العنوان هل تغيرت السياسة الإسرائيلية؟
الكاتب د. علي محيي الدين القرة داغي
تاريخ النشر الثلاثاء 08-يونيو-1999
مشاهدات 65
نشر في العدد 1353
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 08-يونيو-1999
تنفس البعض الصعداء بعد نجاح إيهود باراك في الانتخابات الإسرائيلية واستبشر خيرًا بمقدمه غير الميمون، وكان مشكلات المنطقة تنتهي، والسلام يسود والاتفاقات التي أبرمت سوف تنفذ حرفيًّا، وقرارات الأمم المتحدة سوف تطبق بالكامل.
وهؤلاء في ظني - ينطلقون من منطلقين أحدهما قياس سياسة إسرائيل على سياسة بعض الدول العربية، حيث تتغير بتغير الأشخاص، فإذا ذهب حاكم، وجاء آخر فلربما تغيرت معالم السياسة بنسبة ١٨٠ درجة.
وهذا القياس - كما نقول في علم أصول الفقه - قياس مع الفارق أو قياس فاسد, فالسياسة الإسرائيلية لها ثوابتها التي لا تتغير بتغير الأشخاص، والأحزاب، وإنما تبقى هي الأساس في تحركات الرؤساء والوزراء، ولذلك أكد باراك بعد فوزه مباشرة ما أسماه بالخطوط الحمراء التي لا يستطيع تجاوزها، فرئيس الوزراء عندهم يستمد قوته من الشعب اليهودي وليس العكس بحيث يكون الشعب تابعًا لسيادة الرئيس!!
الأمر الثاني: الاعتماد على المعلومات التي تشكل الوكالات العالمية عقول الناس عليها، دون الاعتماد على المعلومات الدقيقة الواعية القائمة على التحليل والتعليل والتأصيل، فقاعدة المعلومات لدينا عن اليهود ورجالاتهم وأحزابهم وسياساتهم ضعيفة لا نعلم عنها إلا القليل، في حين أنهم يعرفون عنا وعن رجالاتنا وشخصياتنا كل شيء. فلدى إسرائيل - ووراءها أمريكا - عدد كبير من المعاهد الاستراتيجية والمؤسسات التي تجمع المعلومات، وتحللها تحليلًا دقيقًا في كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية، بل وعن الهوايات والرغبات الشخصية، بل أسسوا قسمًا خاصًا لمتابعة صحة بعض القيادات العربية.
وقد أقامت إسرائيل ندوة علمية متخصصة حول صلاح الدين الأيوبي، لدراسة جوانب حياته وأسباب نجاحه وانتصاراته على الصليبيين الذين احتلوا الشام نحو مائتي سنة، والقدس الشريف نحو مائة سنة، وكذلك دراسة خطط صلاح الدين العسكرية والفكرية، ومع الأسف الشديد لم نسمع عن ندوة عربية مماثلة.
وتمثل قاعدة المعلومات والقدرة على تحليلها قمة الأهمية لأي أمة تحترم نفسها، وتبذل جهدها لحيويتها، وبقاء قوتها، واستمرارها، ولذلك أنزل الله تعالى أول آية يأمر فيها بالقراءة واقرأ أي اقرأ كل شيء نافع، وأقرأ عن كل شيء واقرأ قراءات متجددة وبأشكال ووجوه مختلفة، بل إن معظم آيات القرآن الكريم حول إعطاء المعلومات للمسلمين عن الأمم السابقة، والقصص وأحوال الصالحين، وأحوال الطغاة والمتجبرين، وعقب على ذلك بقوله تعالى: ﴿وكذلك نفصل الآيات, ولتستبين سبيل المجرمين﴾ (الأنعام: 55) فمعرفة سبيل المجرمين، وطرقهم وأساليبهم وخططهم وسياساتهم فريضة إسلامية، وضرورة ملحة لا يمكن الاستغناء عنها.
