العنوان هل يتحقق السلام بين العرب واليهود؟
الكاتب راشد السالم
تاريخ النشر الثلاثاء 23-يوليو-1985
مشاهدات 59
نشر في العدد 726
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 23-يوليو-1985
دراسات سياسية
- العرب في دائرة التأثير الأمر ليس في دائرة التأثير عليها.
- إسرائيل تملي ما تريد وحكومة الوحدة الوطنية تماطل وتحبذ الإبقاء على الأوضاع الراهنة.
أحد أوجه المأساة في القضية الفلسطينية أو «الصراع العربي -الإسرائيلي» كما يحلو للإعلام العربي أن يردد هو أن الطرف العربي المعتدى عليه هو الذي أخذ يلح على الطرف المغتصب بالسلام منذ هزيمة عام ١٩٦٧.. وأصبح الطرف العربي يطلب ذلك بإجماع، بل واستجداء من العدو الصهيوني والقوى الدولية منذ حرب ٧٣ التحريكية!
- محور مساعي السلام
وبعد توقيع اتفاقات كامب ديفيد ونجاحها في عزل مصر وتكريس الفرقة والتمزق في العالم العربي توجهت أنظار الثنائي الصهيوني -الأميركي إلى تعميم هذه التجربة مع دول عربية أخرى، وتحديدًا على الجبهة الأردنية. لكن النظام الأردني لم يستجب آنذاك لأسباب تتعلق في الحفاظ على استمراره واستقراره، ومع تركيز الضغوطات السياسية والاقتصادية على الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية، تطورت العلاقات فيما بينها إلى حد توقيع اتفاق فبراير (١٩٨٥) للتحرك السياسي المشترك على أساس مبدأ مقايضة الأرض بالسلام!
وعلى إثر تشكيل وفد أردني فلسطيني مشترك قام بجولات سياسية مشتركة على الصعيد العربي والدولي، وصدور إشارات عربية ودولية لدعم الاتفاق الأردني الفلسطيني أصبح هذا الاتفاق هو محور التحركات من أجل ما يسمى بالسلام.
وبعد حل أحد أكبر الإشكالات التي واجهت تشكيل الوفد، وهي عقبة الحوار مع أميركا عبر تسمية أعضاء الوفد الفلسطيني الذي يضم أعضاء في المجلس الفلسطيني. وتسلم الإدارة الأميركية لقائمة الأسماء، والتي نرجح قبولها ولو مع تغيير بعض الأسماء.
يثور سؤال عند عامة الناس، خاصة الشعب الفلسطيني الذي ما زال يعاني ويكابدآلام الاحتلال والغربة التي تصل لحد سفك الدماء وانتهاك الأعراض والأموال، وهو هل يتحقق «السلام» الموعود، فيحصل الفلسطيني على «هويته» الضائعة، ويعود المشرد إلى أرض آبائه وأجداده؟ ... هل تتخلى إسرائيل عن الضفة الغربية وقطاع غزة؟ هل يشعر الفلسطيني بنشوة وطنية ولو على حساب ما احتل عام ١٩٤٨؟!
أما ما يدور في خلد معظم الأنظمة العربية فهو: هل تتحقق المعجزة، فيرضى اليهود بالصلح، فتتخلص وإلى الأبد من أعباء الصراع معهم، وأعباء القضية والشعب الفلسطيني؟!
ومع أننا نعلم يقينًا أن كثيرًا من «الضالعين في مسيرة الصلح مع اليهود» يعلمون حقيقة الأمور إلا أننا نعتقد أن مناقشة الموضوع على أرض الواقع وببساطة ووضوح، ربما توقظ غافلًا أو تنبه مستغفلًا، آملين أن يسهم ذلك في زيادة الوعي الجماهيري لدى الشعوب الإسلامية بعامة والشعب الفلسطيني بخاصة.
في البداية لابد في الإشارة إلى أن محور حركة «السلام» كما أسلفنا يدور حول الاتفاق الأردني -الفلسطيني؛أي أن صورة الحل المطروحة في الواقع الآن هي اتفاقية «سلام» بين إسرائيل والأردن على أساس مبدأ «الكونفدرالية الأردنية -الفلسطينية» ... فالدولة الفلسطينية غير واردة إطلاقًا لا إسرائيليًّا ولا أميركيًّا ولا عربيًّا ولا حتى فلسطينيًّا، والكونفدرالية هي جوهر خطة ريغان التي ما يزال يصر عليها!
