العنوان هل تعيد أمريكا حساباتها في قضية موسى أبو مرزوق؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 25-فبراير-1997
مشاهدات 66
نشر في العدد 1239
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 25-فبراير-1997
استحوذت قضية د. موسى أبو مرزوق -رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية في فلسطين المحتلة «حماس» على اهتمامات مؤسسات البحث ومراكز صناعة الرأي بالغرب، كما حظيت بتغطيات موسعة قامت بها وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة داخل وخارج الولايات المتحدة الأمريكية، فلا تكاد تجد دائرة سياسية أو إعلامية إلا وتناولت قضية اعتقال الزعيم السياسي لحركة حماس بصورة أو بأخرى، وذلك بسبب الظلم الفادح والبين الذي سلكته الإدارة الأمريكية في تناولها لهذه القضية باعتقال شخصية سياسية، تمثل حركة تحررية تقاوم المحتل الصهيوني لفلسطين، في الوقت الذي تقف فيه الولايات المتحدة وراء حركات أخرى تدعي أنها تحررية وتستقبل زعماءها ومسؤوليها بما يؤكد سياسة الكيل بمكيالين التي تنتهجها أمريكا تجاه القضايا العربية والإسلامية.
ويمكن القول بأن اعتقال أبو مرزوق جاء جزء منه في باب ﴿فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (النساء: ١٣)؛ إذ خدم حركة حماس، وذلك بالتعريف بالحركة وأفكارها باعتبارها تمثل مشروعًا إسلاميًّا متكاملًا، يحظى بالمصداقية والشرعية لدى جهات عربية وإسلامية كثيرة له أهداف اجتماعية وسياسية متعددة، وبيده إمكانيات عسكرية قادرة -رغم محدوديتها- على توجيه ضربات موجعة لجيش الاحتلال والسياسات العنجهية المتكبرة للحكومة الإسرائيلية، كما أن الاعتقال جاء في جانب آخر منه؛ ليكشف حقيقة الظلم الواقع على الفلسطينيين، نتيجة الممارسات الإسرائيلية التعسفية وتعدياتها المستمرة على الحقوق الفلسطينية، وأنه نتيجة لهذه المظالم وقسوتها، يندفع الفلسطينيون –أحيانًا- للبحث عن خيارات أخرى للمواجهة المسلحة والانتقام من الصهاينة.
لقد سلطت قضية د. أبو مرزوق الأضواء على وضعية «التحالف الآثم» القائم بين أمريكا وإسرائيل، وفضحت سياسة «الكيل بمكيالين» الأمريكية، تلك السياسة التي عبر عنها د. أبو مرزوق في الحوار الذي أجرته معه صحيفة نيويورك تايمز في مايو الماضي؛ حيث أشار إلى أن جريمته هو كونه إسلاميًّا -فلسطينيًّا» وأنه لو كان مسيحيًّا بعيون زرقاء كجيري آدم لاختلف الأمر، ففي حين أن «جيري آدم» المسؤول الأول في حركة «شين فين» الذراع السياسي لمنظمة الجيش الجمهوري الإيرلندي (IRA) التي تعتبرها أمريكا حركة إرهابية يلقى كامل الترحيب والقبول في واشنطن، ولا يجد الرئيس بيل كلينتون حرجًا أو غضاضة في استقباله بالبيت الأبيض، ولأننا فلسطينيون يتم التعامل معنا بطريقة أخرى، ولذلك تجدني هنا سجينًا في نيويورك وفي زنزانة انفرادية.
لقد تعمد القضاء الأمريكي تجاهل حقوق د. أبو مرزوق في محاكمة عادلة، وفي تحقيق مطالبه بجلسات استماع لقائمة الشهود التي أدرجها في الرد على لائحة الاتهام الإسرائيلية، والتي تكشف -بما لا يدع مجالًا للشك- أن خلفية هذه الاتهامات قائمة على دوافع سياسية، وأن هذا يمنحه حقًّا استثنائيًّا يحميه من دعوى إسرائيل المطالبة بتسليمه لمحاكمته فيها، وأخيرًا في الطريقة التي مارستها إدارة السجن بحبسه في زنزانة انفرادية.