لذلك نحاول أن نلقي بعض الأضواء على باراك وجرائمه, ولد إيهود باراك عام ١٩٤٢م، من والدين هاجرا من أوروبا الشرقية، ليشاركا في إقامة دولة إسرائيل، عسكري له سجل خطير لخدمة عقيدته الصهيونية، حيث حاز خلال انخراطه في السلك العسكري منذ عام ١٩٥٩م إلى عام ١٩٩٤م خمسة أوسمة شجاعة، لم يحصل على هذا القدر منها أحد من العسكريين اليهود إلى يومنا هذا.
تعلم منذ صغره المبادئ التوراتية من عائلته، والمبادئ الصهيونية من الكيبوتس، العلماني الذي كان له دور كبير في إنشاء إسرائيل، حيث كان يربط مصير الأفراد اليهود بوجود دولة إسرائيل، وقد انخرط باراك في السلك العسكري منذ عام ١٩٥٩م، حيث يدل سجله العسكري على أنه متفان في الخدمة، ولم يبال جهدًا في ارتكاب أبشع الجرائم بحق العرب والفلسطينيين، فقد خدم في الوحدة المختارة كقائد لها، ثم نائب قائد كتيبة، ثم قائد كتيبة، ثم اشترك في حرب يونيو ١٩٦٧م في مهمة استخبارية، ثم التحق بفرقة مدرعة حاربت في وسط سيناء وشاركت في قتل الجنود المصريين وأسرهم، ثم أصبح منذ عام ۱۹۷۰م قائد سرية دبابات، ثم رقي عام ١٩٧٣م إلى قائد كتيبة دبابات، ثم قائدًا لسرية الأركان التي تعد من أهم وأخطر السرايا في الجيش الإسرائيلي، كما شارك في إنقاذ ركاب طائرة «سافينا» المخطوفة في مطار اللد عام ١٩٧٢م.
وأهم جرائمه تخطيطه وتنفيذه وقيادته لقتل ثلاثة من قادة فتح في بيروت عام ١٩٧٣م، وهم كمال ناصر، وكمال عدوان ومحمد نجار، حيث قاد فرقة لاغتيالهم وجمع كل وثائقهم وسرقها.
وشارك في حرب أكتوبر ۱۹۷۳م في معركة المزرعة قرب قناة السويس أثناء معركة الدفرسوار، وشارك كذلك في التخطيط والإعداد لعملية عنتيبي عام ١٩٧٥م، كما شارك في غزو لبنان، حيث كان قائدًا للقطاع الشرقي والبقاع, وعندما قامت الانتفاضة المباركة ۱۹۸۷م كان باراك نائبًا لرئيس الأركان ومكلفًا بإخماد الانتفاضة، حيث اخترع استعمال الرصاص البلاستيكي بدل قاذفات الحجارة حيث أدى إلى قتل مئات من الأطفال والنساء.
يذكره المقربون بأنه شخصية يهودية يغلب عليها طابع الدقة وشدة التصميم، والقدرة على الوصول إلى هدفه، وأنه وصولي انتهازي مخادع يستغل ذكاءه، ومهاراته للمراوغة والمناورة وتحقيق أكبر قدر من مصالحه ومصالح شعبه الخاصة، فهذا بإيجاز تاريخ هذا الرجل الذي استبشر به بعض الدول والسلطة الفلسطينية وبعض المثقفين مع الأسف الشديد، فهو رجل غارق في الجرائم والتخطيط ضد العرب والمسلمين.
هل تغير الرجل، فأصبح رسول السلام وحمامة الوئا؟م وماذا نفعل بلاءاته؟ وما الفرق بين نتنياهو وباراك؟ لا يمكن أن يكون هناك فرق بين الرجلين إلا من حيث الأسلوب، والمصارحة والمراوغة، فنتنياهو كان معبرًا بصراحة ووقاحة عن صهيونيته وعن أطماع اليهود، وأما باراك فيحاول إخفاء بعض أهدافه، ويريد أن يحقق بقية الأهداف بالمكر والخداع فهما وجهان للصهيونية الحاقدة والماكرة التي تخطط لتحقيق حلم إسرائيل من النيل إلى الفرات بالحرب أو بالسلم، أو بالسيطرة على الأرض والاقتصاد معًا.