاهرات بل تكثيفها مع عدم الاطمئنان إلى وعود السلطة مهما كانت، بعد أن أخذوا العظة من التجارب السابقة، ما حدث مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي كانت تحرك التظاهرات المليونية في الشارع، ولذلك كما يقول قياديون في جبهة القوى الاشتراكية لا يمكن أن نكرر الهفوات السياسية السابقة.

والأكثر من ذلك فإن منظمي المسيرات لم يعودوا يطالبون إلا بشيء واحد وهو تغيير النظام تغييرًا جذريًّا ورحيل كل الذين يديرون اللعبة السياسية الرسمية سواء من في الواجهة أو الخفاء، ومن الشعارات التي رفعها المتظاهرون فليرحل الجنرالات!

هناك إجماع على أن هذا المخاض سيفضي إلى شيء معين وبتعبير «محفوظ نحناح» زعيم حركة مجتمع السلم فإن الفتنة القبائلية تهدف بالدرجة الأولى إلى الإسراع في ترحيل «عبدالعزيز بوتفليقة» لأن الذين جاءوا به قد استثمروه وحلبوه وقد آن أوان الرحيل، وقد اعتبر «نحناح» أن ما يجري في الجزائر هو في الواقع صراع بين مراكز القوى.

 وقد تزامنت أحداث مناطق القبائل التي بدأت تنتشر في معظم المناطق مع حركة إضرابات في كل الولايات ومع إضراب الصحافة التي قلصت حريتها بسبب قانون الصحافة الجديد الذي سنه وزير العدل أحمد أويحي أن الوضع الجزائري على درجة كبيرة من الخطورة والمؤشرات تشير إلى أن الانهيار الأمني مازال متواصلًا ووربما لأجل ذلك ختم بوتفليقة خطابه الذي أشار فيه إلى أن الجزائر تحترق بقوله: وكلنا الله على الذي يسعى لتدمير الجزائر.

 

حقيقة حركة الضباط الأحرار

الأحداث التي تعيشها الجزائر بين الفينة والأخرى تؤشر إلى أن الفتنة في شقها الأمني لم تلفظ أنفاسها، وقد لجأت السلطة قبل فترة إلى استراتيجية إعلامية تقضي بعدم الإشارة لا من قريب ولا من بعيد إلى تداعيات الوضع الأمني، وفي المقابل تكثيف الحديث عن الأمل والعهد الجديد وما تحقق حتى الآن على صعيد الوضع الأمني وفي نظر واضعي هذه الاستراتيجية فإن هذا من شأنه أن يعزز عودة الجزائر إلى الساحة الدولية، حيث إن الاستغراق في الحديث عن القتل والذبح قد أفقدها الكثير من السمعة التاريخية.

 وإذا كان الجيش الإسلامي للإنقاذ قد حل نفسه وسلم ما لديه من أسلحة، فإن بقية الجماعات كالجماعة الإسلامية المسلحة والجماعة السلفية للدعوة والجهاد وكتيبة الغداء وبقية الجماعات المنتشرة هنا وهناك مازالت قائمة. 

وإذا كانت هذه التسميات والعناوين- أسماء الجماعات المسلحة - باتت مألوفة فإن ما ليس مألوفًا وما بات محل رصد دوائر القرار في أكثر من عاصمة عربية مغاربية وغربية هو ظهور ما يسمى بحركة الضباط الأحرار في الجزائر، وهي حركة يزعم بعض المنتسبين إليها من ضباط يعيشون في الغرب لاجئين سياسيين أن تأسيسها يعود إلى بدايات الفتنة أي في سنة ١٩٩٢م، وهدفها تغيير الوضع من داخل المؤسسة العسكرية التي تتحمل كل ما لحق الجزائر من انتكاسات حسب هذه الحركة، وفي المدة الأخيرة عندما انتحر خير الدين عمير مدير جريدة «لاتريبون» الناطقة باللغة الفرنسية والمقربة من التيار البربري والفرانكفوني، ذكر بعض الصحف الجزائرية بما قاله عمير قبل انتحاره من أن الضغوط تزايدت عليه من تنظيم يطلق على نفسه حركة الضباط الأحرار الذي وجه إليه تهمة التعامل مع المخابرات الجزائرية.

ويذهب بعض المصادر الجزائرية إلى القول إن هناك العديد من الضباط الذين كانوا متعاطفين مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ أثناء عملها السياسي وأثناء فوزها في الانتخابات الملغاة سنة ١٩٩١م واستمروا متعاطفين معها بعد بداية تأسيس الجماعات المسلحة، وعندما سئل عباسي مدني زعيم الجبهة سنة ١٩٩١م عن احتمال دخول المؤسسة العسكرية على الخط لتغيير المعادلة ومنحنى الصراع بين حكومة مولود حمروش والجبهة، أجاب أن له رجالًا وأتباعًا داخل المؤسسة العسكرية، وربما هذا ما يفسر قيام المؤسسة العسكرية بإقالة مئات الضباط المتعاطفين مع مشروع جبهة الإنقاذ وزج المئات منهم في المعتقلات، وهذا ما دفع عشرات الضباط إلى الانضمام إلى الجيش الإسلامي للإنقاذ وبقية الجماعات المسلحة.

