; هل يحصل في اليمن-أيضًا-انقلاب على الحركة الإسلامية؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل يحصل في اليمن-أيضًا-انقلاب على الحركة الإسلامية؟

الكاتب حافظ الشيخ

تاريخ النشر الثلاثاء 25-يوليو-1995

مشاهدات 85

نشر في العدد 1159

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 25-يوليو-1995

قدر لكاتب السطور أن يقضي بضعة أسابيع في الجمهورية اليمنية قبيل مثل هذه الأيام قبل عام، متنقلا بين صنعاء وعدن والمكلا ومناطق أخرى، وأن يشهد الفصول الختامية لحرب الدفاع عن الوحدة اليمنية، وأن يعيش مع اليمنيين أدق ساعات القلق الثقيل والارتقاب وأبهج ساعات التضامن العام، والتكافل والإيثار، والبذل والتضحية، مما قل مثيله في تاريخ اليمن الحديث على ما يقول اليمنيون، ثم أن يعايشهم فترة وجيزة بعد أن بلغت الحرب نهايتها، وانكسرت شوكة التمرد، فتنفس الناس الصعداء، واستعادت الحياة أقساطا من السكينة، وانقلب اللهاث المبهور بفعل عنفوان الحرب إلى نوع من السكون المباغت العام الراكد الرتيب الذي يشبه ما يحدث في العادة للناس في نهاية يوم طويل صاحب، حيث ينكفئ كل على ذاته، ويغرق في تأملاته الباطنية الصامتة ومونولوجه الخاص. 

يومئذ كان أكثر من واضح أن سلطات صنعاء استطاعت، عن طريق أنواع من المناورات السياسية الماهرة والإيماءات الدبلوماسية والإعلامية الرشيقة والموفقة أن تكسب إلى صفها أطرافًا عربية ودولية ناصرت الرئيس على عبد الله صالح بطرائق شتي، ولو بتعابير العيون واللغات الصامتة، مضافا إليها أطراف أخرى، ربما لم تكسب صنعاء انحيازها الكامل معها، ولكنها استطاعت مع ذلك تحييدها وإقناعها بكف أيديها عن التدخل يومئذ في مجاري الصراع، أو عن الإخلال بموازين الصراع عنوة، أو عن التعاون مع قوى محلية أو إقليمية معلومة على أنحاء من شأنها تعزيز قوة التمرد لوجستيا أو سياسيا، أو إضفاء شيء من الشرعية عليه، إلا أنه كان من الواضح أيضًا منذ ذلك الوقت، ولو بدرجة أقل ولو على أنحاء ضمنية، أو ربما كتحصيل حاصل هو أن ثمة في الأفق ميقاتا لا مناص من الوصول إليه في يوم من الأيام، حين تأخذ هذه الأطراف العربية والدولية في طرق أبواب الرئيس على عبد الله صالح، مذكرة إياه به جميلها عليه، مطالبة إياه بأن يرد «جميلها»، جزاء لها على نصرتها إياه في أثناء الحرب، أو على الأقل مكافأة لها على امتناعها يومئذ عن التحيز ضده مع خصومه المحليين والإقليميين. وهنا بصرف النظر عن أحجام هذا «الجميل»، وعن حقيقة آثاره في تقرير نتيجة الحرب، إلا أن دولة عربية مثل مصر، أو قوى دولية كبرى في مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، سيكون من المشكوك فيه جدا أنها سوف تتقاعس عن مطالبة صنعاء بحصتها من الجميل»، بل الإلحاح بقوة وغلظة على صنعاء في هذا الاتجاه، إلا أن هذا الظن يكاد ينقلب إلى يقين تقريبا في ضوء أربع حقائق على الأقل:

 الحقيقة الأولى هي: الأهمية الجيوبوليتيكية والاستراتيجية للجمهورية اليمنية، سواء من زاوية الجزيرة العربية، أم من الزاوية العربية القومية الأوسع، أم من زاوية القرن الإفريقي، ذي الأهمية المتصاعدة، على ما يبدو، بخاصة مع ثبات واتصال نظام ثورة الإنقاذ في السودان.

 الحقيقة الثانية هي: الوجود القانوني والشرعي الواسع للحركة الإسلامية الحديثة في اليمن، بل مشاركتها المباشرة في الحكم، وما برهنت عليه، عمليا وعيانا من قدرات وطاقة إقناعية على تبديد المخاوف من الوجود العلني للحركة الحزبية الإسلامية وعلى تفنيد نظريات شائعة شيوعا فاحشا في الوطن العربي مثل النظريات الرسمية «المصرية»، و«الجزائرية»، و«التونسية» تحرض على إقصاء الإسلاميين، أو ضرب الحصار الدائم عليهم. أو استئصال شأفتهم، أو «تجفيف ينابيعهم»، بحجة انعدام صلاحيتهم من حيث المبدأ للحياة السياسية الحديثة.

الحقيقة الثالثة هي: حيوية الحياة الفكرية والسياسية على نحو عام في اليمن، ووجود تعددية، ليست بطبيعة الحال من غير سقف، ولكن سقفها ليس منخفضا بالتأكيد، وليست كاتمة للأنفاس، وإلى ذلك فإن خصوبة السجال الفكري والسياسي في الجمهورية اليمنية، سواء من على منابر الصحافة، أم في وسائط الإعلام الحكومي، أم من على المنابر الأكاديمية وشبه الأكاديمية الثابتة أو الموسمية، أم عبر الاجتماعات الحزبية والمؤتمرات وكثير سوى هذا من الأنشطة هي خصوبة حقيقة غير وهمية، وهي خصوبة صارت في مزاج الثقافة الوطنية العامة، وفي باطن تربتها وليست فقط على سطحها، وهي فوق ذلك حقيقة تدل على انشغال جاد، غير شعائري فقط أو احتفالي أو طقوسي، كما هو الشأن في بلدان عربية كثيرة أخرى.

الحقيقة الرابعة هي: أن البرنامج الأمريكي-الصهيوني الجديد في الوطن العربي، أي البرنامج المتدحرج من مؤتمر مدريد على نحو خاص، ونزولا في كل الاتجاهات، لا يمكن أن يغض الطرف عن اليمن أو يسقطها من الحساب، فهي عاجلًا أو أجلًا ستكون في مواجهة مطالب الاندماج في البرنامج بشروط أصحابه، وبحسب مصالحهم، وإذا كانت اليمن لم تسمع الصوت بوضوح حتى الآن، أو خيل إليها أنها سوف تهمله هكذا وتتشاغل عنه، فالأكيد أنه لا بد من أن يبلغ مسامعها غدا أو بعد غد، وهي لا بد آنذاك من أن تسمع المنظومة المتكاملة المعهودة من التعليمات، أو في أحسن الأحوال ما يسمى «التوقعات»، ليس فحسب بخصوص سياساتها الخارجية تجاه «عملية السلام» و«تطبيع» العلاقات مع الدولة اليهودية، ولكن كذلك، وبالأهمية نفسها، بخصوص السياسات الداخلية البحتة، من حيث توزيع موارد القوة وإعادة توجيه الأشياء المحلية، سواء في الاقتصاد أم في الثقافة أم في الحياة الاجتماعية، على أنحاء تحقق الانسجام ولو بأسلوب قسري في جوهره، مع السياسات الخارجية المطلوبة، ولا تكون سبب إزعاج من قريب أو بعيد للبرنامج الأمريكي-الصهيوني بخطوطه العريضة ودقائق تفاصيله.

إذا لوحظت بعناية هنا الخيوط الرابطة بين هذه الحقائق الأربع، وإذا قرئت أيضًا بشيء من العناية النتائج الإجمالية للمؤتمر الخامس لحزب المؤتمر الشعبي الذي انعقد مؤخرًا، وإذا قرنت هذه كلها مع مؤشرات مبعثرة على هوامش بعض الاتصالات اليمنية الخارجية الأخيرة، فلربما أن الخلاصة «المنطقية» التي يفضي إليها هذا الاستقراء للأمور هي أنه إذا اختار الرئيس على عبد الله صالح تقديم أولويات البرنامج الإقليمي الأمريكي-الصهيوني على أولويات الداخل اليمني، كما هو الشأن اليوم في أغلب بقاع الوطنين العربي والإسلامي، فهو لا بد من أن يبلغ في نهاية المطاف نقطة المواجهة مع الحركة الإسلامية، أو بالتحديد حركة التجمع اليمني للإصلاح، وبالتالي إعادة إنتاج نظام أضيق صدرًا على نحو عام وأقل تسامحًا وأكثر قمعًا، ثم إن تفاصيل المواجهة المفترضة تبقى أيضًا مفتوحة على أكثر من افتراض أو احتمال أو توقع، أي أنها لن تكون بالضرورة نسخة طبق الأصل من الحاصل بين الحركة الإسلامية وأنظمة عربية ملتحقة بالبرنامج الأمريكي-الصهيوني في بقاع عربية أخرى الآن، بحسبان أن لكل بقعة عربية محدداتها الخاصة غير المتكررة في سواها.

طبعًا هذا التساؤل عن احتمالات «انقلاب»، يحصل في اليمن على الحركة الإسلامية يبقى برمته تساؤلا افتراضيا فحسب، وذا طبيعة نظرية محضة على الأقل حتى اللحظة الحاضرة، إلا أنه لا مانع ربما من الجهر به بالصوت الهادئ من باب التحوط للأسوأ والمبالغة في الحرص على اليمن، بخاصة في ضوء ما لمحه وألمح إليه في الآونة الأخيرة مراقبون للشأن اليمني من توسيع ليس عفويا على الأرجح، لنفوذ اتجاهات «علمانية» و«أمريكية»، معلومة في حزب الرئيس على عبد الله صالح، في أثناء المؤتمر العام الأخير للحزب، وما قد يترتب على هذا التطور تاليا من عواقب في مجالات السياستين الخارجية والداخلية، بحسبان أن هذا الحزب هو حزب الدولة الأصلي، وهو الحزب الأقوى والأغنى بجميع المقاييس تقريبا، وهو الحزب الحاكم عمليا وبمعنى الكلمة، وإن تشارك معه في الحكم، على نحو جزئي، حزب التجمع اليمني للإصلاح.

 في حرب الدفاع عن الوحدة اليمنية كان للحركة الإسلامية أفضالها الفريدة ودورها النادر وتضحياتها الضخمة، ولولا طلائع الشباب الإسلامي المتطوع الزاحف في مقدمة الجيش في كثير من الأمكنة لما انهارت قلاع المتمردين في غير موقع، بما في ذلك قاعدة العند العظيمة شبه الأسطورية، ولذلك فإن حدث الآن أو غدًا في اليمن شيء من التضييق على الحركة الإسلامية، أو «انقلاب» عليها جملة واحدة، تسديدا لـ«مستحقات»، منذ العام الماضي، أو استكمالا لـ «مقايضات» الآن جديدة، فآنذاك لن يتكرر على غالب الظن سوى ما قد تكرر من قبل مرارًا كثيرة في التاريخ الحديث للوطن العربي: أن يحصد العلمانيون فقط ثمرات ما يزرعه الإسلاميون، ويسقونه بدماء قلوبهم.

الرابط المختصر :