; هل هي قنبلة إسلامية؟ باكستان حققت الردع النووي الذي يحفظ لها مكانتها | مجلة المجتمع

العنوان هل هي قنبلة إسلامية؟ باكستان حققت الردع النووي الذي يحفظ لها مكانتها

الكاتب نبيل شبيب

تاريخ النشر الثلاثاء 09-يونيو-1998

مشاهدات 59

نشر في العدد 1303

نشر في الصفحة 23

الثلاثاء 09-يونيو-1998

  • السباق بين باكستان والهند حتى الآن هو سباق على تقنية التسلح.. فما العوامل التي تحول دون تحوله إلى سباق على التسلح؟ 
  • الغرب يخشى من أن الضغط الاقتصادي على باكستان يمكن أن يدفعها لبيع التقنية النووية مقابل المال.
  • الولايات المتحدة التي تعاقب على التجارب النووية سبق أن أجرت ۱۰۳۲ تجربة نووية!

ليست وسائل الإعلام الإسلامية وحدها التي تطلق على القنبلة النووية الباكستانية وصف القنبلة الإسلامية، بل كثيرًا ما تستخدم وسائل الإعلام الغربية هذا الوصف أيضًا، على سبيل الإثارة والتخويف في الدرجة الأولى، وبالتالي لتبرير المواقف العدائية تجاه القضايا الإسلامية من جهة، والتحريض على المزيد من هذه المواقف من جهة أخرى، وصحيح أن وسائل الإعلام الإسلامية لا تقصد ذلك بطبيعة الحال، وأنها تنطلق من التعبير عن حق المسلمين كسواهم من البشر في أن يكون لديهم من قوة الردع ما يخفف على الأقل تجرؤ الطامعين في بلادهم وثرواتهم للعدوان عليهم، ولكن لا بُدَّ من الالتزام بوضع الأمور في إطارها الموضوعي السليم، بعيدًا عن أساليب قد تصنع الحماس الذي نحتاج إليه، ولكن لا تصنع معه الإعداد المنهجي الذي نحتاج إليه أكثر.

منطلقات أساسية: ويحسن في متابعة الحدث أن نعود به إلى المنطلقات الأساسية التي ينبغي أن تحكم ما نصل إليه من استنتاجات أو نحاول صياغته من مواقف.. ويكفي في هذا الموضوع تعداد تلك المنطلقات دون حصرها، وفي مقدمتها:

1- أهم ما أسفرت عنه نهاية الحرب الباردة بسقوط الاتحاد السوفييتي ومعسكره الشرقي من دروس، أن التسلح النووي بحد ذاته لا يمثل ضمانًا للتقدم والقوة وترسيخ مكانة عالمية مستقرة، تسمح بالمشاركة في صنع القرار بما يراعي المصالح الذاتية المشروعة. بل على النقيض من ذلك يمكن أن تسبب النفقات الباهظة المطلوبة لتوفير هذا التسلح انهيارًا داخليًا، عندما لا يتوافر المنهج القويم والمتكامل للحكم والمجتمع، ولا تتوافر الإدارة السياسية السليمة التي تحدد الأولويات وتلتزم بها فعلًا، وتستوعب الإمكانات الذاتية وتطورها وفق الاحتياجات المطلوبة تطويرًا مستمرًا.

٢- لا يعني ذلك أن التسلح النووي لا يمثل عاملًا حاسمًا على صعيد الإرادة السياسية لأي دولة وتأثيرها الدولي ولكن قد يتوافر هذا العامل ومع ذلك لا يمنع من الانهيار، وقد لا يتوافر ومع ذلك تصل بعض البلدان بدونه إلى موقع دولي متقدم على كل صعيد.. كما يشهد مثال ألمانيا واليابان، فالأهم من توفيره إذن هو أن توضع قضية التسلح النووي في موضعها من الصيغة الأشمل للمنهج الذي يوجه المجتمع والحكم تخطيطًا وتنفيذًا. 

3- إن أسباب القوة تتمثل في توفير عناصر متكاملة مع بعضها بعضًا ولا غنى لأحدها عن الآخر.. تبدأ بتكوين الفرد وتصل إلى التسلح بمختلف أنواع الأسلحة، ولكن الأهم من بينها في عالم الأمس واليوم والغد هو عنصر الإنسان.. ولا يوجد منهم كالإسلام في قدرته على صناعة الإنسان، ثم عنصر السياسة القادرة على تحويل مصادر القوة المتوافرة إلى قوة فعالة، سياسيًا واقتصاديًا وإداريًا وفكريًا وفي مختلف المجالات الأخرى، ولا يوجد ولم يوجد كالإسلام منهج يُخضع سائر الاعتبارات الجانبية لاعتبار المصلحة العليا المشتركة للمسلمين والبشرية.

4- إن الدور الرئيس الذي لعبته الأسلحة النووية منذ ظهورها لأول مرة عام ١٩٤٥م، وفي ظل انعدام القيم في العالم المعاصر سواء في ظل السلام أو في وقت الحرب.. هو دور البطش بالخصم ما دام لا يملك قوة رادعة، أما إذا توافرت القوة الرادعة فيتحول وجود تلك الأسلحة إلى جزء من عملية استنزاف القوى المادية الأخرى عبر سباق التسلح، ولكن دون التجرؤ على استخدامها خشية من الضربة المضادة، فالقادر على تحقيق الفوز في النهاية، ليس من يملك القوة النووية الضاربة الأكبر بالضرورة، بل هو من يملك أسباب القوة الأخرى التي تساعده على الصمود زمنًا أطول رغم الاستنزاف المتبادل. 

5- لا ينفي ما سبق أن مجرد ثبوت توافر القدرة على صناعة السلاح النووي بات عاملًا من عوامل الردع في التعامل الدولي، أو بات على الأقل من دوافع عدم الاستهانة بالطرف الآخر، هذا علاوة على المفعول الداخلي في رفع المعنويات، وزيادة الثقة بالنفس، وهي عوامل لا يستهان بها في إطار أي مواجهة عسكرية أو غير عسكرية.

باكستان.. والسياسة النووية:

باكستان بلد إسلامي رئيس.. ولكن لا يمكن اعتبار سياستها منذ استقلالها قبل ٥١ عامًا حتى الآن، سياسة تلتزم أكثر مما تلتزم به الدول الإسلامية الأخرى من حيث:

1- الأولويات السائدة ما بين الارتباط المصلحي القائم بصورة أشبه بشارع ذي اتجاه واحد مع القوى الدولية.. وبين الارتباط المصلحي المفتقد غالبًا مع الدول الإسلامية الأخرى.

2 - المشكلات التي حكمت سياسة التسلح الباكستانية على الدوام ولا تزال تحكمها الآن هي مشكلات إقليمية ترتبط بعلاقاتها مع الهند والصين وبقضية كشمير، ولا نجهل البعد الإسلامي لهذه المشكلات في الأصل ولكن يبقى ثابتًا أن السياسة الباكستانية لم تنطلق من البعد الإسلامي بالضرورة، وإن كانت أسباب العداء الهندي كامنة في عدائها لهذا البعد الإسلامي بالذات. 

3- لعبت العوامل الدولية دورًا رئيسًا في تطور سياسة باكستان النووية. ومن تلك العوامل العداء الصيني- الهندي وتطور العلاقات الهندية- الروسية أثناء الحرب الباردة وبعدها، ثم العلاقات الروسية- الغربية وأثرها في بحث موسكو عن مرتكز آسيوي يخفف وطأة «الهيمنة الأمريكية» على صناعة القرار الدولي في الحقبة الماضية، وهو ما ساهم على الأقل في مضي الهند إلى ما مضت إليه.. ومن ورائها موسكو جزئيًا، ثم جواب باكستان على الهند، ومن ورائها الصين جزئيًا. 

لهذا كله فإن القنبلة النووية الباكستانية، باكستانية، لا تحمل مجازًا ولا تحمل واقعيًا من المواصفات، بمعنى البعد السياسي الراهن وفي إطار المستقبل المنظور، ما يسمح بإطلاق وصف «القنبلة الإسلامية» عليها، والذين يطلقون عليها هذا الوصف في العالم الغربي لا ينطلقون من أنها تدعم أو لا تدعم القضايا الإسلامية، بل ينطلقون من التلويح أو التخويف من إمكانية نقل تقنية صناعة التسلح النووي إلى بلدان إسلامية أخرى، ويعتبرون أن الجزائر وليبيا والعراق وإيران هي الدول موضع الشبهة، على هذا الصعيد.

والواقع أن تقنية صناعة السلاح النووي لم تعد مسألة «علم» به، بل هي توفير الشروط اللازمة لوضع التقنية المعروفة نسبيًا موضع التنفيذ، بدءًا بتجنيد الخبراء مرورًا بإقامة المنشآت، وانتهاء بتوفير التمويل والظروف السياسية والاقتصادية المناسبة، وللتسلح النووي «تقنيات» متعددة وليس تقنية واحدة، وقد أثبتت باكستان أنها تملك معظمها أو أهمها من خلال التجارب الست «المتنوعة» التي أجرتها خلال فترة أيام معدودة، وهو ما جاء ردًا على الهند التي أرادت بتجاربها الخمس إثبات أنها تملك تلك التقنيات أيضًا وليس تقنية واحدة.

مفعول الردع:

وقد حققت التجارب الباكستانية مفعول «الردع» الذي أرادته تجاه الهند، ولكن صناعة السلاح النووي بكمية معينة تكفي ليكون هذا الردع قويًا ودائمًا رهن بعوامل إضافية، أبرزها بالنسبة إلى باكستان العوامل المالية والاقتصادية، وهذا بالذات ما قد يمنع الدول الغربية من زيادة الضغوط على باكستان في المرحلة المقبلة، وليس في هذه المقولة تناقض فالدول الغربية تخشى من أن «حشر باكستان» في زاوية الضائقة الاقتصادية والمالية، يمكن أن يدفعها فعلًا إلى التعاون مع بلدان أخرى في تقنية السلاح النووي، مقابل حصولها على الدعم المالي منها، علاوة على ذلك يرتبط مستقبل صناعة السلاح النووي في باكستان بعوامل أخرى، في مقدمتها مدى إقدام الهند على تزويد قواتها العسكرية- المتفوقة في ميدان التسلح التقليدي- برؤوس نووية متفجرة، ثم مدى سعي القوى الدولية لضبط نفسها من جهة، والتعامل مع البلدين باتجاه ضبط الأوضاع من جهة أخرى، كيلا تصل إلى مستوى «سباق على التسلح» بعد أن كانت إلى الآن في مستوى السباق على تقنية التسلح رغم ما يقال عن امتلاك الهند زهاء ۳۰ وامتلاك باكستان زهاء ۱۲ قنبلة نووية.

وحتى إذا انتقلت تقنية صناعة السلاح النووي من باكستان إلى بلدان إسلامية أخرى، فلا يعني ذلك أن القنبلة الباكستانية أصبحت إسلامية، إنما يمكن أن تصبح كذلك عندما تتوافر على امتداد المنطقة الإسلامية أرضية مشتركة لسياسة هادفة ومتكاملة تخدم مصالح البلدان والشعوب الإسلامية فتكون لها الأولوية تجاه كل شكل من أشكال الارتباط بالقوى الدولية تجاه المصالح الإقليمية والقطرية الجزئية.

ولو تحقق ذلك الهدف.. فقد لا تكون البلدان الإسلامية في حاجة إلى التسلح النووي أصلًا لتثبت وجودها وتكون لها مكانتها على خارطة النظام العالمي وعلى صعيد الدفاع عن القضايا الإسلامية وتحقيق الأهداف الإسلامية المشروعة، ولا يعني ذلك القبول بمزاعم القوى الدولية المهيمنة حاليًا والتي تتلخص في احتكار السلاح النووي لديها، فسياسة التسلح بما في ذلك التسلح النووي يجب أن ترتبط على الدوام بسياسة الطرف الآخر. وهذا ما تقتضيه المبادئ الدولية وفي مقدمتها التعامل بالمثل، فالتسلح يعطي الطرف الآخر حق تسلح مماثل، والتخلي عن التسلح- أو ما يوصف بنزع السلاح- هو وحده السبيل إلى التزام الطرف الآخر بخطوة مماثلة.

هذا أيضًا مما رسخته حقبة الحرب الباردة، فصيغة «الردع» التي طالما رددها حلف شمال الأطلسي ودوله الأعضاء، كانت وحدها، ما منع من استخدام السلاح الفتاك، أوصلت في حقبة الانفراج إلى التفاوض على «نزع السلاح» ثم في نهاية المطاف إلى وفاق دولي.. أما تغييب صيغة «الردع» فلا يعني على أرض الواقع، سوى فتح أبواب احتمال «استخدام السلاح النووي» على مصراعيها، عندما تقدر الدول التي تملكها أن مصالحها توجب استخدامه وأنه لا يوجد خطر عليها عند استخدامه فعلًا. 

إن حظر نشر «تقنية» التسلح النووي لم يعد في واقعه الدولي حظرًا لنشر السلاح النووي بحد ذاته بل هو في الدرجة الأولى حجة للحيلولة دون وصول أسباب التقدم التقنية الأخرى إلى بلدان نامية ولا سيما الإسلامية، ولا ينبغي استغراب ذلك في عصر باتت فيه القوة المالية والاقتصادية ووسائل الاتصال أكبر مفعولًا في تحقيق الأهداف السياسية وغير السياسية من الأسلحة ومفعولها تحت عنوان الحظر النووي تمارس القوى الدولية المهيمنة ضغوطها المتوالية لفرض حظر أشمل وأخطر على نقل التقنية الإلكترونية المتطورة مثلًا. بحجة إمكانية توظيفها للأغراض العسكرية، وهذا ما يساهم في عرقلة التقدم الاقتصادي لا القوة العسكرية فقط.. كذلك فإن استخدام الحجة نفسها لحظر استيراد أسلحة معينة، بحجة صلاحيتها لحمل رؤوس نووية «غير متوافرة أصلًا» إنما يستهدف إبقاء القوة الدفاعية لتلك البلدان ضعيفة حتى في ميادين التسلح التقليدي، وذلك تجاه مخاطر خارجية منظورة، بحيث تبقى قابلية ابتزازها بالضغوط العسكرية قائمة، ولتحقيق أغراض اقتصادية وتجارية في الدرجة الأولى.

التهور السياسي:

ومعذرة للتعبير في القول إن من «أوقح» الحجج التي يرددها الأمريكيون على وجه التخصيص في ممارسة دور «الوصي» على العالم في قضية التسلح النووي- وسواها - زعمهم أن وصول هذا السلاح إلى أيدي ساسة معينين- يحدد الأمريكيون مواصفاتهم وأسماءهم- يمثل خطرًا على البشرية باعتبارهم متهورين في قراراتهم السياسية، فهم لا يؤتمنون على أسلحة الدمار الشامل! ولا ننفي التهور عن كثير من هؤلاء المعروفين بما يصنعونه بشعوبهم وبلادهم وقضايا أمتهم، ولكن المقاييس الأمريكية على هذا الصعيد غير المقاييس المعتبرة في المصالح الحقيقية لتلك الشعوب والبلاد وقضاياها، إن هؤلاء أنفسهم يجدون من الدعم الأمريكي في تنفيذ قراراتهم وسياساتهم المتهورة، ما لا يجدونه من طرف دولي آخر، ولكن بالمقدار الذي يحقق المطامع الأمريكية الدولية.

ثم إن الازدواجية في التعامل مع السياسة النووية الهندية والباكستانية بالذات تكشف عن حقيقة المواقف الأمريكية، فواشنطن التي تتظاهر الآن بمواقف «متوازنة» فيما تتحدث عن مقاطعة للهند وباكستان، سبق أن مارست ضد باكستان من دون الهند وطوال ثماني سنوات مضت مختلف إجراءات المقاطعة والضغوط على الأصعدة الاقتصادية والمالية والعسكرية، كيلا تتحرك بتقنيتها النووية بصورة حرة، كما استخدمت مختلف أساليب الضغوط والإغراءات مع بكين كيلا تدعم باكستان في برنامجها النووي، دون أن تجد معاملة مشابهة من جانب واشنطن أو سواها من القوى الدولية.

لئن كانت هناك سياسة متهورة أوصلت منطقة شبه الجزيرة الهندية إلى شفا السباق على التسلح النووي الآن، فإنما هي سياسة واشنطن والقوى الدولية العاملة معها على الأرضية نفسها، وهي عينها السياسة المتبعة في الحيلولة دون المساس ببرامج التسلح النووي الإسرائيلية، وفي الحيلولة دون نشأة قوة رادعة لها، وكأن الكيان الإسرائيلي لا يقوم من أساسه على التهور السياسي في حق البشرية، وحق السلام والأمن الدوليين في المنطقة، أو أن سياسته العدوانية والتوسعية والعسكرية في خمسين عامًا مضت وحتى الآن لا تمثل التهور. ثم إنه لا يوجد مقياس للتهور أكبر من مقياس استخدام السلاح النووي بالفعل، والولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي استخدمته ضد اليابان في أغسطس عام ١٩٤٥م. أي بعد أن وقعت ألمانيا اتفاقية الاستسلام، وبعد أن عرضت اليابان نفسها الاستعداد للتفاوض على الاستسلام في نهاية الحرب العالمية الثانية، وأقدم السلاح الأمريكي على ضرب مدن آهلة بالسكان، وليس منشآت عسكرية أو حتى اقتصادية أو صناعية، فلم تكن هناك إذن حاجة عسكرية تبرر استخدام السلاح النووي على هذا النحو.. هذا إذا أمكن تصور وجود مثل تلك الحاجة أصلًا، فضلًا عن ضرب المدنيين الآمنين بتلك الوحشية الشاملة، ولكن كان هناك عامل واحد جعل الأمريكيين لا يترددون في استخدام السلاح النووي، وهو عدم وجود قوة رادعة عن استخدامه، وهذا ما يجعل سياستهم الراهنة العاملة على منع وجود أي قوة رادعة لدى الآخرين هي السياسة التي بلغت الحضيض من التهور، فقد يأتي على رأس السلطة في واشنطن من لا يتردد ولا يرتدع عن الإجرام النووي كما صنع أسلافه، ما دامت لا توجد قوة رادعة تصده عن ذلك، وما يسري على الأسلحة النووية بهذا الصدد يسري- ولا حاجة إلى التفصيل- على استخدام الأسلحة الكيماوية الأمريكية في فيتنام، والروسية في أفغانستان والشيشان، بل يسري على نشر المخدرات «البريطانية» في الصين في القرن الماضي، وعلى لعب الأطفال الإسرائيلية الملغومة في جنوب لبنان طوال السنوات الماضية. 

ونحتاج.. وتحتاج البشرية عمومًا إلى القيم التي تمنع من التهور، النووي وغير النووي، ولكن في هذا المجال بالذات تبقى الولايات المتحدة آخر من يصلح مصدرًا لتحديد ذلك، وهي التي أقدمت على ۱۰۳۲ تجربة نووية، أي أكثر مما أقدم عليه سائر الأطراف الأخرى معًا، وسببت من الضحايا والإصابات بين الأمريكيين ما لم ينكشف سوى جانب محدود منه، ولا يقل ما انكشف بشاعة ولا إجرامًا عما انكشف في هذه الأثناء من نتائج التجارب السوفييتية في الأراضي الإسلامية وسط آسيا.

والولايات المتحدة هي التي ترفض بصورة قاطعة الالتزام بالتخلي عن السلاح النووي في المستقبل القريب أو البعيد، وقد أعطت بذلك في حينه الحجة للهند كيلا تلتزم باتفاقية حظر التجارب، وهي حجة موضوعية بحد ذاتها وإن ظهر للعيان الهدف الحقيقي للهند من وراء استخدامها.

كما أن الولايات المتحدة لم تشارك في المساعي المبذولة لحظر التجارب النووية إلا بعد أن وصلت بتقنياتها الحديثة إلى مستوى يسمح لها بالاستغناء عن التجارب تحت الأرضية والاستعاضة عن ذلك بإجراء التجارب عن طريق برامج العقول الإلكترونية، فلم تكن سياساتها على هذا الصعيد قائمة على القيم، وبهدف التخلص من شبح الرعب النووي في حياة البشرية، بل كانت- ولا تزال- تقوم على المصالح الأنانية المحضة، والهيمنة الاحتكارية المطلقة. 

إن أشد السياسات تهورًا في ميدان التسلح النووي هي السياسة الأمريكية، وإن من التهور بمكان أن تتلقف الدول العربية والإسلامية أو بعضها ما تلقيه واشنطن من حجج، فتتبناها وتدافع عنها، وتوهم الشعوب بسلامتها وصحتها وشرعيتها، فتساهم بشكل مباشر أو غير مباشر فيما نراه يومًا بعد يوم من مفعول تجريد المنطقة الإسلامية من مختلف أسباب القوة الرادعة على الأقل، وفي هذا الإطار- ولأسباب عديدة أخرى- ينبغي أن تسعى الدول العربية والإسلامية إلى الوقوف إلى جانب باكستان فيما قد تتعرض له من ضغوط دولية اليوم وفي المستقبل القريب، وأن تعمل في الوقت نفسه على صياغة أرضية مشتركة فيما بينها جميعًا، للتعامل مع تحديات النظام العالمي المقبل من منطق القوة لا الضعف والدفاع عن المصالح لا التفريط بها، وتثبيت الحقوق المشروعة لا مسخها، وتبني الشرعية الدولية كما هي لا تزييفها وخدمة القضايا المصيرية لا التخلي عنها، وتوجيه الطعنات المتوالية لها.

«فياغرا» باكستانية!!

بقلم: الشيخ مشعل عبد الله الجابر الصباح

في لقاء طويل دار بيني وبين أحد محبي السلام حوار ساخن حول التجارب النووية التي أجرتها باكستان مؤخرًا ردًا على جارتها الهند. 

كان رأي الرجل أنه لا حاجة لباكستان لسلاح نووي. 

قلت: وهل للهند حاجة لذلك؟

قال: امتلاك الهند للسلاح النووي خطأ، والرد على هذا الخطأ بخطأ مثله من طرف باكستان سيؤدي إلى تسابق محموم على سلاح يعرض المنطقة إلى كوارث ضخمة.

قلت: حتى وإن كان وجود باكستان مهددًا؟

قال: لا أرى أي تهديد لوجود باكستان.

قلت: إن بين البلدين أحقادًا تاريخية معروفة، والهند في حربها مع باكستان تنطلق من دوافع دينية وأطماع استعمارية، ولا معنى لتجنب القوة في هذه الحالة إلا الاستسلام للفناء.. إن باكستان جزء من أمة استمات الاستعمار- بكل أنواعه- في محو دينها وإرخاص دمائها، ومن حقها أن تدير حياتها على محور من الشرف، وبوسائل تضمن لها الدفاع عن نفسها، وعن حقها في السيادة، وليس بالضرورة أن يكون تسلحها استجابة لنية عدوان، ولو فرضنا جدلًا أنها ليست بحاجة إلى سلاح نووي، فهل يستطيع العالم أن يمنع الهند المجاورة من امتلاك هذا السلاح؟

قال: هناك معاهدات دولية.

قلت: وقد كانت بين الكويت والعراق معاهدات.. وكان بين ألمانيا والدول المجاورة لها معاهدات قبل الحرب العالمية الثانية.

قال: ولكن العالم تدخل في حرب الخليج وأنهى العدوان العراقي. 

قلت ولكن هل كان العراق يجرؤ على غزو الكويت لو كان يعلم أن لهذا البلد سلاحًا يضاهي سلاحه؟

وفرية أخرى أريد دحضها: إن الإسلام لا يعرف التعصب ضد الأديان الأخرى، ولا يجعل الاختلاف الديني ذريعة قتال وخصام وأعتقد لو أن الهنود عاشوا بين ظهراني مسلمي باكستان ما أحسوا غبنًا ولا شكوا اضطهادًا، على عكس المسلمين الذين يعيشون الآن في الهند، ويتعرضون بسبب ديانتهم لحرب إبادة خفية ومعلنة في مقاطعة كشمير وغيرها.

قال: إذن أنت لا تحب السلام؟

قلت: إذا فرضت عليك الحرب فرضًا، فلا خيار لك إزاءها، ولا مكان للتساؤل عن فرص تجنبها، إنني مع السلام، ولكن إذا كان هدفه إجلائي من أرضي وإفنائي وإقامة وجود آخر على أنقاض جنسي ورسالتي وكتابي، فإن معناه الاستسلام للذبح والرضا بالتلاشي والانقضاء، وسلام بهذا المعنى أرفضه، وأقاومه لاستبقاء وجودي. قال: إن باكستان دولة فقيرة، والتجارب النووية باهظة التكاليف والاستمرار في هذه التجارب معناه الاستمرار في إفقار الشعب الباكستاني.

قلت: رب سجين مليء البطن خفيض الرأس، ورب جوعان حديد البصر جهير الصوت مرفوع الرأس.

قال وهو يحاول تلطيف الجو: وماذا تقول عن حبوب «الفياغرا»؟ 

قلت: إذا كانت هذه الحبوب تنفع مرضى الضعف الجنسي، فإن الأمة الإسلامية لا تنفعها إلا «فياغرا» باكستانية بعد أن مس جلدها لهب الأحداث، وعرفت كيف عفَّر الضعف وجهها بالتراب!!

الرابط المختصر :