العنوان هل يتغير ميزان القوى الاقتصادية في العالم؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 09-مايو-1972
مشاهدات 79
نشر في العدد 99
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 09-مايو-1972
إرهاص بالتكيف مع التغيرات المتوقعة مستقبلًا
أثر الانحلال واللامبالاة في إضعاف الاقتصاد الأمريكي
التحولات الكبيرة والمستمرة في حركة الاقتصاد العالمية تدعو إلى المرونة في العلاقات الاقتصادية وإلى الاستعداد للتكيف مع التغيرات المتوقعة
السؤال قد يبدو غريبًا وربما لا مبرر له بالنسبة للبعض فكما كان من البديهي للجيل السابق أن إنجلترا هي أكبر قوة اقتصادية في العالم نشأ هذا الجيل وفتح عينيه على أن أمريكا هي العملاق الاقتصادي أو الأخطبوط الذي تصل أياديه إلى كل أطراف الأرض بالمساعدات الاقتصادية والعسكرية وإثارة الحروب والانقلابات الأمر الذي لا يتسنى لأية أمة بدون طاقات اقتصادية هائلة والأهم من ذلك الكفاءة التي تساعدها على المنافسة في كل الميادين وقد ساعد على تأكيدها هذا الاعتقاد وتعميق الإنجازات العلمية المذهلة والتي آخرها السبق في غزو القمر ولكن هذه هي الحقيقة فقد بدأ الشك يتسرب إلى مقدرة أمريكا على الاحتفاظ بمركز الصدارة في التجارة العالمية وكانت البداية هي أزمة الدولار والتي انتهت بتخفيضه وتخفيض مكانة الولايات المتحدة وسمعتها معه، ولكن دائمًا مشكلة المجتمع الإنساني ليس في تقبل الأفكار الجديدة ولكن التخلص من الأفكار والمعتقدات القديمة، وأبلغ مثل بداية انحدار مكانة أمريكا الاقتصادية عبارة جاءت في حديث لأحد الصحفيين مع مسؤول ياباني فقد سأله الصحفي عن مدى استعداد اليابان على استرداد البضائع من أمريكا فأجابه الياباني بأدبه المعروف «من الممكن أن نستورد مواد أولية من أمريكا أما المنتجات الصناعية الأمريكية لا يمكن إلا إذا كان مستواها جيدًا» وأضاف «أن كلمة مصنوع في أمريكا لم يعد لها نفس البريق» ولا شك أن مثل هذا التعليق كان بمثابة صدمة كبيرة ليس فقط لهذا الصحفي ولكن للشعب الأمريكي. وهو تعليق لخص حقيقة جديدة في عالم اليوم وهي أن أمريكا لم تعد القوة التي لا منازع لها في اقتصاد العالم اليوم، وحتى تخفيض الدولار لم يساعدها كثيرًا في أن تستعيد مركزها التقليدي القديم.
حتى أن الحكومة اتخـذت إجراءات عديدة لتذكر الشعب الأمريكي بأن عليه أن يستعد لدخول امتحان جديد يستطيع به أن يثبت قدرته على المنافسة مع القوى التجارية والاقتصادية الناشئة في العالم. وفي اعتقاد كثير من الخبراء أن هناك احتمالًا كبيرًا أن تفشل أمريكا في هذا الامتحان، وأهم هؤلاء الخبراء الرجال المقربون من نكسون ولذلك فإنهم يحبذون انتهاج سياسة تجارية انعزالية تعتمد على إقامة حائط جمركي حول السوق الأمريكية لتخفيض الواردات وزيادة الصادرات حتى يصبح لدى أمريكا من جديد فائض في ميزان مدفوعاتها مع العالم وتصبح إضافة عبارة «عملة صعبة» إلى الدولار اسمًا على مسمى. وقد تركت حكومة نكسون فعلا في هذا الاتجاه وتبني سياسة حماية الصناعة الأمريكية بمنح إعانات الصناعات المحلية لتشجيـع الصادرات والأهم من ذلـك إقناع الدولة الأخرى بأن تخفض «طواعية» مبيعاتها وصادراتها من المنسوجات والصلب إلى السوق الأمريكية مما يدفع إلى الاعتقاد بأن سياسة أمريكا التجارية سوف تصبغ بنفس الصبغة العسكرية التي تطبع سياستها الخارجية.
