العنوان هل سيحكم المجاهدون أفغانستان؟
الكاتب عبيد الأمين
تاريخ النشر الثلاثاء 31-مايو-1988
مشاهدات 70
نشر في العدد 868
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 31-مايو-1988
يقولون عن
الاتحاد السوفيتي إنه بلد الصقيع والأسرار، فلا أحد يعلم ماذا يدور خلف الستار
الحديدي الذي فرضته دكتاتورية البروليتاريا.
وإلى وقت قريب
كانت حقائق الحياة الروسية لا تأتي إلا عبر تحليل وتكهنات الأجهزة الغربية،
ونادرًا ما تشغل الأجهزة الرسمية للروس نقل حقائق العالم خارج الحدود الروسية.
وبوصول غورباتشوف إلى سدة الحكم، بدأت روسيا وكأنها تعبت من انتهاج سياسة التكتم
وبيانات النفي ونكران الحقائق. لكن المفاجأة التي لم يتوقعها أحد هي موقف الإدانة
الصادر عن وكالة نوفوستي الرسمية بخصوص التدخل الروسي في أفغانستان.
ومن يومها بدا
تمامًا أن سياسة الانفتاح التي تبناها غورباتشوف ليست فقط التواصل مع حقائق العالم
على ما هي عليه، وإنما كذلك التراجع عن أخطاء الكرملين السابقة.
وهنا قفزت
القضية الأفغانية في أولويات سلم المشاكل الحرجة، واهتمت أطراف النزاع المختلفة:
المحلية «حكومة نجيب الله»، والإقليمية «باكستان، الهند، إيران، والصين»، وعلى
المستوى الدولي «روسيا، أمريكا». وجاءت حلول القضية كل من وجهة نظره، بدءًا
بالانتخابات الشكلية والدستور الذي انتهجته حكومة نجيب الله وانتهاءً باتفاقية
جنيف وانسحاب بعض القوات السوفيتية.
وفي الجانب
الآخر يقف قادة الجهاد الإسلامي رافضين لكل تلك الحلول اعتمادًا على رفض مبدأ
المساومة في الحقوق، فقد هدَتهم تجاربهم أن الخندق أكثر ضمانًا لحل القضية من غرف
المفاوضات وأروقة الأمم المتحدة، لذا فإن كل حل لا تحميه البندقية فهو حق مغشوش.
وبين موقف المجاهدين وأطراف النزاع يأتي السؤال: مستقبل أفغانستان إلى أين؟
. مصير حكومة
نجيب:
جاءت حكومة نجيب
وفي ذهن حلفائها السوفييت تحسين صورة النظام الحاكم في أفغانستان بعد حكومات كارمل
التي كانت تفتقد أبسط عناصر الوطنية. وقد حاول نجيب الله عدة مرات أن يبدو في صورة
الوطني الساعي لحل المشكلة؛ فقد دعا للمصالحة الوطنية مع المجاهدين وعودة المهاجرين،
ووضع دستورًا نص فيه على أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام، وأن كل تشريع يناقض
أحكام الشريعة الإسلامية يُعد غير دستوري.
إلا أن مجهوداته
تلك ذهبت هباءً ولم تجد عند المجاهدين غير الصد والنكران. فالمجاهدون وقادتهم يرون
أن عدم شرعية نجيب وحكومات العمالة السابقة له لا تؤهل نجيب الله أبدًا في الدعوة
لحل القضية، وبلغة أخرى فإن قادة الجهاد يرون أن نجيب هو جزء من المشكلة إن لم يكن
رأسها، فكيف يحق له أن يدعو لإيجاد الحل؟
وفي رأي قادة
الكرملين على حد قولهم لهنري كيسنجر: «إن نظام كابول لم يعد نظامًا شيوعيًا في
الواقع ولا حتى اشتراكيًا، بالمعنى الفني». فإن كان هذا ما آل إليه النظام المدعوم
من قبل موسكو بقوات تصل عدتها إلى 120 ألفًا من الجنود قد افتقد عنصر وجوده
الفكري، فلا يبقى له إذا بعدها غير العمالة، ولذا فإن موسكو تتوقع - أو هكذا تطمح
- إلى وجود نفوذ للشيوعيين في حكومة كابول القادمة، وإن كانت لا تتوقع أن يسود
نفوذ الشيوعيين.
وفيما يبدو فإن
مصير حكومة نجيب الله هو الانهيار الكامل عقب خروج السوفييت من أفغانستان،
فالمؤشرات تكاد تجمع على ضعف القاعدة الشعبية التي ترتكز عليها، وما في ذلك
تقديرات السوفييت. وقد صرح مؤخرًا مستشار وكيل وزارة الخارجية الأمريكية خليل زادة
- الأفغاني الأصل: «إن سقوط نظام كابول الشيوعي هو أمر حتمي، وأنه من غير المرجح
أن يلعب ذلك النظام دورًا كبيرًا في تشكيل الحكومة المقبلة».
وبالرغم من أن
بعض التقارير الإعلامية تقول إن هناك 7 آلاف من 26 ألف قرية توالي النظام الحاكم،
وأن تعداد الشيوعيين الأفغان يبلغ 8 آلاف عضو، في حين أن الشيوعيين عندما استولوا
على السلطة كان تعدادهم يتجاوز الـ40 ألفًا، فإن هذه لا تفيد سوى تحديد ضآلة
القاعدة التي سوف يرتكز عليها النظام بعد افتقاده لسنده الرئيس المتمثل في الوجود
السوفيتي، مما يرجح معه حتمية سقوطه لا سيما وأن الانسحاب الروسي يُعد نصرًا
كبيرًا للمقاومة الإسلامية وتعزيزًا مباشرًا لقادة الجهاد.
. السوفييت..
وماذا بعد الانسحاب؟
يُنسب إلى «لوي
دوبريه» أحد المتخصصين في الشؤون السوفيتية قوله: «إذا أردت أن تقتل الاتحاد
السوفيتي فادفعه إلى أكل أفغانستان». وبالحق فقد كانت أفغانستان محرقة ومقتل
الاتحاد السوفيتي، فقد انكشفت الأطماع الدفينة لقياصرة روسيا ومحاولاتهم في الوصول
للمياه الدافئة، وأن التوسعية الإمبريالية ما زالت هدفًا ومسعى حيًا في شعور
الكرملين، مما يجعل دعاوى السلام العالمي وتقرير مصير الشعوب مجرد أقنعة زائفة.
وانسحبت هذه الحقائق الشاخصة على الأوضاع الدولية فزادت من حذر العالم الثالث من
انتشار النفوذ السوفيتي بعد تطابق الأهداف الإمبريالية لديه مع التوجهات
الأمريكية. وفي الجانب الآخر فقد خسر الاتحاد السوفيتي وضعيته، أمام دول حلف
الأطلسي والولايات المتحدة بالأخص، فقد أصبح يحس بعقدة الذنب تجاه تدخله العسكري
في أفغانستان مما أضعف مكانته في تداول القضايا العالمية. خسر بذلك كثيرًا من
المواقف الدولية لصالح الولايات المتحدة.
ويأتي الجانب
العسكري والهزائم المتكررة أمام قوات المجاهدين الأفغان، فقد صرحت موسكو مؤخرًا
بأنها افتقدت في الحرب مع المجاهدين 50 ألفًا من قتيل وجريح، وقد يكون الرقم
ملطّفًا جدًا غير أن خسائر موسكو في أفغانستان تذكرنا بتلك التي منيت بها الولايات
المتحدة في فيتنام، إلا أن خسائر موسكو ما زالت طي الكتمان. وبالرغم من وضوح تلك
الحقائق في أذهان قادة الكرملين، إلا أن الانسحاب الكامل ومن جميع أفغانستان مشكوك
فيه من قبل قادة الجهاد الأفغاني، فقد حذر قلب الدين حكمتيار من نيات السوفييت
التوسعية في إقامة شريط حدودي شمال أفغانستان يكون بمثابة تأمين حتى لا تتسرب
الثورة عبر أفغانستان للجمهوريات الإسلامية المتاخمة لها، وقد يكون احتمال احتفاظ
السوفييت بالشريط الحدودي واردًا إلا أن أكثر الدلائل تشير إلى عدم إمكانية تحقيق
مثل ذلك المسمى، بل إن خروج السوفييت من كامل أفغانستان هو الراجح وفقًا للتصريحات
الرسمية لموسكو.
وغير أنه من
المؤكد أن موسكو لا تطيق حكومة إسلامية على حدودها خاصة إذا كانت تلك الحكومة من
النوع الحركي الذي يرمي إليه قادة الجهاد الإسلامي، وأغلب الظن أنها تراهن على دور
إيران في خلق المنازعات بين المجاهدين ودور الولايات المتحدة في تبني الجماعات
المعتدلة - على حد مفهومها - وهو دور مهما تعاظم إلا أنه ضئيل ولا يحد من قدرات
الحكومة القادمة إلا بصورة جزئية. كما أن السوفييت لن يوقفوا إمداد نظام كابول
الحالي بالأسلحة بالرغم من إيمانهم بأن ذلك قليل الجدوى، إلا أنهم من المؤكد لن
يتركوا أي سبيل يؤدي إلى عرقلة وصول المجاهدين إلى السلطة إلا سلكوه. ولات حين
مناص.
. الولايات
المتحدة ومستقبل الأفغان:
من الملاحظ أن
الولايات المتحدة والدوائر الغربية عمومًا كانت أكثر دول العالم حماسًا للجهاد
الأفغاني، فعلى أقل تقدير فإن عدو عدوك صديقك، إلا أن تلك الحكمة لم تعد هي الأصوب
بعد تيقن الأمريكان من انسحاب الروس من أفغانستان، فقد أسهم ما استجد من أحداث في
خلط الأوراق، وأصبح صديق الأمس القريب في منزلة هي مقابلة للعدو تمامًا، ولذا تجد
أن صورًا شائعة بدأت تشكل موقف المجاهدين، وأبرز هذه الصور تلك التي تصف أن حمامًا
من الدم سوف يسود في أفغانستان عقب الانسحاب النهائي للروس، وهو استعادة متأخرة
للغة الروسية التي ظلت تلهج بها في المحافل الدولية دونما جدوى.
ومهما يكن فإن
عداوة الأمريكان للتوجهات الإسلامية أعلى بكثير من عداوتها للفكر الماركسي، ولذلك
فقد سعت الولايات المتحدة - على حد قولها - قبل الانسحاب السوفيتي من أفغانستان،
ووجود المجاهدين في السلطة يسبب عددًا من الأشكال الحرجة في المنطقة قد يؤثر على
كل من الهند وباكستان وهو ما تخشاه الولايات المتحدة، خاصة وأن هناك علاقات متوترة
مع الهند من قبل باكستان ذات الصلات الجيدة بكشمير والبنجاب.
وهذا يرجح أن
تلجأ الولايات المتحدة بضغوطها على باكستان في إيجاد انشقاق في قيادة الجهاد
الإسلامي وتبني بعض الجبهات التي تصفها بالاعتدال، وقد اعتادت الدوائر الإعلامية
الغربية أن تصف كلًا من «جيلاني ومجددي ومحمدي» بالفصائل الأكثر اعتدالًا في مقابل
القادة الأصوليين «حكمتيار، رباني، سياف، يونس خالص».
وحتى الآن فإن
المراهنة على تلك التحليلات تُعد ضربًا من الخيال، لا سيما وأن مجددي هو الآن نائب
رئيس الحكومة المؤقتة للمجاهدين. أما التصريحات الرسمية للولايات المتحدة فهي على
حد قول مستشار وكيل وزارة الخارجية الأمريكية خليل زادة: «إن مسألة الحكومة
الأفغانية المقبلة شأن يبت فيه الشعب الأفغاني نفسه». وبالرغم من تلك التصريحات
تبقى استراتيجية الولايات المتحدة واعتمادها على جمع الأوراق في ختام المعارك حتى
تفوز بنصيب الأسد، وإن تعثر الأمر فلا بأس من استخدام العسكر في الوقت المناسب.
. الثوار
ومستقبل الحكم الأفغاني:
استطاعت قيادة
الجهاد الإسلامي أن تحقق عدة انتصارات على تحالف نظام كابول والاتحاد السوفيتي في
المجالين العسكري والسياسي، ولعل أكبر هذه الانتصارات هو الانسحاب السوفيتي المحدد
بـ 9 أشهر على الرغم من أن المجاهدين لم يعترفوا بالمفاوضات والاتفاقية التي آلت
إليه.
وقد شكل
المجاهدون حكومة مؤقتة بقيادة أحمد شاه على أمل أن تحدد صورة الحكم وهياكل النظام
في شكلها القانوني مما يمهد لحملها إلى السلطة في كابول حتى لا يحدث فراغ سياسي
ودستوري في البلاد بعد انهيار حكومة نجيب الله بخروج حليفها الروس.
وبما أن عنصر
المفاجأة قد تلاشى مما يساعد بدوره في تمكين العلاقات وتقويتها بين الفصائل
المجاهدة، غير أن سعي الأطراف الأخرى قد يولد بعض الانشقاقات بين تلك الفصائل، لا
سيما وأن هناك تباينًا واسعًا بين تصورات بعضها مما يجعل فرصة النزاع قائمة
ومواتية، وهو ما قد يؤدي إلى فشل إيجاد البديل المستقر وذوي المواقف الناصعة مما
يوفر فرصًا جديدة للتدخل الخارجي، ولا سيما وأن كلًا من الولايات المتحدة
والسوفييت لا يرغبون في حكومة بقيادة المجاهدين.
وتبقى فرصة
المجاهدين في التحكم في مجريات الأمور وإيجاد سلطة مستقرة تزيد من الاتحاد، بل لا
بد من دمج القيادة والقواعد في جيش واحد حتى لا تستثمر الجهات الخارجية الخلاف
لخلق النزاعات بين فصائل المجاهدين مما يقودهم للفشل.
وبالطبع فليس
المهم أن تصل قيادة الجهاد للسلطة، وإنما المهم حقًا هو بقاؤها وبالهيئة التي
تتماشى والمقاصد الإسلامية.