- الكونفدرالية
ولكي نختصر النقاش نطرح القضية على الشكل التالي: هل الكونفدرالية قابلة للتطبيق في الوقت الحاضر؟
وقبل الإجابة المباشرة على السؤال لا بد من التسليم بحقيقة سياسية باتت واضحة منذ قيام دولة الكيان الصهيوني في فلسطين السليبة، وهي أنه بالرغم من تعدد أطراف المشكلة الفلسطينية وتباين قوة تأثيرها في مجرى القضية، إلا أن موقف الكيان الصهيوني يبقى هو الموقف القوي الذي تذوب فيه كل المواقف، بمعنى أن ما يريده الكيان الصهيوني هو المطلب الحق الجدير بالتحقيق، أما مطالب أو آراء الأطراف الأخرى،فتذهب أدراج الرياح حتى لو كانت أراء الحليف الأميركي، هذا ما ثبت في الواقع حتى الآن، ولا يعني هذا أن الموقف الأميركي، أو الموقف العربي فيما لو كان جادًا لا يستطيع أن يضع حدًا للموقف الصهيوني. بل على العكس من ذلك، فإن الموقف العربي بشكل خاص فيما لو كان مخلصًا وجادًا وموحدًا، فإنه ينسف الموقف الصهيوني، وهذا ما نؤمن به وندعو له.. لكن الذي حصل أن الموقف العربي ظل ضعيفًا ومشتتًا وغير مخلص في كثير من الأحيان،الأمر الذي لم يجعل له وزنًا عند العدو الصهيوني أو على المستوى الدولي.
واستنادًا لهذه الحقيقة، فإن الذي يقرر مستقبل الكونفدرالية هو موقف العدو الصهيوني بشكل أساسي.. صحيح أن الإدارة الأميركية بما لها من نفوذ اقتصادي على إسرائيل تستطيع أن تقنع بعض الاتجاهات الإسرائيلية بتقديم بعض التنازلات حفاظًا على المصالح المشتركة، لكن لا يتقرر ذلك إلا في ضوء المعادلة السياسية الحاكمة في إسرائيل.
- مماطلة وخداع
ولو تأملنا في موقف الحكومة الإسرائيلية الحالية، المكونة من تجمعي العمل والليكود لوجدنا أن خلاصة رأيها هو المماطلة في هذه القضية وإطالة أحد الأوضاع الراهنة على ما هيعليه إلى أطول مدة ممكنة.
وهذه السياسة مرجحة للنجاح بسبب التباين في موقفي الحزبين من قضية الانسحاب من بعض أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة وطبيعة العلاقة بين إسرائيل من جهة والشعب الفلسطيني والأردن من جهة أخرى. وبسبب هذا التباين وخشية من الوقوع في أزمة سياسية اتفق الحزبان العمل والليكود إلى عدم البت بمستقبل الضفة الغربية وقطاع غزة طيلة وجود حكومة «الوحدة الوطنية» في الحكم.
ويقوي هذا الخيار في ضوء قرب انتهاء فترة رئاسة شيمون بيريز للحكومة التي تحل في سبتمبر القادم؛ ليحل محله إسحق شامير أي أن احتمالات إجراء انتخابات جديدة يفوز بها حزب العمل قد باتت غير واردة. وفي ضوء الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يشهدها الكيان الصهيوني، فإن الحزبين يتجهان للإبقاء على حكومة الوحدة الوطنية؛ لأن انفراد أي حزب في الحكم وفشله في حل الأزمة الاقتصادية يعرضه إلى الفشل في أية انتخابات قادمة ولفترة طويلة.
- استراتيجية
هذا من الناحية السياسية المرحلية. أما من ناحية الاستراتيجية الإسرائيلية فيجب ألا يغيب عن البال، وكما أشار باحثون إسرائيليون أن إسرائيل تعتبر شرق الأردن جزءًا من أرض إسرائيل، وأن وعد بلفور يشمله، ولم توافق الحركة الصهيونية على استثناء شرق الأردن في وعد بلفور إلا لظروف مرحلية، ومن ناحية أخرى فإن الكونفدرالية تحمل في طياتها خطر رجحان الكفة السياسية في الأردن للفلسطينيين، الأمر الذي يثير حنينهم لأرضهم وما قد يترتب عليه من صراع عسكري مع إسرائيل من جديد!
ولذلك لا يستبعد مراقبون أن تستغل إسرائيل ما أسمته صحيفة هآرتس من وحدة المصالح بين إسرائيل وسوريا يعدم التوصل لاتفاق سلام في تهيئة الساحة الأردنية الفلسطينية للتسليم بمطالب إسرائيل أو لابتلاعها في الأمد البعيد!