ولكن السؤال الهام والحيوي في هذا المجال هو هل تستطيع أمريكا أن تنافس بنجاح في دنيا التجارة إن الإجابة على هذا السؤال صعبة ومعقدة بلا شك ولا يمكن إعطاء إجابة بالإثبات أو النفي إلا بعد مرور سنوات ولكن التجربة الحالية لا تبدو مشجعة وهذا الشك تؤكده الأرقام، بین ۱۹6۰ و1970 انخفض نصيب أمريكا من التجارة الدولية من ١٦% إلى ۱۲ %، وعندما جاء عام ۱۹۷۰ انخفضت صادرات أمريكا من المنتجات الصناعية وحدها بأكثر من هذه النسبة عما كان عام ١٩٦٠ واحتلت ألمانيا الغربية مكانة أمريكا كأكبر مصدر للسلع الصناعية في العالم. وفي نفس الوقت كانت الواردات إلى أمريكا تضرب أرقامًا قياسية ففي خلال سنة واحدة ١٩٦٧ إلى ١٩٦٨ ارتفعت قيمة الواردات ۲۳ % وبنهاية الستينات كان الأمريكيون يستوردون كمية هائلة لم يسبق لها مثيل من السلع من الخارج فمثلا: ۱۰۰ % من استهلاك أمريكا من أشرطة التسجيل وآلات التصوير ٣٥ مم، ۷۰ % من أجهزة الراديو، ٤٩ % من ماكينات الخياطة، ٤٠ % من المنتجات الزجاجية وأكثر من ١٥ % من المجموع الكلي للسيارات التي تباع في أمريكا تأتي من الخارج وكان من الطبيعي أن ينعكس كل ذلك على الميزان التجاري فبعد أن كان لدى أمريكا فائض في هذا الميزان في بداية الستينيات حقق ميزان المدفوعات ۲۹ بليون دولار عجزًا هذا العام.
وهذا أول عجز في ميزان أمريكا التجاري منذ أواخر القرن التاسع عشر.
وهذه ولا شك عينة من الإحصائيات التي تعكس مدى تخلف أمريكا في السنوات الأخيرة في مجال التنافس الاقتصادي وتدهور سمعة منتجاتها في الأسواق العالمية مما أثار ردود فعل كثيرة فرجال الصناعة ينادون بفرض حماية جمركية على السوق الأمريكية حتــى يستريحوا من المنافسة ويشاركهم في ذلك المنظمـات والهيئات العمالية لأن نتيجة زيادة الواردات إن حوالي مليون عامل أمريكي قد فقدوا وظائفهم، ويبدو أن الأمريكيين بدأوا يغيرون موقفهم من السوق الأوربية المشتركة فبعد أن كانوا يحبذون قيام السوق أصبح القلق يحكم موقفهـم نتيجة لإحساسهم بعجزهم الاقتصادي وقد صرح وزير التجارة الأمريكي بأن السوق الأوربية أصبحت كتلة اقتصادية تشكل خطرا على أمريكا لأنها تمنح استثناءات جمركية للدول المرتبطة بها الأمر الذي سيطرد البضائع الأمريكية من السوق الأوربية ويتنبأ الوزير بأن أمريكا لن تستطيع في المستقبل القريب أن تدفع قيمة الواردات الضخمة التي يتمتع المستهلك الأمريكي الآن بها.
وترى حكومة نكسون أن دفع الاقتصاد في طريق المنافسة أمر تحتمه ليس فقط الضرورة الاقتصادية، ولكنه واجب سياسي قبل كل شيء، لماذا؟ السبب بسيط للغاية فبدون الدخل الذي يأتي لأمريكا من فائض معاملاتها التجارية فإن أمريكا لن تستطع أن تواصل تمويل استثماراتها في الخارج بالإضافة -وهذا هو الأهم- إلى أنها لن تقدر على الصرف على التزاماتها العسكرية حول العالم. ويقدر مجموع الاستثمارات الخارجية والاعتمادات العسكرية فيما وراء البحار بحوالي 2/1 11 مليون دولار سنويًا وهذا المبلغ يشكل نزيفًا مستديمًا في ميزان المدفوعات الأمريكي وقد سأل أحد الصحفيين مدير المخابرات الأمريكية عن مدى قلقه على مصير الدبلوماسية والعسكرية الأمريكية فقال: إنني أكثر قلقًا على موقفنا الاقتصادي فإذا عجزنا اقتصاديًا فإننا سنعجز في كل المجالات وهذا أمر طبيعي فإن من الصعب على أمة ضعيفة اقتصاديًا أن يكون لها نفوذ سياسي ولذلك فإن مكانة أمريكا ونفوذها في العالـم يعتمد في المقام الأول على مقدرة الصناعة الأمريكية على النجاح في سباق المنافسة والاحتفاظ بكفاءة وسمعة المنتجات الأمريكية. ولكن السؤال الآن هو لماذا تدهور موقف أمريكا الاقتصادي إلى هذا الحد الذي يعتبر في نظر البعض قد وصل إلى حد المهانة حينما تأتي المقارنة مع اليابان التي تسيطر منتجاتها على السوق الأمريكية؟ لقد بدأت علامات التدهور في أواخر الستينيات بسبب الحرب الفيتنامية وآثارها الاقتصادية وأولى هذه الآثار كان زيادة الطلب على البضائع الأمريكية ولكن الصناعات كانت موجهة أساسًا للإنتاج العسكري فكان البديل هو الاستيراد من الخارج وقد صاحب ارتفاع حجم الواردات الأمريكية زيادة حدة التضخم في الدول الصناعية الأخرى فهبط الطلب على الصادرات الأمريكية ومعنى هذا أن هناك قوتين ضاغطتين على الميزان التجاري: زيادة في الواردات وانخفاض فـي الصادرات ومن جهة أخرى كان لذلك تأثير كبير على أجور العمال أو بمعنى آخر تكلفة العمل بالنسبة للتكلفة الكلية للإنتاج. فبينما حققت تكلفة العمل الموحدة من السلع المنتجة هبوطًا في بداية الستينيات وجد أن هذه التكلفة قد ارتفعت حوالي ۲۱% من مستواها الطبيعي عام ١٩٦٥ الأمر الذي رفع من أسعار البضائـع الأمريكية في الأسواق العالمية من ناحية وزاد من جاذبية البضائع الأجنبية في نظر المستهلك الأمريكي نفسه.
وهذه هي الأسباب الحقيقية التي دفعت بحكومة نكسون إلى تخفيض الدولار الأمريكي منذ شهور وقد دعا تخفيض الدولار الكثيرين إلى التفاؤل فمن نتائج تخفيض الدولار أو أي عملة أخرى بالنسبة للعملات الأخرى هو تخفيض أسعار الصادرات بالنسبة للمستهلك الأجنبي ورفع قيمة البضائع المستوردة بالنسبة للمستهلك المحلي. وعلى الرغم من أن تخفيض سعر العملة يأخذ ما يقرب من ثلاث سنوات حتى تظهر آثاره وفعاليته بالنسبة للاقتصاد ككل إلا أن المتفائلين من الأمريكيين يؤكدون أن الطلب على الصادرات الأمريكية قد ارتفع في الشهور القليلة التي تلت إجراء تخفيض الدولار ويضربون بعض الأمثلة العملية على ذلك مثل نجاح الشركات الأمريكية في التغلب على منافسيها اليابانيين في مناقصة توريد محطات توليد كهرباء في غيانا وساحل العاج فازت الشركات الأمريكية في أخذ عطاء قيمته ٦٣ مليون دولار لبناء مصنع للسكر كما يتنبأون بأن صادرات أوروبا إلى أمريكا ستنخفض بشكل كبير في نهاية ۱۹۷۲ وتصل أحلامهم في استعادة مركزهم الاقتصادي إلى الحد بأن أحد الأمريكيين العاملين في مجال الأعمال في أوروبا كتب تقريرًا عن رغبة بعض أصحاب رؤوس الأموال الأوروبية في الاتجاه إلى الاستثمار في الولايات المتحدة نفسها. ولكن هذه الأمثلة تدفع إلى الشك وإلى التساؤل إلى أي حد كان نجاح الشركات الأمريكية في اكتساب هذه العقـود والعطاءات نتيجة لقدرتها على المنافسة وليس نتيجة للضغوط السياسية؟!! فمن الحقائق المعروفة عن الصناعة الأمريكية إنها لا تعتمد في منافستها على تخفيض الأسعار بقدر اعتمادها على تميز منتجاتها ونوعيتها المتفوقة، بالإضافة إلى التكنولوجيا المتقدمة. وكل هذه المعايير في تدهور مستمر في أمريكا نتيجة إلى سبق الدول الصناعية الناهضة كألمانيا واليابان في المجال التكنولوجي وأقرب مثال على ذلك هو تفوق اليابانيين في مجال الأجهزة الإلكترونية، حتى إن إنتاجهم من هذه البضائع قد أغرق السوق الأمريكية ذاتها.
ونتيجة لهبوط الكفاءة والمقدرة الفنية والاقتصادية في كثير من الصناعات الأمريكية ينادي بعض العقلاء الآن بأنه ليس من العقل أن ننفق أموال دافع الضرائب الأمريكي على إعانة بعض المصانع لتواصل إنتاج سلع يمكن أن تنتجها أية دولة أخرى بتكاليف أقل وأسعار أرخص من الإنتاج الأمريكي. والواقع إن هذا يعطي فرصة لزيادة حجم التبادل التجاري بين دول العالم ولرفاهية الدول الصغيرة. ولكن الواقع أن هذا التفاؤل إنما هو نوع من أحلام اليقظة فما هي الحقائق التي تدفع إلى الاعتقاد بأن ميزان القوى الاقتصادي في العالم يمر بمرحلة انتقالية قد تؤدي إلى نقل القيادة من أمريكا إلى اليابان أو إلى ألمانيا أو السوق الأوروبية مجتمعة؟
أولًا-الحواجز الجمركية:
على الرغم من أن عدد التعريفات الجمركية على مختلف المنتجات الصناعية الواردة إلى أمريكا أكثر منها في السوق الأوربية مثلًا فإن هناك شكوى مريرة من سياسة السوق الأوروبية في مجال الزراعة والتي تعطي إعانات خاصة للزراعة في دول السوق فقد تسببت هذه السياسة وما زالت في خسارة كبيرة للاقتصاد الأمريكي وتقدر هذه الخسائر بحوالي ٤٠٠ مليون دولار سنويًا في صادرات أمريكا الزراعية. ليس هذا فقط ففي مجال صناعة السيارات وتصديرها كانت هناك مشاكل كثيرة بين أمريكا وبين كندا حتى عقد اتفاق في عام ١٩٦٥ أصرت فيه الحكومة الكندية على منع المستهلك الكندي من شراء السيارات المصنوعة في الولايات المتحدة وكانت النتيجة أن صناعة السيارات في أميركا وهي من أعمدة الاقتصاد الأميركي سواء محليا نسبة للعدد الهائل للمشتغلين فــي هذه الصناعة أو بالنسبة لمجال الصادرات قد سجلت عجزًا ثانويًا في مبيعاتها قيمته ۳۰ ملیون دولار عام ۱۹۷۱ بعد أن كانت تحقق فائضًا تجاريًا بلغ حوالي ٥٦٢ مليون دولار في عام ١٩٦٤ ومن أكبر مصادر القلق لسياسة أميركا التجارية هو الحواجز الجمركية الرهيبة التي وضعتها حكومة اليابان ضد دخول أي منتجات مصنوعة إلى السوق الياباني، فإنه ما لم تنخفض هذه الحواجز أو تزاد فإن التجارة العالمية تأخذ طريقًا ليس في صالح الولايات المتحدة. وليس هناك أي سبب يدعو إلى التفاؤل في هذا الاتجاه فعلى الرغم من أن أميركا قد بح صوتها في المطالبة بإزالة الحوائط الجمركية إلا أن الدول المعنية لم توافق حتى الآن على مجرد بحث الاقتراح.
ثانيًا: الشركات الأمريكية العالمية.
ظهر هذا النوع من الشركات والمؤسسات الكبرى التي تعمل في عدة دول أجنبية بعد الحرب وزاد نشاطه بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة. ومن الملاحظ أن هذه الشركات تركز على التصدير إلى هذه الدول بدلًا من الاشتراك معها في مصانع في تلك الدول فمثلًا في الفترة بين 1960-1970 زادت قيمة الاستثمارات الأمريكية في الخارج عن طريق هذه الشركات من ۳۲ بليون دولار إلى ۷۸ بليون دولار وهناك حوالي ٣٦٠٠ شركة في أميركا لها على الأقل فرع واحد في كل دولة أجنبية، وربما يبدو للوهلة الأولى أن هذه ظاهرة صحية بالنسبة للاقتصاد الأميركي ولكن الإحصائيات أثبتت أن ما يزيد عن ٢٥ بالمئة من تجارة أميركا عبارة عن معاملات تجارية ليس بين هذه الشركات الأم في أميركا وبين المستهلكين الأجانب ولكنها عبارة عن معاملات بین أقسام نفس الشركة أو المؤسسة فكانت النتيجة نوع البضائع وأسعارها تقرره الحاجات الداخلية في الشركة بالإضافة إلى اعتمادات الضرائب المفروضة على المؤسسة وصقلها بدلا من تقرير سياسة الأسعار مع مراعاة ظروف المنافسة العالمية.
وهذا ولا شك له آثاره السيئة على مكانة أي سلعة وقدرتها على المنافسة فإذا أخذت الاعتبارات الضريبية على الشركة على أنها الأساس الذي بني عليه سياسة الأسعار فإن الشركة ولا شك سترفع من السعر بحجة ارتفاع التكلفة للتهرب من بعض العـبء الضريبي بينما سائر المنتجات المماثلة المعروضة من الدول الأخرى في السوق العالمية أقل بكثير لأنها تعكس ظروف المنافسة في العالم.
ثالثًا: إنتاجية العامل الأميركي:
إن إنتاجية العامل هي مصدر رفاهية أي أمة وعامل أكان محليًا أو عالميًا. وإنتاجية العامل الأميركي العالية هي التي دفعت أميركا إلى المركز الأول في التجارة العالمية. فبعد الحرب العالمية الثانية كانت إنتاجيته في الساعة تزيد حوالي ٢٠ بالمئة عن العامل الأوروبي ولكن مع بداية الستينيات وجد أن هذا الفارق قد انخفض بنسبة كبيرة ويعتقد أن السبب الرئيسي في ذلك هو الحرب الفيتنامية وما سبقه من رواج زائف مما أدى إلى تشغيل عدد كبير من العمال غير المهرة والسبب الثاني في انخفاض إنتاجية العامل الأميركي هو ظاهرة عدم الاكتراث واللامبالاة بين الشباب من العمال وفقدانهم لروح العمل والمثابرة ويعلق أحد الخبراء بقوله: إن الشباب العمال وهم يشكلون حوالي ٢٥ بالمئة من القوى العاملة في أميركا لا يحسون أن حياتهم لها هدف.
رابعًا: الفجوة التكنولوجية بين أميركا والدول الصناعية الأخرى
لقد استطاعت الولايات المتحدة تاريخيًا أن تتغلب في مجال المنافسة التجارية على المنتجات الأجنبية الرخيصة الثمن عن طريق مدها للأسواق العالمية بسيل دائم من المخترعات العملية الجديدة من ماكينة الخياطة في الحقبة الأولى من القرن حتى العقل الإلكتروني.
ويقول البروفيسور راي فيرنون الأستاذ بجامعة هارفارد إن مشاكل أميركا التجارية تتلخص في أن مجموعة كبيرة من الصناعات بها أصبحت تعمل بآلات ومعدات قديمة وبعضها فقد أي حافز للتجديد والاختراع مثل صناعة الحديد والصلب أو في مجال السلع الاستهلاكية مثل صناعة الترانزستور حيث خسرت أمیركا السباق التكنولوجي أمام اليابان، ويقول أحد رجال الأعمال المتقاعدين إن الفكرة التي تمر بين التوصل إلى اختراع ما وبين تطبيقه في سلعة مباعة في السوق أخذت تقل الآن بين أميركا والدول الأخرى، ففي عام ١٩٥٠ كان رجال الصناعة يعطون خمس سنوات يستغلون فيها تطبيق أي اختراع علـى منتجاتهم قبل أن تلحق بهـم أية دولة أوروبية ولكن هذا الفارق قد انخفض عام ١٩٦٣ إلى سنتين. ويعتقد البعض أن الفارق في التقدم التكنولوجي بين أميركا وأوروبا لا يزيد عن سنة واحدة في عام ۱۹۷۱، والأخطر من ذلك أن بعض الخبراء يعتقدون أن تقدم أميركا في مجال التكنولوجيا قد اضمحل إلى درجة الصفر.
وقد يبدو هذا الاستنتاج غريبًا وغير عادي إذا قورنت اعتمادات الأبحاث العلمية في أميركا وأوروبا واليابان. فقد بلغت نفقات الأبحاث العلمية في الولايات المتحدة حوالي ۳۰۰ بليون دولار في السنة وهذا المبلغ يزيد ثلاث مرات عن اعتمادات أوروبا واليابان مجتمعة على الأبحاث العلمية، ولكن يبدو أن هذا المبلغ الباهظ لا يعود على أميركا بنفع كبير والسبب في ذلك أن نسبة كبيرة من الـ ۳٠٠ بليون دولار بالإضافة إلى نسبة كبيرة من أمهر العمال الأمريكان تمتصها الأبحاث العسكرية التي ليس لها تطبيق عملي في الحياة المدنية، ولذلك فإن نسبة المبالغ المخصصة للأبحاث الصناعية المدنية تقل كثيرًا عن مثيلتها في أوروبا واليابان في السنوات الأخيرة.
لذلك كله ليس هناك أي غرابة في أن نجد اليابان أو ألمانيا الغربية لها مركز الصدارة العالمية في السنوات القليلة القادمة.