; نقوش على جدار الدعوة.. نحو تأصيل العمل السياسي الإسلامي «٢» .. هل ننافسهم فُيعادونا؟ | مجلة المجتمع

العنوان نقوش على جدار الدعوة.. نحو تأصيل العمل السياسي الإسلامي «٢» .. هل ننافسهم فُيعادونا؟

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 24-يونيو-1997

مشاهدات 79

نشر في العدد 1255

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 24-يونيو-1997

الساحة المفتوحة والعداء البغيض: تمتلك الأحزاب غير الإسلامية في بلاد المسلمين من وسائل الإعلام ما لا تمتلكه التجمعات الإسلامية، فلا يخلو حزب من أن تكون له صحيفة تنشر أفكاره، وتدافع عن مبادئه، ويستطيع رئيس الحزب أن يعقد مؤتمرًا صحفيًا يقول فيه ما يشاء في كثير من الأحايين، ولكل حزب رجال بارزون في الإعلام يناصرونه، وتكاد التجمعات الإسلامية في كثير من البلاد تجرد من هذا كله فلا صحف لها، وغير مسموح لرجالها بعقد أي مؤتمر صحفي، وليس لأكثرها مناصرون في الإعلام، اللهم إلا من هدى الله قلبه، فتطوع في بعض الأحيان لنصرة قضية من القضايا، أو دفع اتهام من الاتهامات، أو شبهة من الشبهات. 

ومعنى ذلك أن الأحزاب غير الإسلامية لها انتشار إعلامي أكبر بين الجماهير، والطرق أمامها معبدة لتقول ما تشاء، وتنشر ما تريد، وهم يستغلون هذه الفرصة لا في نشر ما عندهم من أفكار وخطط للرقي بالمجتمع والنهضة به، بل لإثارة الزوابع في وجه الإسلاميين، ومحاولة الزج بهم في كل قضية، وإن كانوا عنها بعيدين، وإثارة الشبهات من حولهم، إلى جانب الهمز واللمز الذي يصبونه صبا على هذا أو ذاك من رموز العمل الإسلامي، أو على هذه أو تلك من مؤسسات العمل الإسلامي، وقد يصيب رذاذهم - أثناء حماسهم ـ بعض تعاليم الإسلام ذاته بالتجريح.

ولسنا - الإسلاميين - نعرف سببا واحدًا لهذا العداء البغيض من جانب أصحاب هذه التوجهات، فلا حجر على ما يقولون، ولسنا نتصدى لأفكارهم بالتفنيد بالحجة والبرهان إلا حين يخالفون تعاليم الرحمن، فلماذا العداء من جانبهم وكل يعرض بضاعته في سوق المجتمع؟ فمن كانت بضاعته كاسدة فلا يلومن إلا نفسه.

إننا نقدم للناس ما تعشقه قلوبهم، وتهواه أفئدتهم، حين نحاول أن نعبد أنفسنا وإياهم لله رب العالمين، وهي الغاية التي خلق لها الله الناس أجمعين: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (الذاريات: 56) إننا نطالب أن يستظل المجتمع المسلم بشرع الله دون سواه، إننا نقول للمخالفين: بيننا وبينكم كتاب الله ومنهج رسوله، وندعو بالدعاء القرآني: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (الأعراف: 89) فلماذا إذن عداء هؤلاء؟ وماذا يقدمون للناس من مبادئ أو مثل؟ وأي بضاعة لهم تروج حين يتخذون الدين هدفا لسهامهم ويتخذون الإسلاميين غرضا لسبابهم؟ 

إن الساحة مفتوحة لكم بأكثر مما هي مفتوحة للإسلاميين، والمنافسة الشريفة لا تقتضي عداوة لأن الفائز فيها هو أحسن المتنافسين فكرة ودعوة وسلوكًا والتزامًا، هو الذي يقدم للناس ما يحبون هو الذي يقدم للناس ما ينفعهم في الدين والدنيا، هو الذي لا يخادع ولا يجاري ولا يماري، هو الذي يقول للناس ما قاله الله: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ، وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ (طه: 123-124)، فلماذا العداء وفيم البغضاء؟ ! إلا إذا أردتم أن تخلو الساحة لكم وحدكم، ولا يكون لكم منافس؟ وحينئذ تفخرون«بالديمقراطية»، أما إن نافسكم أحد فليس له إلا العداء، ولا يلقى منكم غير النكير والاستهزاء.

الفرحة بتحقيق الهدف: إننا لا نبغي إلا أن تتحقق الغاية التي ننشدها وينشدها معنا كل المسلمين المخلصين، غايتنا هي أن يسود شرع الله في بلاد المسلمين، وأن يعود المسلمون إلى هذا الدين عودا رفيقًا فيجعلونه الحكم فيما بينهم، ودستور حياتهم وأساس سلوكهم، هذه هي الغاية، فإن تحققت على أيدينا فلله الحمد والمنة على ما أنعم به وتفضل، وإن تحققت على يد غيرنا ساندناه وعاوناه، وفرحنا بمسعاه، وكنا أتباعا في معيته نصدقه الحديث، ونمحص له النصح والمشورة، لأنه حقق لنا ما نرجوه ونسعى إليه، فليس بالضرورة أن تتحقق الغاية على أيدينا نحن، وإنما بالضرورة أن تتحقق الغاية، إننا لا مطمع لنا في سلطان، ولا رغبة لنا في صولجان، ولكننا نطمع أن يدين الناس لرب العالمين، ونسعى نحو هذا الهدف سعي المجدين.

فهل أصحاب الأحزاب والتجمعات غير الإسلامية كذلك، يفرحون إن تحققت أهدافهم على يد غيرهم؟ أم أنهم لا يريدون إلا أن تتحقق أهدافهم على أيديهم؟

هل يكونون معينين لمن يحقق أغراضهم أم أنهم لابد أن يقاسموه السلطة والنفوذ حتى يعينوه ويساندوه؟ 

وهل فرحتهم بالغاية الموجودة أم بوجودهم هم في مراكز الصدارة؟

لتكن للمنافسة غايتها الشريفة: يا قومنا هيا إلى التنافس الشريف، والتسابق العفيف، وأن يكون ذلك إلا فيما يرفع الله به الدرجات، وتكثر به المثوبات، هيا بنا جميعا إلى سواء السبيل، نطرح الأهواء جانبًا، ونرمي بالرغبات الذاتية وراء ظهورنا، ونحتكم إلى الحكم العدل الذي لا يضل ولا ينسى، الله رب العالمين، في تصرفاتنا وسلوكنا وأقوالنا، ونجعل ساحة المجتمع الإسلامي خالية من الهدم والفساد حين نجعل السعي فيها خالصًا لله، لأن الله لا يحب الفساد ولا يحب المفسدين، هيا إلى عمران ساحتنا بالحق والخير والهدى والرشاد، وطرح الهمز واللمز، ونبذ الضغائن والأحقاد، لأن من توجه لله لا يحمل حقدًا، ولا يعرف مكرًا، ولا يخون عهدًا، ولا يضيع أمانة: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُور﴾ (سورة الحج: 41)

 

 

الرابط المختصر :