العنوان هل سيحب المزيد من أموال المستقبل لإنقاذ المفلسين؟
الكاتب حمد الجاسر
تاريخ النشر الثلاثاء 23-أبريل-1985
مشاهدات 108
نشر في العدد 714
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 23-أبريل-1985
للوهلة الأولى فإن مشروع القانون الذي تقدم به ثلاثة من السادة نواب مجلس الأمة، والمتعلق باستثمار ثلث الأموال الاحتياطية لدولة الكويت محليًّا يبدو اقتراحًا جيدًا ومثيرًا لحماس المواطن الكويتي العادي. فهناك شبه إجماع بين صفوف المثقفين في الكويت والمتابعين للقضايا الاقتصادية والسياسية بأن وجود أموال الكويت الاحتياطية الهائلة، وبشكل شبه كلي في مصارف ومؤسسات اقتصادية غربية، يعتبر خطرًا على هذه الأموال، ويعتقد بعض الاقتصاديين في الكويت بأن أموالنا هناك مهددة بعدة أخطار منها التجميد، كما حصل للأرصدة الإيرانية، أو الفقدان بسبب إفلاس المصارف المحتمل، أو في أحوال أسوا المصادرة من قبل الحكومات الغربية عند الأزمات السياسية الحادة بين هذه الحكومات والدولة صاحبة الأموال.
وقد دار في خلد صاحب القرار السياسي في الكويت في الماضي بأن استثمار الأموال الكويتية في الخارج وفي الغرب بشكل خاص -حيث الفرص الاستثمارية الجيدة- يشكل بديلًا عمليًّا للإيرادات النفطية حين يتعرض تصدير النفط للعوائق. وهذا التفكير موضوعي إلى حد ما، لذلك بادرت الكويت لإنتاج كميات كبيرة من النفط في النصف الثاني للسبعينيات مستغلة ارتفاع الأسعار وتعاظم الطلب العالمي، فبلغ إنتاج الكويت في بعض الأوقات 3,5 مليون برميل يوميًّا، وهو ما يفوق حاجة الكويت مرات عديدة.
وهذا الإنتاج المبالغ فيه كان يقصد إلى الحصول على الأموال اللازمة للتوسع في الاستثمارات الخارجية، وهذا ما حصل فعلًا... والآن تقدر أموال الكويت المستثمرة في الخارج بـ 70 مليار دولار، معظمها في الولايات المتحدة، والإيراد السنوي لهذه الاستثمارات يصل في بعض الأحيان إلى 10 % وهي نسبة مرتفعة، وقد حرصت الحكومة الكويتية لفترة طويلة على عدم المساس بهذه الاستثمارات، وتركها تنمو مع الزمن، وتبقى ضمانًا اقتصاديًّا لدولة الكويت وقت الشدة.
على أن بعض المهتمين بالشؤون الاقتصادية الوطنية يقولون: بأن فكرة الاستثمارات الخارجية تحتوي على خلل أساسي، يتمثل في كونها لا تقوم بأي تطوير للاقتصاد الكويتي أو اقتصاديات الدول الشقيقة التي تكمل الاقتصاد الكويتي، بينما هي تخدم اقتصاديات الدول الغربية التي تحارب اقتصاديات العالم الثالث. وبالمقابل فإن الذين يؤيدون فكرة الاستثمارات الخارجية يتساءلون عن البديل لهذه الاستثمارات، ويؤكدون على أهمية هذه الاستثمارات والإيرادات الكبيرة الناتجة عنها، كعنصر أمن اقتصادي للشعب الكويتي في المستقبل.
وحسب القناعة الشخصية لكاتب هذه السطور، فإن أي بديل يقترحه المعارضون للاستثمارات الخارجية لن يكون أسوأ من البديل الذي تفضل به النواب الثلاثة، والذي يتحدث عن استثمار ثلث الأموال الاحتياطية في الخارج «حوالي 25 مليار دولار» داخليًا في الكويت.
