العنوان هل مشروع المصالحة الجزائرية مصنوع من ورق؟ .. لماذا غضبت فرنسا والتيارات العلمانية من تصويت الجزائريين لصالح المصالحة؟!
الكاتب ياسمينة صالح
تاريخ النشر السبت 08-أكتوبر-2005
مشاهدات 71
نشر في العدد 1672
نشر في الصفحة 28
السبت 08-أكتوبر-2005
■ التيارات الفرانكفونية التي تعتبر اللغة العربية سببًا للإرهاب والإسلام سببا في اللاتسامح تحمل أكثر من ثلاثين مليون جزائري تهمة التطرف لمجرد أن أكثر من ٩٣% منهم اختاروا التصويت لقانون المصالحة!
لم يكن الشعب الجزائري بحاجة إلى أكثر من مشروع للتسامح والمصالحة راهنت ضده عديد من الجهات الغربية بالخصوص والأحزاب الجزائرية العلمانية المعارضة للمصالحة الوطنية في البلاد، بيد أنها راهنت أيضًا على فشل قطب الائتلاف وعلى سقوط أسبابه.
كانت الحملة الماراثونية التي خاضها عديد من التنظيمات الإسلامية في الجزائر، والجمعيات الدينية بمثابة الورقة الرابحة التي مارست دورها الفاعل في إشعار الشعب بأهمية المشروع، ليس کمجرد استفتاء شعبي لأجل المصالحة، بل ونبذ العنف ونزع فتيل الفتنة التي هزت الجزائر المسلمة طوال عشرية طويلة من العنف والجريمة السياسية كانت فيها العبارة الشهيرة من يقتل من؟! بمثابة المشهدية الرهيبة التي على أساسها فقد الشعب كرامته داخل أزمة دموية اسمها الفتنة.
لقد استطاع الشعب أن يتجاوز اليوم الكثير من مآسيه الشخصية ربما لأن المصالحة لا تعني فقط نزع السلاح عن الجماعات المسلحة، بل تعني أيضًا عودة كل التائبين إلى صفوف المجتمع لأجل بلورة المفهوم الإسلامي النابع من التسامح الديني ونبذ الجريمة ضد الأبرياء.
وإن كنا- عن تجربة أيضًا- لا تعلق كثيرًا على نسبة الاستفتاء وفق ما جاء على لسان المسؤولين الجزائريين، إلا أننا لا نشك في النهاية في رغبة الجزائريين الراغبين في طي صفحة الماضي وبدء صفحة جديدة، في ضوء كل التحديات التي تواجهها الجزائر ودول المغرب العربي من الدول الغربية، وبالتحديد من فرنسا التي تشن حربها الإعلامية ضد المصالحة الجزائرية معتبرة إياها ضعفًا، لا مبرر له وعفوًا عن الإرهابيين الإسلاميين القتلة كما جاء في افتتاحية جريدة اللوموند الفرنسية.
فرنسا التي نسيت جرائمها البشعة إبان احتلالها للجزائر هي نفسها التي نسيت أن تحاكم جنرالاتها الذين لا يزال بعضهم على قيد الحياة مثل «بابون» و«ماسو» و«دومنغان»، مجرمي الحرب في الجزائر إبان الثورة التحريرية الجزائرية، بل وذهبت إلى حد اعتبار أن جرائمها كانت دفاعًا عن النفس والحال أننا نعي جيدًا أن المصالح والأطماع الصليبية في الجزائر ليست وليدة اليوم، ونعي جيدًا أيضًا أن الأزمة الدموية الجزائرية تورط فيها عديد من العلمانيين الغربيين وحتى الجزائريين الذين اعتبروا ويعتبرون الإسلام دينًا متخلفًا.. وهم الذين راهنوا فعلًا بكل الوسائل على فشل الاستفتاء، مثلما راهنوا على غرس الضغينة واللاتسامح بين أفراد الشعب الواحد نعتقد أنهم خسروا اليوم لمجرد أن الشعب يريد فعلا العودة إلى السلم المدني والعودة إلى مصطلحات عريقة مثل الخاوة التي تعني في لغة الجزائريين الأخوة والتسامح بكل معاني الكلمة.
المقاطعون للمصالحة
اليوم، بعد مشاركة أكثر من ٨٠٪ من الجزائريين في قبول مشروع المصالحة صار الرهان الأكبر هو كيفية تحقيقها، في ظل العقبات التي للأسف الشديد تثيرها جهات في الداخل مثل الأحزاب الأمازيغية المعارضة، وخاصة حزبي جبهة القوى الاشتراكية وحزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، وهذا الأخير يعد من أكثر الأحزاب العلمانية راديكالية وتشددًا في الجزائر.
ولعل الطريف في الأمر أنه في خضم عملية الاستفتاء على مشروع المصالحة أصدر أحد الأحزاب السياسية الأمازيغية بيانًا سياسيًا شديد اللهجة يطالب فيه السلطات بـ«الاعتراف الرسمي وغير المشروط» باللغة الأمازيغية لغة رسمية للبلاد، وجعل السبت والأحد عطلة نهاية الأسبوع بدل الخميس والجمعة المعمول بها منذ سنوات الاستقلال الأولى في الجزائر ولعلها المطالب الأكثر غرابة في ظل الوضع الحالي داخليًا حيث تتفاقم البطالة وعدم الأمن والمشاكل اليومية التي تثقل كاهل المواطن الجزائري البسيط الذي اعتبر بشكل صريح أن مطالب الأحزاب الأمازيغية لا سقف ولا واقعية لها باعتبار أنها تزيد من تفاقم الوضع ولا تخفف منه.
الحقيقة الكبرى:
الحقيقة الكبيرة في ظل كل هذه التناقضات الحاصلة داخل المجتمع الجزائري والتي تتجاذب الكثير من الأطراف الخيوط فيها هي أن التيارات الراديكالية لم تعد تلك المرتبطة بالتيارات الدينية كما يسوق البعض بل هي أيضًا التيارات الفكرية اللائكية والفرانكفونية التي تعتبر اللغة العربية سببًا في الإرهاب، والإسلام سببًا في عدم التسامح، وهي للأسف الشديد تبدو فاعلة وفي مراكز تأثير حقيقية داخل البلاد، ليس في الجزائر فحسب، بل في دول أخرى مثل تونس والمغرب أيضًا وربما الفرق الوحيد هو أنها في الجزائر تمارس ما تسميه القطيعة بين حراس الثورة السابقين الذين تتهمهم بالفساد، وبالتالي تحمل اليوم أكثر من ثلاثين مليون جزائري تهمة التطرف لمجرد أن أكثر من ٩٣% منهم اختاروا التصويت لقانون المصالحة والوئام المدنيين بما يعني بالنسبة للمواطنين نهاية حتمية لأعمال العنف، سواء من الجهات المسلحة القابعة في الجبال والتي يتوقع نزولها إلى المدن وتسليمها السلاح والجهات القابعة في السلطة التي بدورها مارست تشددًا حقيقيًا أدى في النهاية إلى كارثة وطنية خلفت أكثر من ١٧٠ ألف ضحية طوال العشرية الماضية التي يطلق عليها في الجزائر العشرية الحمراء لارتباطها بالدم والاغتيالات والتصفيات الجسدية والفكرية أيضًا: ولهذا السبب بالتحديد نجد التفسير المنطقي لرغبة الجزائريين في التسامح بهذا التعطش إلى الهدوء والأمن المفقودين، وهي المطالب الشرعية لشعب أثبت أنه مسلم وإلى العروبة ينتسب على رأي العلامة الجزائري الرمز «عبد الحميد بن باديس».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل