; هل يتراجع العرب أمام الثوابت الأمريكية؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل يتراجع العرب أمام الثوابت الأمريكية؟

الكاتب عبدالله الصالح

تاريخ النشر الثلاثاء 07-مايو-1985

مشاهدات 51

نشر في العدد 716

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 07-مايو-1985

* السير في نهج التسوية يؤدي للتسليم بالمطالب الأمريكية الصهيونية.

* مسؤول عربي يقول: نحن أحوج إلى أمريكا منها إلينا.

* المنظمة ترفض مقترحات مورفي وتتمسك باتفاق حسين – عرفات.

الواقع المأساوي الذي تشهده الساحة العربية عبر عنه بصراحة زعيم خليجي وهو يستمع لمطالب وفد فلسطيني قائلًا: إن الحكام العرب لا يستطيعون حمل أمريكا على تغيير موقفها من القضية الفلسطينية لأنهم بحاجة لأمريكا أكثر من حاجة أمريكا لهم، وهم بالتالي يرغبون في التخلص من انعكاسات هذه القضية عليهم، ولو شاءوا أن يضغطوا على أمريكا فلن تستجيب لهم فهذا هو الوضع باختصار فماذا تريدون أن نفعل؟!

وما دام الوضع على هذه الصورة فإن المرء لا يتوقع من أمريكا إلا مزيدًا من محاولات الابتزاز والإذلال، هذا ما يقوله المنطق المجرد فهل يصدقه الواقع المؤلم؟

لقد أثبت الواقع أن الأمر أشد فداحة من ذلك وخير شاهد على ذلك قصة المسعى الأمريكي الجديد لإحياء ما يسمى بعملية السلام، فما الذي حدث؟

في أعقاب تواتر شكوى معظم الزعماء العرب من انحياز السياسة الأمريكية لدولة العدو الصهيوني والطلب إليها للتدخل من جديد لحل القضية الفلسطينية من جهة، وإعداد المسرح السياسي لاستقبال مثل هذه الخطوة من جهة أخرى، كإعلان الملك حسين عن استعداده لإجراء مفاوضات على أساس الأرض مقابل السلام طبقًا لقرار مجلس الأمن 242، وتوقيع الاتفاق الأردني- الفلسطيني بجهود مصرية، وتصريحات شيمون بيريز عن استعداده للقاء الملك حسين، وكذلك محادثات حسين وفهد ومبارك في واشنطن. فإن جميع هذه المتغيرات جعلت الإدارة الأمريكية كما يقول المراقبون تتخذ قرارًا بإرسال مبعوث أمريكي جديد للمنطقة. وكان هذا المبعوث هو مساعد وزير الخارجية ريتشارد مورفي. الذي أنهى جولته التي زار فيها كلًّا من عمان وتل أبيب والقاهرة ودمشق والرياض في نهاية الشهر الماضي.

قبل بدء جولته قال مورفي إن مهمته تقتصر على استطلاع آراء المعنيين بأزمة المنطقة تمهيدًا لمفاوضات مقبلة بين وفد أردني- فلسطيني مشترك من جهة ووفد إسرائيلي من جهة أخرى. وسربت مصادر الخارجية الأمريكية معلومات عن أسماء الوفد الأردني- الفلسطيني المشترك، وعن أن المفاوضات ستتناول قضية الجولان طبقًا لقرار 242 كما صرح بذلك وزير الخارجية جورج شولتز.

وبعد أن انتهت جولة مورفي تبين أن مهمته كانت تستهدف منظمة التحرير بشكل أساسي بالإضافة إلى محاولة رص الصفوف العربية لصالح المفاوضات.

وبالرغم من معرفة أمريكا ببنود الاتفاق الأردني- الفلسطيني منذ وقت مبكر وقبل الإعلان عنها رسميًّا إلا أن مورفي حاول إقناع الملك حسين والمنظمة بعدم كفاية هذا الاتفاق لتحرك جهود التسوية، وتفيد مصادر مطلعة أن مورفي عرض على المنظمة من خلال الأردن ما يلي:

أولًا: أن تعلم المنظمة بوضوح قبولها بقراري مجلس الأمن 242 و337 وحق إسرائيل في الوجود مقابل موافقة أمريكا على إجراء حوار مع وفد أردني- فلسطيني مشترك يضم ممثلين لمنظمة التحرير.

ثانيًا: إن تعذر ذلك فأمريكا مستعدة لفتح حوار مع وفد فلسطيني يضم شخصيات فلسطينية بارزة شريطة ألّا يكونوا أعضاء في منظمة التحرير، وألّا تعلن المنظمة أن هذا الوفد يمثلها، ولا مانع أن يكون هؤلاء من المجلس الوطني الفلسطيني.

ولكي يُحدث هذا العرض أثره أضاف مورفي له شرحًا للموقف السياسي داخل الإدارة الأمريكية وفي إسرائيل مبينًا أن إدارة ريغان تستطيع التحرك قبل أن تحل انتخابات الكونغرس وفي ضوء رجحان كفة سياسة شيمون بيريز.

وقد تبلغت المنظمة هذا العرض عن طريق رئيس الوزراء الأردني زيد الرفاعي فكان رد ياسر عرفات أن هذا العرض جديد على بنود الاتفاق الأردني- الفلسطيني وأن اتخاذ قرار بشأنه لا بد أن يتم من قبل اللجنة التنفيذية للمنظمة والمركزية لفتح. وفي اجتماعات المنظمة في بغداد تم رفض مقترحات مورفي مع إبداء حرص المنظمة على اتفاق عمان. وصرح بذلك فيما بعد بوضوح كل من ياسر عرفات وأبو جهاد وأبو إياد وغيرهم من المسؤولين في المنظمة.

وفي زيارته الثانية للأردن سمع مورفي رد المنظمة من الملك حسين. وتقول مصادر مطلعة في عمان أنه فهم من تصريحات الملك حسين اللاحقة بضرورة اعتراف الولايات المتحدة بمنظمة التحرير الفلسطينية وفتح حوار مع وفد يمثلها، أن حلًّا وسطًا ربما يصار إليه وهو الموافقة على فتح حوار مع وفد أردني- فلسطيني مشترك يضم أعضاء تسميهم المنظمة.

ومما يؤيد هذا الاستنتاج تصريحات الملك حسين لصحيفة نيويورك تايمز التي قال فيها «بالنسبة لي فإن الباب لم يغلق تمامًا» وردًّا على طلب مورفي اعتراف المنظمة بقرار 242 قال الملك حسين إن الاتفاق الأردني- الفلسطيني يعترف ضمنًا بإسرائيل.

وأعرب الملك كذلك عن أمله في إقناع وزير الخارجية الأمريكي جوجر شولتز بمزايا عقد مؤتمر دولي لحل القضية الفلسطينية لدى زيارته المقبلة لعمان في منتصف شهر مايو الجاري.

ومن جهة المنظمة أعرب خليل الوزير أبو جهاد أن المنظمة بالرغم من رفض مقترحات مورفي متمسكة بالاتفاق الأردني- الفلسطيني والتحرك المشترك لإحياء «محاولات لكسر جمود المساعي السلمية بسبب قلة اهتمام الولايات المتحدة بمسألة حل أزمة الشرق الأوسط والخلافات بين العرب».

وفيما يتعلق بزيارة مورفي لدمشق واجتماعه بحافظ أسد تشير الدلائل إلى أن محادثاتهما ربما تركزت على الوضع في لبنان أكثر من موضوع مهمة مورفي. وتقول مصادر القبس الكويتية أن مورفي طلب إلى حافظ أسد المشاركة في المفاوضات على أساس استرجاع الجولان أو على الأقل عدم عرقلة مفاوضات أردنية مصرية إسرائيلية مشتركة سيحاول وزير الخارجية شولتز التوصل إلى اتفاق بشأنها. ومع أن المسؤولين السوريين لم يوضحوا ماذا كان ردهم إلا أن الإعلام السوري ظل يركز على رفض الحلول الجزئية وعزل سوريا عن التسوية.

وفي ضوء هذه التصريحات وتعقيد الأوضاع اللبنانية وهيمنة سوريا فيها على القرار السياسي يتساءل المراقبون عن حقيقة الموقف السوري واحتمالاته. ومع أن شيئًا مؤكدًا ليس واضحًا حتى الآن فإننا نعتقد أن الموقف السوري الذي يبدو رافضًا بل ومحرضًا ضد المفاوضات العربية- الإسرائيلية، ربما كان ضروريًّا لاستكمال حلقات السيناريو الأمريكي لإخضاع الطرف الفلسطيني بالذات للشروط الإسرائيلية الأمريكية. وربما يكون هذا الدور في ضوء احتضان ما يسمى بجبهة الإنقاذ في نفس الوقت الذي تتحسن فيه العلاقات السورية- الأردنية أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.

فالمعروف أن قيادة المنظمة تتعلق في مضيها بنهج التسوية- وهي محقة في ذلك إلى حد ما- بأن جميع الأنظمة العربية تسير في هذا النهج وليس من السهل علينا السباحة ضد التيار، ويضيفون بأن حقيقة مواقف الأنظمة التي عبر عنها المسؤول الخليجي الذي أشرنا عليه يجعلنا- والكلام للمسؤولين الفسطينيين- نمشي في حقل ألغام نحاول أن نجتازه بأقل قدر من الخسائر، وقد أصبح السير في نهج التسوية السياسية التزامًا لدى المنظمة بشكل رسمي منذ قمة فاس.

ومهما كانت الظروف قاسية فإن قدر القيادات المسؤولة هو مواجهتها بكل صراحة ووضوح. ولتعلم منظمة التحرير الفلسطينية- ونخص بالذكر قيادة فتح- أن الشعب الفلسطيني والشعوب الإسلامية من ورائه لا يرضون أن يتم الاستجابة للمطالب الصهيونية- الأمريكية بحجة الظروف القاسية التي تتحالف فيها كل شياطين الإنس ضد القضية الفلسطينية.

فإذا كانت الظروف لا تسمح في الوقت الحاضر فقد تسمح بعد فترة من الزمن وهذا هو درس التاريخ، فالأيام دول بين الناس. ونريد أن نبين هنا بشكل خاص أن رفض المنظمة لمقترحات مورفي لقي ارتياحًا لدى جميع الأوساط الشعبية الإسلامية. وهذا يحتم على قيادة المنظمة مد الجسور مع جميع القوى الشعبية الفلسطينية والعربية والإسلامية، ولكن لتنجح هذه السياسة لابد أن تعيد قيادة المنظمة ثقة الناس بها التي اهتزت بسبب إغراق بعض قياداتها في نهج التسوية والإمعان في الرهان على دور أمريكي وتقديم تنازلات متواصلة.

والخلاصة التي يخرج بها كل مراقب منصف من جولة مورفي وتعليق الإدارة الأمريكية عليها على لسان الناطق باسم الخارجية فور سماع شولتز تقريرًا من مورفي عن مهمته، هي أن السياسة الأمريكية إزاء الشرق الأوسط سواء من خلال مبادرة ريغان أو مبادرة جديدة سيتم إعلان شولتز عنها تنطلق من ثوابت لا تتعداها مطلقًا، اللهم إلا بما يخدم الاستراتيجية الأمريكية- الصهيونية القائمة على إطلاق يد العدو الصهيوني في المنطقة مع إمداده بكل أسباب الأمن والقوة.

وتتمثل هذه الثوابت في الوقت الحاضر كما أوضح مورفي وشولتز والناطق باسم الخارجية، وكما أعلن ريغان أكثر من مرة بما يلي:

- إجراء مفاوضات عربية- إسرائيلية مباشرة ومنفردة تؤدي إلى تطبيع العلاقات على نمط كامب ديفيد.

- رفض الاعتراف بمنظمة التحرير ما لم تعترف بقرار 242 وحق إسرائيل في الوجود مسبقًا، وعدم إشراكها في المفاوضات بشكل مستقل.

- التنازل عن بعض الأراضي المحتلة بشروط تخدم الاستراتيجية الإسرائيلية.

- دعم الاقتصاد الإسرائيلي وبرامج التسليح.

وبالنظر في هذه الثوابت في ضوء تردي الأوضاع السياسية العربية يتضح أن النتيجة الحتمية للسير في نهج التسوية السياسية سواء كانت على الطريقة الأمريكية وهو الأرجح، أو على الطريقة السوفييتية- السورية وهو مستبعد، هي الذل والخضوع للمخطط الأمريكي- الصهيوني الأمر الذي يعني أن الحقبة اليهودية قد بدأت بالفعل. وعندها على الشعب الفلسطيني وعلى المسلمين السلام! فهل يعي ذلك دعاة «السلام» الأمريكي أم أنهم في غيهم سادرون؟!

هذا ما ستكشف عنه الأيام في وقت قريب لكن ليعلم هؤلاء جميعًا أن الشعوب باتت تعي ما يراد بها وباتت تحسن كيف تتصرف مع من يكيد لها وما أمر السادات ونميري عنا ببعيد ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (ق: 37).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

1067

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع الصحافة في كل مكان

نشر في العدد 9

91

الثلاثاء 12-مايو-1970

حذار من لعنة الأجيال