العنوان هل يستمر منطق النعامة يحكم التعامل مع الإخوان؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 05-ديسمبر-2000
مشاهدات 64
نشر في العدد 1429
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 05-ديسمبر-2000
من المؤكد أن النظام المصري لم يكن طيلة العقود القليلة الماضية أكثر إدراكًا لوزن وتجذر الإخوان المسلمين في الساحة السياسية، من فترة الأسابيع الأخيرة، وتحديدًا فترة الحملة الانتخابية بمراحلها الثلاث.
وأيًا ما كانت النتائج النهائية وحجم الفوز الذي اقتنصه مرشحوهم من فم البعبع الأمني المهيج ضدهم، فلا شك أن كل دوائر قياس الرأي العام في الأجهزة المخابراتية والأمنية والإعلامية، قد تعرفت على وجه الدقة على حقيقة يحلو لرموز النظام تجاهلها أو الادعاء بقلة شأنها، وهي أن للإخوان قبولًا لا بأس به في الشارع السياسي المصري، يفوق ما للأحزاب المعارضة مجتمعة، بل ويمكن القول بلا مبالغة أيضًا أن الوزن السياسي الإخواني يضارع ما لدي حزب السلطة من انتشار جغرافي، مع فارق مهم للغاية، وهو أن الانتشار الإخواني غير مدعوم بذهب المعز ولا بسيفه.
وقد تكون الأجهزة الأمنية المختصة ترجمت الانتشار الإخواني إلى أرقام دقيقة إلى حد كبير اعتمادًا على نتائج التصويت في الدوائر التي شارك فيها مرشحو الإخوان الأربعة والسبعون، بما في ذلك الدوائر العديدة التي منعت فيها المصفحات وجحافل جنود الأمن المركزي، الناخبين المؤيدين للإخوان من الوصول إلى صندوق الانتخاب.
لقد حاول وزير الداخلية في أعقاب نتائج المرحلة الأولى أن يستخدم الأرقام كي يقلل من شأن الوجود والانتشار الإخواني في الدوائر الفائزة فقال: إن الأرقام التي حصل عليها الإخوان الفائزون محدودة، ومن الغريب أنه لم يذكر تلك الأرقام على وجه التحديد، كما لم يقارنها بأصوات غيرهم، ومن سوء حظه أن - بعض المراقبين أشاروا بسخرية مريرة إلى مقارنة ذات مغزى بين الأرقام التي فاز بها أكبر رموز الحزب الوطني كمال الشاذلي وهي قرابة ١٦ ألف صوت كما قيل، وبين ستين أو سبعين ألف صوت حصل عليها هو نفسه في الانتخابات الماضية عام ۱۹۹٥م، علمًا بأن الصحف المصرية قالت إن نسبة الحضور هذا العام قد ارتفعت!!
هل يستمر النظام يتصرف بمنطق النعامة مع الإخوان؟ أو هل تستمر الاسطوانة المشروخة التي سئم الناس من ترديد الحكومة والأمن والحزب الحاكم لها، وهي أن الإخوان جماعة محظورة أو غير شرعية؟! وإذا كانت رموز من الصف الثاني أو الثالث من الإخوان قد حصدوا عشرات الآلاف من الأصوات في المعركة الانتخابية، في ظل حملات التشويه والاعتقال والملاحقة، بينما سقطت رموز للحزب الحاكم بالرغم من الرشا الانتخابية الرسمية أو غير الرسمية، فمن يا ترى الشرعي ومن غير الشرعي، وما معيار الشرعية إذا لم يكن القبول الشعبي الصريح؟
ماذا بعد تجريب كل العراقيل؟!
لقد جربت السلطة المصرية منذ ما قبل الانتخابات البرلمانية الماضية في ١٩٩٥ م كل ما تفتق عنه ذهن اتباعها من رجال السياسة والأمن كي تستأصل شأفة الإخوان وتجفف ينابيعهم.
جرب تفصيل القوانين لاستبعاد الإخوان من مجالس النقابات المهنية، ولما لم تفلح القوانين لجأت إلى البلطجة السياسية عبر بعض خصوم الإخوان، وجرى استخدام ما يسمى بفرض الحراسة على تلك النقابات.
ومع معركة استبعاد الإخوان من العمل النقابي جربت السلطة إحالة الإخوان إلى المحاكمات العسكرية مرتين في غضون أقل من 5 سنوات، وبالفعل حرمت محاكمتا، ١٩٩٥م و۱۹۹۹م قرابة مائة من أبرز الرموز الإخوانية من النشاط والحركة، فضلًا عن عدم تمكينهم من المنافسة في انتخابات ۲۰۰۰م بعد انتهاء سنوات الحبس.
وتدخلت السلطات الأمنية بشكل صريح وفج في شطب أسماء مرشحي الاتحادات الطلابية من الإخوان في الجامعات، على مدى السنوات الخمس الماضية.