لم يتأسس التنظيم المذكور حسب بعض المعلومات إلا في أواسط التسعينيات ومن أهدافه القضاء على ما يعرف في الجزائر بضباط فرنسا الذين حسب نظر التنظيم أدخلوا البلاد في كل ما تعانيه اليوم، وفي أكثر من عاصمة غربية بدأ ضباط جزائريون سابقون يتحدثون عن التنظيم، كما شرعوا يكشفون عن بعض المعلومات من جملتها تورط فرق الموت التابعة للجيش في قتل مئات المواطنين، وقيام مجموعة من الجيش بمجازر ومذابح نسبت للجماعات والغرض منها تسليح القرويين وسكان الأرياف وإقحامهم في مواجهة الجماعات، وإفقاد الإسلاميين والمسلحين منهم على وجه التحديد أي تعاطف شعبي. 

وعندما كانت الأزمة في أوجها تعرض بعض كبار الضباط وحتى الجنرالات ومنهم اللواء خالد نزار إلى محاولات اغتيال وجرى بالفعل تصفية العديد منهم، كما جرى تصفية العديد من رجال المخابرات الذين يفترض أنهم مجهولو الهوية والوظيفة معًا، وهذه العمليات وغيرها جعلت بعض المراقبين يتصور وجود مجموعة على وفرة غزيرة من المعلومات عن رجال المؤسسة العسكرية والاستخبارات، الأمر الذي سهل عليها القيام بأعمالها.

وتفيد بعض المعلومات أن تنظيم الضباط الأحرار يتجنب الكشف عن طريقته في العمل ويبدو أنه يمارس اللعبة التي ينهجها رجال الأجهزة الأمنية أنفسهم، ويمكن النظر إلى خطوة إرسال الجزائر لوفد أمني إلى بعض العواصم الغربية مثل مدريد ولندن وبروكسل، فضلًا عن العاصمة الباكستانية إسلام آباد، لاسترجاع بعض الضباط الفارين من الجيش- على أنه مؤشر إلى عقدة الجهات الجزائرية من هذا التنظيم.

فاعليات جزائرية تطالب بوتفليقة بالحريات... والشعب بتجنب التخريب

 حملت شخصيات سياسية وعسكرية وحقوقية الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة مسؤولية وعواقب الأحداث الدامية التي تفجرت في منطقة القبائل، وامتدت إلى جهات أخرى من البلاد، وخلفت عشرات الضحايا, والخسائر المادية، معتبرين الذين يؤججون عوامل الفرقة والشقاق للبقاء في السلطة، إنما يلعبون بالنار، ويدفعون بالبلاد للهاوية. 

وقال وزير الخارجية المرشح الرئاسي السابق أحمد طالب الإبراهيمي، والأمين العام الأسبق لوزارة الدفاع الجزائرية الجنرال رشيد بن يلس، ورئيس الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان المحامي علي يحيى عبدالنور، في بيان مشترك تلقت المجتمع نسخة منه: «إن رئيس الدولة بصفة خاصة، يتحمل كامل المسؤولية عن الخسائر البشرية، وتفشي الفوضى والاضطراب، ذلك أنه لم يكن قادرًا على تفهم دوافع غضب أبناء وطنه واتخاذ الإجراءات البديهية التي كانت تفرضها الظروف لاتخاذ الموقف»، فقد «لاذ بالصمت المشبوه، وآثر عدم الحركة، وترك الوضع المتدهور في تفاقم يومي، ومن الطبيعي أن يتحمل عواقب ذلك».

وأوضح البيان أن الأحداث التي بدأت محصورة في بعض جهات البلاد، امتدت اليوم إلى مناطق أخرى، وأخذت طابعًا بالغ الخطورة من خلال تزايد سقوط عدد الضحايا، واتساع دائرة الاضطرابات والسبب في ذلك هو الدولة التي أخلت تمامًا بواجباتها، وهجرت مسؤولياتها السياسية، تاركة الشعب وقوى الأمن وجهًا لوجه مما يذكي التوتر القائم، ويتسبب في مواجهات دامية. 

ودعا بيان الشخصيات الثلاث إلى الإبقاء على درجة التعبئة عالية، وتجنب اللجوء إلى العنف والتخريب كوسيلة للتعبير عن الغضب ورفض الظلم والتعسف والبؤس والطموح المشروع إلى إرساء أسس دولة قائمة على احترام حقوق الإنسان والحريات العامة..

 وجددت الشخصيات الثلاث تأكيدها أن الحل المطلوب للأزمة التي تتخبط فيها البلاد منذ أكتوبر ۱۹۸۸م، يكمن في إقامة نظام ديمقراطي حقيقي، وقالت إن «سلطة تتمتع بالشرعية التي لا تشوبها شائبة، وبقيادة تحظى بثقة الناخبين لهي القادرة دون غيرها، على إنجاز التغييرات المفروضة تماشيًا مع تطلعات الشعب، وزرع الأمل من جديد في نفوس المواطنين بمستقبل مشترك زاهر». 

الرابط المختصر :