ومع ثقتي الكبيرة بحسن نية النواب الذين تقدموا بهذا الاقتراح، إلا أنني أعتقد بأنه اقتراح غير موفق وهذه هي بعض الأسباب:
- لا توجد في الكويت فرص استثمارية واقعية تستوعب جزءًا ولو يسيرًا من هذا المبلغ الضخم، وستصبح الكويت مقبرة لهذه الأموال لا مجالًا لاستثمارها.
- تشير المذكرة الإيضاحية للمشروع المقدم إلى أن القانون يهدف إلى حماية جزء من الأموال الاحتياطية في الخارج من الأخطار التي تحدق بها بسبب الظروف العالمية...!! وهل يعتقد أحد الآن بعد كل الأموال التي ضاعت في أزمة المناخ أن استثمار الأموال في الكويت حماية لها؟ أم إفناء لها لإنقاذ المتورطين؟!
- تتحدث المذكرة الإيضاحية عن قدرة هذه الأموال -في حال استثمارها محليًّا- على دعم المؤسسات المصرفية والاستثمارية الكويتية، وهذا يتناقض مع مفهوم «الاستثمار» الذي يريده المشروع المقترح، فالأموال يراد منها أن تدعم المؤسسات المنهارة أو الآيلة للانهيار؛ لا أن تستثمر بصورة رصينة تضمن بقاءها والحصول على أرباح منها.
- تتكرر عبارة «خلق الثقة» في فقرات المذكرة الإيضاحية، وهذا يكشف الهدف من وراء جلب الأموال الخارجية من الداخل، وهي إعادة خلق الثقة الزائفة بالقيمة المادية لملايين الأسهم ذات الأسعار المبالغ فيها، وكذلك العقارات المضخمة قيمتها. وهي الثقة الزائفة التي خدعت آلاف المواطنين، وأدت إلى فورة المناخ عام 1981م، ثم الكارثة.
- حرص مشروع القانون على تشكيل مجلس استشاري من بعض الشخصيات الاقتصادية في البلد لإدارة دفة الاستثمار لهذه الأموال الطائلة المقترح جلبها من الخارج. وفي الواقع فإن هذا المجلس هو نقطة ضعف في القانون المقترح؛ لأن سبب فشل الجهود السابقة في حل الأزمة الاقتصادية كان ناتجًا في المقام الأول عن تكليف المتورطين في الأزمة أنفسهم بمعالجتها، وهذا لا يصح.
وهناك مأخذ كثيرة أخرى على مثل هذا المشروع مما يستطيع الاقتصادي المتخصص والخبير بطبيعة الاقتصاد الكويتي أن يتناولها بصورة أفضل، وفي الوقت الذي أؤكد فيه على القصد الحسن من قبل من تقدموا بهذا المشروع وأشير إلى معارضتي له، فإنني أعتقد بأن موضوع الاستثمارات الخارجية هو موضوع مهم يجدر بالسادة نواب المجلس دراسته بصورة دقيقة والوصول إلى رأي موضوعي بهذا الشأن.
فأموالنا في الخارج معرضة للخطر أكثر من أي وقت مضى، وخاصة تلك التي أودعت في مصارف مهددة بالإفلاس بسبب الديون الكبيرة لدول أمريكا الجنوبية، وحتى لو سلمت هذه الأموال من الفناء بهذه الصورة؛ فإنها تبقى في قبضة الغرب.. وفرضًا نجح المشروع المقترح لسحب ثلث الأموال في الخارج، فإن قدرة الحكومة على تنفيذه مشكوك فيها، وقد ذكر أحد وزراء المالية السابقين بأنه قد خطط مرة لسحب 7 مليارات دولار من الخارج، ولكنه بعد جهد جهيد تمكن من سحب مليار ونصف فقط، واعتبر الوزير ذلك نصرًا!! فكيف سيسحبون 25 مليار دولار؟!