إن غالبية القضاة والمحامين في أمريكا وإسرائيل كانوا يقولون: بأنه من الصعوبة أن تأمر المحكمة الأمريكية بتسليمه إلى إسرائيل لضعف أدلة الاتهام ضده . كما جاء في مقال الصحيفة هآرتس الإسرائيلية في الثالث من نوفمبر ١٩٩٥ - إلا أن صدور قرار التسليم من المحكمة الفيدرالية وبالصورة التي خرج عليها القرار، ثم المصادقة عليه من محكمة نيويورك المركزية، باعتبار الأعمال المتهم فيها «جريمة ضد الإنسانية» وهو التعبير الذي أثار حفيظة محاميه، كون هذا الاتهام ليس له سابقة في تاريخ القضاء الأمريكي، وأن هذا التعبير ورد في محاكمات نومبرج الشهيرة ضد النازيين، ولقد وردت لهذا التعبير تعريفات محددة، وليس من بين هذه التعريفات ما يتضمن الأعمال المشكو منها في حق د. أبو مرزوق، وقد شكلت هذه الأحكام المسبقة ضد د. أبو مرزوق قناعات لديه ولمحاميه بأن القضاء الأمريكي قد رتب القرار قبل أن يسمع أي بينات يمكن لطالب الالتماس أن يقدمها، وأصبح القضاة يتعاملون مع القضية بمنطق أنهم هم «الخصم والحكم» الأمر الذي فضح نزاهة هذا القضاء، وأكد تبعيته للأجندة السياسية التي تم ترتيبها -فيما يبدو- بين أمريكا وإسرائيل، وعندما تبينت خيوط هذا التواطؤ، وأصبحت القضية على حسب تعبير د. أبو مرزوق- من الوضوح، «إن استمرار اعتقالي لا يخدم سوى المصالح السياسية للحكومة الإسرائيلية. جاء قراري بسحب استئنافي؛ إذ بدا لي كفلق الصبح أن فلسطينيًّا ومسلمًالا يمكن أن يتوقع نفس النوعية من العدالة الأمريكية، كما هي الحال مع الآخرين، وخاصة عندما تصل الأمور إلى اشتراك مصالح إسرائيل في القضية».
لقد فسرت الكثير من الجهات الأمنية والسياسية في إسرائيل والولايات المتحدة خطوة د. أبو مرزوق بأنها «مفاجئة وذكية في آن واحد» كونها -والقول هنا للمحامي شريف بسيوني- تضع قضية التسليم برمتها في إطارها السياسي الصحيح بدلًا من إضفاء شرعية قانونية على قضية تعد سياسية بالدرجة الأولى.
إن المطلوب الآن وقد حسم د. أبو مرزوق خياره باستعداده للسفر إلى إسرائيل ومواجهة مصيره هناك، الضغط على صانع القرار الأمريكي لمنع قرار التسليم، كونه يشكل انتهاكًا صارخًا بحق النضال الفلسطيني، وتعديًا فاضحًا على حرية الكلمة والتعبير السياسي للآخرين، وطعنة جارحة لوجه العدالة الأمريكية ونزاهتها المشكوك فيها.
لقد سبق لفريدرك دوغلاس المفكر والمناضل الأمريكي -في القرن التاسع عشر- الإشارة إلى أن تاريخ الحرية الإنسانية قد تحقق عبر النضالات، وأن الحقوق لن تطال إذا لم تكن وراءها قوى تطالب بها وتمارس الموت من أجلها، فهل يخرج د. أبو مرزوق عن هذا الإطار الذي عاشت به أمريكا وظلت تنادي به؟
إن د. أبو مرزوق ليس أكثر من مجاهد من أجل حرية شعبه وحقوقه المسلوبة، وأنه قد آن الأوان للولايات المتحدة أن تُكفر عن سابق ظلمها للفلسطينيين، وألا تجعل للحقد والعداوة لها سبيلًا إلى قلوبهم، وأنه من الحكمة والمصلحة والعدل أن تبحث لها عن خيار آخر يجنبها الظهور بموقف «العدو الأول» للأمة الإسلامية، لا شك أن لأمريكا بالمنطقتين الإسلامية والعربية مصالح استراتيجية وحيوية هامة لسنوات طويلة قادمة، وأنه ليس من السياسة في شيء خلق المزيد من العداوات لها، وإن المنطق يقتضي تهدئة الخواطر والأوضاع وليس تحريك المظالم ونكأ الجراح؛ لأنه من الغباء تجاهل ردود الفعل المتوقعة حال تسليم د. أبو مرزوق لإسرائيل، وإن أحاديث واشنطن وتطلعاتها للسلام والاستقرار بالشرق الأوسط لن تبدو أكثر من ادعاءات كاذبة إذا ما تم تسليم د. أبو مرزوق لإسرائيل، وسوف تعكس للمرة الألف تبعية واشنطن وقرارها السياسي -وحتى القضائي- لإسرائيل.
فهل تعيد أمريكا حساباتها في قضية تسليم أبو مرزوق لإسرائيل؟ أم تواصل كبرها وتتعرض -حسب تهديدات حماس- إلى ما لا يُحمد عقباه؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل