; دراسة لمؤسسة «فرايد» الإسبانية المستقلة تبحث: هل يتجه الاتحاد الأوروبي للتعامل مع الإسلاميين ؟ | مجلة المجتمع

العنوان دراسة لمؤسسة «فرايد» الإسبانية المستقلة تبحث: هل يتجه الاتحاد الأوروبي للتعامل مع الإسلاميين ؟

الكاتب بلال التليدي

تاريخ النشر السبت 02-مايو-2009

مشاهدات 56

نشر في العدد 1850

نشر في الصفحة 34

السبت 02-مايو-2009

قضية

ظلت مسألة التعامل أو التطبيع مع الحركات السياسية الإسلامية لمدة طويلة أمرًا غير مقبول بالنسبة للحكومات الأوروبية، التي تعتمد سياساتها على بعض أنظمة الحكم في العالم العربي لرعاية مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، التي أصبحت في السنوات الأخيرة محدودة بشكل واضح.. وتراجع هذا الموقف لأن النظرة التي كانت تتبناها والتي ترهن الاستقرار بدعم الأنظمة العربية، وتربط في المقابل عدم الاستقرار بمشاركة الإسلاميين، أثبتت أنها قاصرة ومتناقضة.

هذه وجهة النظر الأوروبية الجديدة التي سعت مؤسسة «فرايد» FRIDE الإسبانية المستقلة المختصة بالعلاقات الدولية والحوار الخارجي، والمهتمة بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان والسلام، أن تبرزها وتدلل عليها، عبر دراسة صدرت في يناير ٢٠٠٩م، ونشرت باللغتين الإسبانية والإنجليزية كتبها الباحث «کریستین كوش» الذي ظهر له العديد من الأوراق الاستراتيجية المهتمة بالحركات الإسلامية.

وحسب الدراسة يبدو أن النقاشات الأخيرة داخل الاتحاد الأوروبي تمضي في اتجاه البحث عن مقاربة البديل سياسي حقيقي، سيؤدي إلى تحول في وجهة نظر صناع القرار السياسي الأوروبي لجهة التعامل والتطبيع مع الحركات الإسلامية المعتدلة.

وترى الدراسة أنه لا يوجد نقص في الحوافز لإقناع الساسة الأوروبيين لتغيير سياساتهم، لأن التصدي للحركات الإسلامية الراديكالية «الأصولية» صار جزءًا لا يتجزأ من استراتيجية الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإرهاب من منطلق أنه لن يحدث أي إصلاح من غير إشراك حركات غير ثورية تؤمن بالأدوات السلمية والديمقراطية في الوصول إلى السلطة، وأنه أصبح من الضروري اليوم التعامل مع هذه الحركات من أجل ديمقراطية حقيقية، ومن أجل التنمية والاستقرار على المدى الطويل.

 وبالإضافة إلى دور الحركات الإسلامية المعتدلة في التصدي لخطاب العنف والحركات الراديكالية، فإن الاعتدال الذي آل إليه الكثير من التنظيمات الإسلامية وانخراطها في العملية السياسية، ومضاعفة جهدها في استقطاب المجتمع للتصويت لها، في الانتخابات حولها إلى مخاطب سياسي مهم من الصعب تجاوزه

وتشير الدراسة إلى أن النقاشات والتحليلات الأخيرة التي ثارت داخل الأوساط الأوروبية، والمناقشات حول الإسلام السياسي ساعدت الغربيين على التمييز في وجهة نظرهم بين الإسلاميين وأهدافهم ووسائلهم، والشكوك في نواياهم، إضافة إلى الفوائد المحتملة من إشراكهم في العملية السياسية على نطاق واسع.

انفتاح نسبي

ويتساءل العديد من المراقبين الأوروبيين عن حقيقة موقف الإسلاميين من الديمقراطية، وما إذا كانوا يخفون أجندتهم الشمولية .. ففريق من النقاد يرى أن تطبيع الحكومات الغربية مع الحركات الإسلامية المعتدلة سيدفعها للعمل في إطار الشرعية، فيما يشك فريق ثان في إمكانية تأثير الأوروبيين في التوجهات الداخلية للإسلاميين، ويرى فريق ثالث أن مجرد قبول الإسلام كهوية سياسية في المنطقة يعد خطأ، ويعتقد فريق رابع أن تصنيف الحركات الإسلامية إلى معتدلة وراديكالية أمر مضلل؛ يحوي كثيرًا من التبسيط والاختزال.. لكن التحفظات حول وجود منطقة رمادية في توجهات التيار العام لهذه الحركات الإسلامية يتقاسمها النقاد ودعاة التطبيع مع الحركات الإسلامية معًا. 

وتضيف الدراسة إنه على الرغم من كل هذه الشكوك إلا أن عدم وجود البدائل يدفع في اتجاه أن يحدث توافق بين وجهات النظر الأوروبية، على أن بعض أشكال مشاركة الحركة الإسلامية أصبحت أمرًا ضروريًا... ولهذا، تعتقد الدراسة أن إشراك الإسلاميين في الحكم قد حان وقته الآن.

ويرى الكثيرون أن العديد من المزايا ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار، منها الانفتاح النسبي الذي إبداء الإسلاميون للتعامل مع الغرب، وبشكل خاص أوروبا، وذلك من أجل الوصول إلى روابط استراتيجية.. وعلاوة على ذلك، فإن التفكير في إزالة الصورة السيئة التي علقت بالحركات السياسية ذات المرجعية الإسلامية بات أمرًا بالغ الأهمية، بحكم الإحباط الذي سادها جراء عدم قدرتها على التأثير بشكل مجد في الواقع السياسي لبلداتها من خلال مشاركتها السياسية.. ولذلك، أصبح من الصعب تجاهل الإسلاميين كقوة سياسية لوقت أكثر.

وعن الكيفية والطريقة التي حدث بها هذا الميل في الموقف الأوروبي، تتساءل الدراسة: هل هناك تحول في نمط التفكير والتحرك الأوروبي باتجاه مشاركة مع الذين اعتاد الاتحاد الأوروبي أن يعدهم في علاقاته مع الشرق الأوسط «المشرق العربي» ودول شمال أفريقيا «خطا أحمر»؟!

أدلة ضعيفة

ورغم هذه النقاشات التي تشير إلى بداية التحول في الموقف الأوروبي، إلا أن الدراسة ترى أن الحديث الكثير عن إشراك الغرب للإسلاميين في الحكم يبقى على النقيض يستند إلى أدلة ضعيفة .. ففي الوقت الذي تتحرك فيه الأجندة الدبلوماسية الأوروبية من خلال اتصالات للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي من أجل السيطرة على حركة المقاومة الإسلامية «حماس» في فلسطين و «حزب الله» في لبنان لا يعرف سوى القليل حول منهجية التعامل مع المعتدلين وأحزاب المعارضة الإسلامية في المنطقة.

 والمساهمة الحالية لا تقف عند صلب التوجه الديمقراطي للحركات الإسلامية ولا الفوائد المحتملة من التعامل مع بعض المجموعات الخاصة منها .. والموقف الأوروبي كما توضح الدراسة، لا يزال ينظر إلى هذا الموضوع بحساسية سياسية، ولا يطرحه في النقاش العام، بل إن مجرد إجراء بحوث أولية فيه أصبح أمرًا صعبًا. 

موقف عدم الارتياح للتعامل مع الإسلاميين من معالم السياسة الأوروبية الداعمة للعلمانية.

اعتدال الحركات الإسلامية ومشاركتها في الانتخابات وانخراطها في الحياة السياسية جعلها قوة من الصعب تجاوزها.

الإعلام الرسمي العربي يقدم معلومات مضللة تؤثر في القرار السياسي الأوروبي بشأن الموقف من الحركات الإسلامية.

ورغم هذه الصعوبات والعوائق، فإن الدراسة حاولت أن تقدم تصورًا عامًا للاتجاهات السائدة في الحكومات الأوروبية حول إشراك الإسلاميين في الحكم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والدوافع والمخاوف وراء المشاركة، والقنوات والمستويات، والأطر والحدود السياسية التي يمكن أن تقع فيها هذه المشاركة.

جهود فردية

توافق الآراء بين المحللين الذين يدعمون فكرة التعامل مع الإسلاميين المعتدلين لم يقابله القدر نفسه من التوافق بين ممثلي الحكومات الأوروبية.. فالدعم المستمر للأنظمة العربية على مدى طويل لم يعد مفيدًا أمام ظهور قوى معارضة جديدة في المنطقة، وموقف عدم الارتياح للتعامل مع الإسلاميين الذي كان من المعالم الواضحة للسياسة الأوروبية يدفع الاتحاد الأوروبي اليوم للبحث عن اتجاه مشترك، وهناك جهود فردية للدبلوماسيين الحريصين على إشراك الإسلاميين في الحكم، ولكنها تجد صعوبة في تجميع ما يلزم من أجل الدعم السياسي الضروري.

 وتوضح الدراسة أن سؤالًا مثل: متى وكيف يتم التعامل مع الإسلاميين في مختلف أنحاء بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟ خضع لنقاش واسع.. وأنه خوفًا من الآثار السلبية المحتملة على العلاقات الثنائية مع الحكومات المضيفة، فإن معظم الدول الأعضاء كانت حريصة على الحفاظ على السيادة الكاملة في اتخاذ القرارات بشأن هذه المسألة على الصعيد الوطني.

معيار المصالح

والمعيار الأبرز لتمييز الحركات الإسلامية التي يمكن للاتحاد الأوروبي التعامل معها هو حجم المصلحة التي يحققها من إقامة حوار مع أي منها.. وعلى سبيل المثال، بروز حركة ما كقوة سياسية، واحتمال فوزها في الانتخابات.

لكن هذا يطرح تبعات دبلوماسية من قبيل الاعتراف بشرعية هذه الحركة وعلاقتها بالنظام السياسي: إذ يمكن أن يكون التعامل مع الإسلاميين متعارضًا مع المصالح الأوروبية في المنطقة، التي تتطلب دعم الأنظمة في العديد من القضايا المهمة: مثل النزاعات الإقليمية، والتنسيق لمكافحة الإرهاب، والتجارة والهجرة والطاقة وغيرها.

كما أن الصورة التي يحملها الأوروبيون عن الإسلاميين وعن قوى المعارضة تتأثر بشكل كبير بالضغط الذي يمارسه الإعلام التي تتحكم فيه الأنظمة، والذي يوفر قاعدة معطيات تؤثر في صناعة القرار السياسي الأوروبي بشأن الموقف من الإسلاميين.

وفي المقابل، تعتقد الدراسة أن تحسين صورة الإسلاميين حجة يبرزها قادة الحركات الإسلامية تصب في مصلحة تعاملهم مع الجهات الغربية: إذ من خلال تحسين صورتهم يحاولون إقناع الغرب بأنهم ليسوا حركة متطرفة، بل حركة معتدلة وقوة سياسية إصلاحية بالدرجة الأولى.

 وعبر تفكيك ما يعده الإسلاميون المعتدلون تحيزًا في الرأي العام الأوروبي ضدهم، يسعى العديد منهم لتقديم صورة أخرى مخالفة، على أمل التأثير في صناع القرار السياسي؛ لترك خيار دعم الأنظمة المستبدة، والتفكير في تحقيق الاستقرار، وطرح خيار التعامل مع الإسلاميين.

وتشير الدراسة أيضًا إلى أن تعامل الإسلاميين مع الحكومات الأوروبية، ومع المنظمات الغربية غير الحكومية في بعض البيئات الوطنية قد يجلب أحيانًا آثارًا سلبية عليهم على المستوى المحلي؛ بحيث تختلف درجات المضايقة التي تمارسها الأنظمة على الحركات الإسلامية، فيمكن أن يعد الاتصال مع هيئات أجنبية دليل إدانة على التعاون مع جهات خارجية للتآمر على النظام.. ولذلك تحجم هذه الحركات عن الاتصال بالجهات الأجنبية بدون علم النظام السياسي، وغالبًا ما يعد هذا ذريعة للنظام لممارسة القمع ضد هذه الحركة أو تلك.