هكذا إذن، يميل الموقف الصهيوني إلى الإبقاء على الأوضاع الراهنة على ما هي عليه، وسيعمد إلى سياسته التقليدية في إطالة أمد المفاوضات فميا لو بدأت، وليس في هذا تعارض مع حقيقة الموقف الصهيوني المشار إليه، أو نسفها في الوقت المناسب كما حصل مع المبعوث الدولي جونار يارنغ الذي جاء للمنطقة مئات المرات ولم يتوصل لنتيجة!
وقد يُقال هنا: إن الإدارة الأميركية حفاظًا على مصالحها، ستعمد إلى الضغط على إسرائيل خاصة بعد استقبال واشنطن للملك فهد والرئيس حسني مبارك والملك حسين للاستجابة للكونفدرالية، وربما كانت موافقة أميركا لمحاورة وفد أردني- فلسطيني مشترك دليلًا على ذلك؟! والجواب على ذلك نتركه لفاروق قدومي رئيس الدائرة السياسية في منظمة التحرير الفلسطينية.
يقول قدومي:
هناك محاولات لتسوية سياسية، ولكن إذا تفحصنا مثل هذه الأمور نجد أن الولايات المتحدة الأميركية تحاول من خلال مناورات سياسية أن تتخلص من الاتهام الدولي بعدم رغبتها في إقامة سلام دائم وعادل في منطقة الشرق الأوسط، وتحاول من خلال هذه التحركات السياسية إلى الحصول على مزيد من التنازلات...»!
ويترجح قول قدومي في ضوء تشتت الموقف العربي وتخوفه من انتشار محاور الصراع في لبنان والخليج، التي تلعب فيهما أميركا دورًا من وراء الكواليس، وفي ضوء تردي أحوال سوق النفط وانخفاض مداخيل الدول النفطية وانعكاس ذلك على الدول الأخرى، فإن هذه الدول ستظل في دائرة التأثير الأميركي وليس مؤثرًا عليها، ونتيجة لهذه الأوضاع يميل العملاقان في لقائهما المرتقب في نوفمبر القادم، كما يقول مراقبون محايدون يميلان إلى الاتفاق نحو التعايش مع هذه الأوضاع «واحتوائها» وليس حلها؛ «لأنه لم يكن من مصلحتهما في يوم من الأيام حلها».
- مشروع تحريكي!
والسؤال الآن: إذا كان القادة العرب يدركون هذه الأمور، فلماذا يهتم كثير منهم «بمساعي السلام»؟! وإذا كان بعض هؤلاء يحاولون التنصل من مسؤولية القضية الفلسطينية وتبعاتها، فلماذا يكدح القادة الفلسطينيون في هذا السبيل وهم يعلمون مسبقًا النتيجة؟
يقول عرفات في آخر مقابلاته الصحفية: إن الاتفاق الأردني الفلسطيني مشروع «تحريكي» يهدف لإثارة القضية الفلسطينية وطرحها في كل المحافل والمحاور.
ويضيف خالد الحسن: إن الاتفاق الأردني الفلسطيني من أولوياته إعادة العلاقة الطبيعية مع الأردن! لكن هل إعادة هذه العلاقة تتوقف على الدخول في مفاوضات مع أميركا تمهيدًا للدخول في مفاوضات مع إسرائيل؟
لا ندري إذا كان الأردن والقادة الفلسطينيون موعودين بشيء، لكننا ابتداءً نعلم علم اليقين أن الولايات المتحدة هي أكبر دولة في العالم حقًا؛ لكنها أكثر دولة تنكث بوعودها كذلك! ومهما يكن من أمور مخفية؛فإن حال العدو الصهيوني وحال العرب والمجتمع يقول بصريح العبارة: إنه لا سلام كما يهوى العرب، بل هناك فقط مطالب إسرائيلية يجب أن تلبى! وإسرائيل تقول: إنهليس لديها «سلام» بمعنى السلام الحقيقي، وإنما لديها خطة استراتيجية تهدف لمزيد من التوسع والاستيطان واستعباد العالم الإسلامي... ولديها خطة مرحلية يجب تحقيقها تحت شعارات السلام!
ليس عيبًا ولا مذمومًا أن «نحرك» القضية الفلسطينية، أو «نعيد إليها الحيوية» على المسرح الدولي، لكن العيب أن نساوم ونتنازل.
ويا أيتها الشعوب ذات الأحلام الوردية.. أفيقي من ليلك الذي طال، والخير كل الخير في التزام الصراط المستقيم؛ لأننا به نعرف العدو من الصديق، والمخلص من المنافق، والحق من الباطل، ولأجله يحلو الممات. اللهم يسر لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، أنك سميع مجيب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل