العنوان هل هناك صفحات منسية من تاريخ الإرهاب الحديث؟ (٢ من ٢)
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 12-مارس-1996
مشاهدات 64
نشر في العدد 1191
نشر في الصفحة 51
الثلاثاء 12-مارس-1996
صدقوني إنني مشفق كثيرًا من يوم قد ينكشف فيه المستور من السياسات الخاطئة الموحلة والمنتنة التي عاشتها أمتنا في فترات صعبة في حقب معينة، خاض فيها أناس إلى أذقانهم، وغاص فيها آخرون حتى القاع، وأكلوا من زقومها حتى مكثت البطون، وشربوا من حميمها حتى الثمالة، ويزيد إشفاقي ووجلي حينما أقرأ ما سمح لنا بقراءته قرناؤنا من الجان، أو سادتنا من المغاوير، فأجد حجم الهول والعبث والإحباط شيء لا يصدق، وكمية التدمير والنسف والإبادة أمر يفوق الخيال، فأقول: رحم الله من ولَّى من قومي وقُبر، وغفر الله لمن عاصر وقهر، وعافى الله من عاش وزجر، وأعان الله من جاهد وصبر، فكل صغير وكبير مستطر وسيهزم الجمع ويولون الدبر، بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر، يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر.
هذا وستظل هنا وهناك صفحات مطوية وأخرى منسية تظهر بكل وضوح حجم الخطل والغدر المستكن الذي مزق الأمة، وألح كثيرًا على أعصابها وملكاتها ونفسياتها.
يحكي لنا التاريخ المعاصر بأقلام وألسنة من شاهدوه، وقائع الغدر بالأمة وبالعناصر الفاعلة فيها بغير ذنب أو جريرة، بعض من تلك الحوادث بأقلام وأقوال من عاصروها وشاهدوها، بل شاركوا فيها: «حادثة ميدان المنشية» التي اخترعها ممثل بارع ليقضي على ۲ مليون ناشط إسلامي في أيام، حيث ادعى عبد الناصر أنه قد أطلقت عليه النار في هذا الميدان، فاعتُقل في يوم واحد عشرون ألفًا من قادة الحركة الإسلامية في مصر، وقُتل منهم من قتل، وحكم على الباقي بالسجن المؤبد وبغيره من الأحكام القاسية، يقول رئيس جمهورية مصر، وقائد الثورة المصرية في هذا الوقت وهو محمد نجيب في حديث له في مجلة «اقرأ» السعودية:
«الآن أعلن لأول مرة في التاريخ سرًّا من أدق ما يمكن من أسرار ثورة ٢٣ يوليو، وهو أن مؤامرة إطلاق النار على عبد الناصر في الإسكندرية كانت مؤامرة وهمية من أولها إلى آخرها، وكانت مرتبة بواسطة خبراء أجانب، منفذة بواسطة رجل من أجهزة المباحث العامة في مصر كوفئ على ذلك فيما بعد بمنصب كبير، واستؤجر في هذه المؤامرة شاب مصاب بجنون العظمة، وأغرى بأنه لو اعترف بأنه حاول قتل عبد الناصر فسينال مكافأة مالية ضخمة ويسمح له بالهجرة إلى البرازيل، وقد كانت المكافأة الوحيدة التي تلقاها هي إعدامه بدلًا من تهريبه كما وعدوه، حتى يموت السر معه».
ثم إذا بمحمد نجيب يذكر ذلك في مذكراته التي خرجت وطُبعت في مصر في كتاب بعنوان «كنت رئيسًا لمصر»، يقول في ص ٢٦٨: «وبينما يلقي جمال عبد الناصر خطابًا في المنشية في ٢٦ أكتوبر، احتفالًا بتوقيع الاتفاقية، أطلقت عليه عدة رصاصات، وسط 10 آلاف شخص في السرادق، واتهم محمود عبد اللطيف، وكان بعيدًا عن المنصة، وقيل إنه أطلق 9 رصاصات، لكن عبد الناصر لم يُصب، وكانت هذه مسرحية مدبرة لمحاولة تحويل عبد الناصر إلى بطل شعبي، ومحاولة لإنساء الناس عوار اتفاقية الجلاء، ثم هي فرصة ليتخلص عبد الناصر من القوة الوحيدة الباقية، وهي «الإخوان المسلمون».
وظل الرجل يبرهن بالأدلة على أنها مسرحية في كلام طويل، من ذلك أن الرصاصات كانت تسعًا كما يقولون ولم يصب عبد الناصر بشيء، والحائط الخلفي والأمامي لا يوجد فيه أثر للرصاص، دلالة على أن الرصاص كان فشنك، ومنها لو أراد الإخوان قتل عبد الناصر لماذا يرسلون واحدًا فقط وكان عندهم من المحترفين في الحروب الكثير؟ إلخ. ثم جاء نائب رئيس الوزراء في مصر وأحد أعمدة الثورة الكبار الملازمين لعبد الناصر، وقد أنبه ضميره ليكشف المستور وبالتفصيل، لأنه كان أحد أعمدة هذه الواقعة، وهو حسن التهامي، ليقول في حديث لجريدة الأنباء الكويتية في ١٦ / ٤ ١٩٨٩م: «قلت بأن أمريكا هي التي أوعزت لعبد الناصر بالتخلص من «الإخوان المسلمون» فأوفدت أمريكا «بول لينبارجر» مسؤول الدعاية السوداء في أمريكا عام ١٩٥٤م، ليقوم بالتخطيط الإعلامي لتصعيد نجومية عبد الناصر، وقد اقترح لينبارجر افتعال محاولة للاعتداء على حياة عبد الناصر تكون سليمة التدبير لجذب مشاعر الشعب المصري نحوه لما يراه من مظاهر الشجاعة أثناء ثباته في هذا الموقف، وكان أن دبر حادث المنشية الذي ادعى فيه عبد الناصر أن الإخوان قاموا به لمحاولة اغتياله، ليسهل عليه بعد ذلك تصفيتهم».
ثم يسأله مراسل جريدة «الأنباء»: لماذا إذًا كان الخلاف بين عبد الناصر والإخوان وبين الإخوان والأمريكان؟ فأجاب: لأن الإخوان كانوا خطرًا حقيقيًّا على «إسرائيل»، كما أراد عبد الناصر أن ينفرد بالسلطة في مصر، وأرادت أمريكا أن تتخلص منهم لتوقف خطرهم على «إسرائيل»، فهم إذًا عدو مشترك.
وهذه شهادة أخرى من المقدم أحمد الجميعي، أحد الذين تولوا قيادة المباحث بمدينة الإسكندرية، وكان ضابط شرطة قسم المنشية ليلة مسرحية الاعتداء، وكان موجودًا أسفل المنصة عندما قام أحد ضباط الصف بالبوليس بإطلاق الأعيرة النارية جهة جمال عبد الناصر، فقام بالقبض عليه، وتحريز المسدس واقتاده بالقوة إلى قسم بوليس المنشية، وفي أثناء التحقيق وتحرير المحضر أُلقي القبض على الضابط المحقق أحمد الجميعي نفسه، ونُقل فورًا إلى مدينة الفيوم في أقاصي البلاد المصرية، وأطلق سراح الأمباشي البوليسي، وبقي أحمد الجميعي منفيًّا في الفيوم لمدة سبع سنوات، ومُنع من دخول الإسكندرية خلال تلك الفترة. ويقول أحد الضباط الأحرار وهو حسين حمودة، في كتابه «أسرار حركة الضباط الأحرار» ص ١٦٣: «اخترع عبد الناصر تمثيلية محاولة اغتياله عام ١٩٥٤م ليضرب «الإخوان المسلمون»، وقد اعتقل ۲۰ ألفًا منهم في ليلة واحدة قبل التحقيق، وقام بتعذيبهم تعذيبًا وحشيًّا، والحقيقة أنه لم يكن هناك جريمة على الإطلاق، وإذا كانت هناك محاولة حقًّا، فهل يعقل أن يشترك في تدبيرها ۲۰ ألفًا من البشر؟! وأن يُلقَى القبض عليهم ويعدون للمحاكمات قبل التحقيق وبعد المحاولة المزعومة ببضع ساعات؟ والحقيقة أن كشوف المعتقلين كانت مُعَدَّة قبل العملية، وكان إطلاق الرصاص الفشنك هو ساعة الصفر المعدة لبدء الاعتقالات، وهل يعقل أن يحكم على ألف بالأشغال الشاقة المؤبدة، ويعتقل حوالي ٢٠ ألفًا، ويُعدم آخرون لمجرد محاولة لم يُجرح فيها أحد؟!».
ونقول وأمامنا الآن غير ذلك شهادة العشرات والمئات على كذب هذا الادعاء، فهل يعقل أن يظل هناك ناس لم يفهموا بعد أساليب واختراعات ترزية المؤامرات، وتفصيل الاتهامات؟ نقول: نعم يعقل في أمة نام رعاتها، وانطلقت ذئابها، وضاع مصباحها، وضل هاديها، وقتل أشرافها، ونسيت تاريخها، ولكن.. هل رأيت التاريخ قد سكت والحوادث صمتت، والصحف قد طُويت؟ أم أن ذلك كله قد قام ليفضح الجناة، ويفلق الإصباح ويؤذن بالفلاح؟