استنتاجات عدة مع الأخذ في الاعتبار أن هناك قيمة محدودة في مناقشة موضوع تعامل الاتحاد الأوروبي مع الإسلاميين، فضلًا عن محدودية إقدام الحكومات الأوروبية على تقديم معلومات عن هذه المسألة، فإن هناك عددًا من الاستنتاجات التي يمكن استخلاصها:

١- رغم التحفظات واسعة النطاق حول نوايا الإسلاميين تجاه الديمقراطية، وتأثير ذلك على الموقف الأوروبي من التعامل معهم إلا أن شكلًا من أشكال المشاركة الاستراتيجية مع الإسلاميين المعتدلين في الشرق الأوسط «المشرق العربي» وشمال أفريقيا بات أمرًا لا مفر منه، وتبقى التساؤلات: حول «متى، وكيف، ومع أي الحركات ينبغي التعامل» محل نقاش كبير، وليس من المحتمل أن تجد جوابًا عنها في القريب العاجل. 

 الرؤية الأوروبية التي ترهن الاستقرار بدعم الأنظمة العربية القائمة وتربط عدم الاستقرار بمشاركة الإسلاميين في الحكم ثبت أنها قاصرة ومتناقضة.

هناك جهود فردية لدبلوماسيين أوروبيين لإشراك الإسلاميين في الحكم ولكنها تجد صعوبة في الدعم السياسي المطلوب. 

٢- كثرة الحديث حول ضرورة التعامل مع الإسلاميين يندرج فقط ضمن مسمى «حسن النوايا» لأنه لم توضع بعد أي استراتيجية للتعامل مع الإسلاميين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والاتصال المنتظم بهم.

٣- تدبير العلاقة مع الإسلاميين يتم بشكل منفرد داخل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، نظرًا لحساسية الموضوع وحفاظًا على استقلالية القرار السياسي فيه، ويبقى في الإجمال التعامل مع الإسلاميين هو الاستثناء، وعدمه هو القاعدة!

٤- الاتجاه نحو الاعتراف بالقوى السياسية الفاعلة في المجتمع في بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا يزال خجولًا، ولم يجد بعد طريقه إلى الممارسة السياسية.

٥- المشاعر هي التي تتحكم في إدارة هذا الملف عوضًا عن الخبرة، ورغم أن العمل الفكري المتخصص حول الإسلام السياسي ساهم في التخفيف من حدة الأفكار المسبقة، ومن سيطرة عقلية تبسيط وجهات النظر حول موضوع الإسلاميين فإن المناقشة العلمية العقلانية للموضوع في الدوائر الأوروبية لا تزال جد منخفضة.

٦ - عدم الاتصال بالإسلاميين يدفع الأوروبيين إلى اتخاذ قرارات سياسية في هذا الموضوع اعتمادًا على المعلومات المتوافرة لديهم، وهي قرارات تحمل العديد من الأحكام المسبقة وغير العلمية عن توجهات الإسلاميين، ورؤيتهم لتطورات الأوضاع، وموافقهم من العديد من القضايا.

٧- حالة صعود حركة حماس في غزة شلت رؤية الأوروبيين ومنعتهم من التقدم أي خطوة في اتجاه التعامل مع الإسلاميين في المنطقة.

٨- إشكالية العلاقة بين الدين والسياسة وطبيعة الموقف الأوروبي الداعم للعلمانية في المنطقة يمثل عائقًا أمام تقدم موقف الأوروبيين من التعامل مع الإسلاميين.

٩- عدم التعامل مع الإسلاميين المعتدلين سيزيد عزلتهم، وفي الوقت نفسه سيجعل الديمقراطية خيارًا بعيدًا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

 ١٠- إذا كان التزام الأوروبيين بالديمقراطية والسلام وانخراطهم الكامل من أجل تحقيقهما هو القوة التي تتميز بها السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، فمن الصعب أن نفهم أسباب فشل الاتحاد الأوروبي في استعمال هذه القوة نفسها في علاقته مع الإسلاميين الذين ينبذون العنف وعدم تطبيق هذه السياسة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

١١- أي محاولة لاستبعاد الإسلاميين من التعامل يعد دعمًا للتطرف في المنطقة، في حين أن التعامل مع الإسلاميين يشكل ضمانة لمحاربة التطرف.

[1] كاتب مغربي 

الرابط المختصر :