العنوان هل قُضي الأمر واستوت على الجودي؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 29-ديسمبر-1998
مشاهدات 57
نشر في العدد 1332
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 29-ديسمبر-1998
هل قضي الأمر واستوت على الجودي؟ ولكن مازال القوم الظالمون «على قلب الأمة لطولون» ما رأيت في العصر الحديث أمة أسوأ عملًا، وأضل طريقًا، وأتعس حظًا من أمتنا، ولهذا أراد الله أن ترفع أعمالها في آخر شعبان، وهي مهانة بأفعالها، وذليلة لأعدائها، قد وهن بناؤها، وانتثر نظامها، وتفرقت أهواؤها، وتكسرت عظامها، وتبددت مجتمعاتها، وانحل ما كان منعقدًا، وانفصمت عرى التعاون، وانقطعت روابط التعاضد، وانصرفت عزائم أفرادها عما يحفظ وجودها، ودار كل في محیط شخصه المحدود بشهوات بدنه وأهوائه، لا يلمح إلا أنانيته، ولا يرى إلا شهوته وحيوانيته، قد نام في سبات عميق يحسب سباته صحوًا، وذبوله زهوًا، مدهوشًا من غير حراك، قانطًا من غير أمل، متحركًا في تيه وخبل، فيه قناعة البُهم، ووله الثكلى، إذا نبهته إلى خطر أو طالبته بجد، أو دفعته العزيمة، أو استنفره داعٍ إلى ما يكسب ملته شرفًا أو يعيد لها مجدًا، عده هوسًا وهذيانًا أصيب به الداعي من ضعف في المزاج، أو خلل في البنية، وحسب أنه لو أجاب الداعي لعاد عليه الجد والعزم بالوبال، وأورده موارد الهلكة، وصار ذلك من أقرب الأسباب لزوال نعمته، ونكد عيشته، ويدع نفسه لسلاسل من الجبن، وأغلال من اليأس تغل يديه عن العمل، وتوقف قدميه عن السعي، يحس بعدها بغاية العجز عن كل ما فيه خيره وصلاحه، ويقصر نظره عن إدراك ما أتى به أسلافه من قبله، وتجمد قريحته عن فهم ما قام به أجداده من سلفه.
نعم ربما يوجد الآن كثير من المتفيهقين بألفاظ الحرية والوطنية وما شاكلها، يصوغونها في عبارات متقطعة بتراء لا تعرف غايتها، ولا تعلم بدايتها، ولا تدري نهايتها، ووسموا أنفسهم بأسماء ممالك، وأمم، وزعامات ما أنزل الله بها من سلطان، كالهر يحكي انتفاخًا صولة الأسد، ولقد استخذى الجميع عندما نظروا الطائرات تضرب الآمنين والعزل في العراق، وتشرد الأطفال والنساء، والشيوخ بعدما أماتهم العدو جوعًا، وعراهم جسدًا وأنهكهم مرضًا، رأى الجميع على شاشات التلفاز نيران الأعداء تأكل الأجساد وتهدم البيوت وتطير الأشلاء، فما تحرك أحد أو نطق لسان أو حتى احتجاج أو لوم أو مساعدة بالمال أو الطعام، أو اللباس، ولا نقول بالسلاح والرجال، لأن هذا أمر أصبح اليوم من المستحيلات لأسباب كثيرة الحقيقة كنت أنظر إلى تلك الفاجعة، وأرى ما تفعله الأقدار في الأمة، فيتفطر القلب ويذوب الكبد، وتستخذي النفس، وكم سمعت زمجرة للمخلصين، ولكن دونهم سدود وسدود عن مساعدة أحد من المسلمين أو عوته بمال أو جهد او جهاد لأن آلتهم معدة والأنظمة جاهزة، والمفاصل تتلمظ والجنود مدربون على القنص لا على الحرب، وعلى مداهمة البيوت لا على اقتحام الحصون، فأصبحوا لا يملكون إلا الدعاء للعون، ولا يرفعون إلا الأكف للغوث، يسألون كما يسأل الغريب، ويتحسرون كما تتحسر الثواكل قائلين:
ربِّ إن القضاء أنحى عليهم *** فاكشف الكرب واحجب الأقدارا
ومُر النار أن تكف أذاها *** ومر الغيث أن يسيل انهمارا
أشعلت فحمة الدياجي فباتت *** تملأ الأرض والسماء شرارا
غشيتهم والنحس يجري يمينًا *** ورمتهم والبؤس يجري يسارا
أكلت دُورهم فلما استقلت *** لم تغادر صغارهم والكبارا
أخرجتهم من الديار عراة *** حذر الموت يطلبون القرارا
يلبسون الظلام حتى إذا ما *** أقبل الصبح يلبسون النهارا
حُلة لا تقيهم البرد والحر *** ولا عنهمُ ترد الغبارا
كيف أمسى رضيعهم فقد الأم *** وكيف اصطلى مع القوم نارا
كيف طاح العجوز تحت جدار *** يتداعى وأسقف تتجاری
أيها الرافلون في حُلى الوشي *** يجرون للذيول افتخارا
إن فوق العراء قومًا جياعًا *** يتوارون ذلة وانكسارا
جل من قسم الحظوظ فهذا *** يتغنى وذاك يبكي الديارا
رب ليل في الدهر قد ضم نحسًا *** وسعودًا وعسرة ويسارا
كيف ماتت الأمة؟ ومن أماتها بعد أن كانت هي أمة المجد والشجاعة والخلود، بعد أن كانت مهابة، لقد كانت الشجاعة صفة من صفات هذه الأمة العظيمة، وكانت شعار المحامد فيها وتاج المناقب ،ومضرب الأمثال، حتى قال قائلهم: «الشجاع موقى والجبان ملقى» وكانوا يتمادحون بالاستشهاد والقتل في المعارك، ويتهاجون بالموت علي الفراش، ولما بلغ عبد الله بن الزبير – وهو ابن أخي خديجة- قتل أخيه مصعب، خطب فقال: «إن يقتل فقد قتل أبوه، وأخوه، وعمه، إننا لا نموت حتفًا، ولكن قطعًا بأطراف الرماح، وموتًا تحت ظلال السيوف، وإن يقتل المصعب فإن في آل الزبير خلفًا منه».
ذلك لأنهم كانوا يكرهون الحياة إذا لم تشرف ويرون للحياة المهيئة موتًا ويكرهونها إذا لم تكن عزيزة كريمة، وفي هذا يقول علي بن أبي طالب «بقية السيف أنمى عددًا وأطيب ولدًا» والشجاعة حياة الأمم وكانوا يحبون الحياة، بعز حتى قال قائلهم:
بكرت تخوِّفني الحتوف كأنني *** أصبحت عن غرض الحتوف بمعزل
فأجبتها أن المنية منهل *** لابد أن أُسقى بكأس المنهل
فاقني حياءً لا أبالك واعلمي *** أني امرؤ سأموت إن لم أقتل
والشجاعة هي السجية التي لا ترقى الأمم إذا خلت منها، ولا تسود إلا إذا أخذت منها بحظ وافر، ولا تعز إلا إذا دافعت عن كرامتها وعزتها وأرهبت عدوها، ولهذا كان الجهاد عندنا فريضة.
وبعد، فأقول بعد ذلك: إن هذا درس أي درس للمصلحين أن يهبوا ويعزموا ويتسلحوا بالعمل والأمل، فالأمل ضياء ساطع في ظلام الخطوب، و مرشد حاذق في بهماء الكروب، وعلم هاد في مجاهيل الغيوب، وحاكم قاهر للعزائم إذا اعترتها فترة، ومستنفر للهمم إن عرض لها سكون، والأمل الحق يتبعه عمل، ويصحبه حماس للنفس وقوة على تحمل المكاره، وعرك لها في المشاق والمتاعب، وتوطين لها لملاقاة البلاء، وصدق الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 200) والحقيقة أن الأمة عندها أمل دافق أن السفينة ستستوي على الجودي، وسيقال بعدئذ ﴿بعدًا للقوم الظالمين﴾، نسأل الله السلامة.