وسيطرت السلطة بشكل مباشر تقريبًا على المساجد، واستبعدت من الخطابة فيها أي عناصر أو رموز إخوانية، ولم تسمح إلا لمن يؤكد الأمن إلا علاقة لهم البتة بالإخوان وتكفلت أجهزة الإعلام والصحافة طيلة السنوات الماضية بعمليات غسيل دماغ مستمرة ضد الإخوان، بل ولا نبالغ إذا قلنا أيضًا ضد كل ما هو إسلامي وبلغ الحمق درجة الإساءة إلى الدكتور يوسف القرضاوي وكان الهدف هو الاغتيال المعنوي للرموز الإخوانية.
ومن جهة أخرى قام التلفاز بإنتاج مسلسلات خصصت رسالتها المباشرة للإساءة للإخوان.
أما على المستوى التعليمي، فقد تم استبعاد أي مدرس يشتبه في انتمائه للإخوان، من العملية التعليمية وإحالته إما إلى عمل إداري أو نقله لمحافظة نائية.
وفي الجامعات صدر قرار حكومي بإلغاء انتخابات عمداء الكليات والمعاهد الجامعية ولميكن مقصودًا بهذا القرار سوى القضاء على الفرص المتاحة للأساتذة الجامعيين الإخوان في تولي عمادة الكليات بفضل نزاهتهم وحب زملائهم لهم.
واستمر حرمان الإخوان من إصدار أي صحيفة أو مجلة بل وتصاعدت الحملة على حزب العمل وصحيفة الشعب التي أعطتهم مقالًا أسبوعيًا، إلى أن أوقفت.
بكل هذه الإجراءات بل الحروب المتعددة الأسلحة تصور النظام أنه سوف يدخل الانتخابات العامة الحالية مستريحًا، من هذا الخصم العنيد، وظل النظام يصدر إشارات التهديد كي لا يرشحوا أحدًا، لكن المفاجآت المذهل والموجعة أخذت تتوالى مع اقتراب موعد الحملة الانتخابية واثناءها، إذ أعلن الإخوان نيتهم للترشح.
وعلى غير المتوقع أكد الإخوان أنهم لن ينافسوا بمرشحيهم أي رموز معتبرة على المقعد البرلماني سواء كانت في الحزب الحاكم أو المعارضة، وتم إخلاء دوائر عديدة لهذا السبب.
واختار الإخوان وجوهًا جديدة ذات شعبية ولم يكن النظام يتصور أن الإخوان قادرون بعد كل ما فعله بهم على إيجاد كوادر مدربة سياسيًا.
ونزل الإخوان المعركة بأقل من نصف عدد المرشحين في عام ١٩٩٥م لتفويت الفرصة على الدعاية الرسمية القائلة بأن الإخوان يهدفون للسيطرة على نسبة عالية من مقاعد البرلمان وهو الأمر الذي استعدي عليهم قطاعات في الرأي العام «المضلل» فضلًا عن أحزاب المعارضة.
وعلى غير المتوقع وهذا هو العنصر الأهم في كل ما سبق، حكمت المحكمة الدستورية العليا بحتمية الإشراف القضائي الفعلي على العملية الانتخابية «وإن حدث ذلك داخل اللجان وحماية للصناديق فقط».
وكانت المحصلة أن النظام أسقط في يده، وارتعدت فرائص رموزه الفاسدة، من ترشح هذا العدد القليل من الإخوان إلا أن دهاقنته الأمنيين والقانونيين وجدوا ثغرة مهمة في حكم المحكمة الدستورية، تتيح التلاعب في العملية الانتخابية وهي أن الإشراف القضائي المحكوم به لا يمتد لا إلى الجداول الانتخابية، ولا إلى خارج نطاق مقر التصويت.
وانطلقت الأداة الأمنية تعيث اعتقالًا وقبضًا وتجاوز عدد الموقوفين نحو أربعة آلاف من الإخوان، ولما ضاقت بهم السجون وأوكار التعذيب في مقار جهاز مباحث أمن الدولة وغرف الحجز في أقسام ومراكز الشرطة، وضعت الداخلية معتقلي الإخوان في الشاحنات الكبيرة «المصندقة» وفي الخيام بمعسكرات الأمن المركزي شديدة الحراسة.
وجرى التلاعب البشع في جداول الناخبين بشكل غير مسبوق.
واستخدمت الشرطة العربات المصفحة والآلاف من جنود الأمن المركزي في كل دوائر المرشحين الإسلاميين لمنع الناخبين من الوصول إلى لجانهم الانتخابية حيث القضاء لا حول له ولا قوة خارج اللجان.
«ولو»
لم يصدق الرأي العام المصري ولا المراقبون - السياسيون والإعلاميون المحايدون، أن الإخوان سوف يتحملون هذه الضغوط ومن ثم فقد توقع الجميع لهم خسارة محققة من أول جولة.
ولم يتخيل هؤلاء مثلًا أن الإخوان في شتى الدوائر أعدوا صفوفًا احتياطية من المعاونين كي تتقدم الحمل الراية في العمل الدعائي والإداري في حالة اعتقال الصف الأول أو الثاني أو الثالث!!
ولم يتصور المراقبون أن حرمان المرشحين - من توزيع المنشورات والملصقات سوف يدفع - للابتكار والتجديد في الدعاية.
ولم يتصور المراقبون أن كوادر الإخوان المتعلمة ستبادر إلى أفضل استخدام ممكن الشبكة الإنترنت وغيرها.
ولم يتصور المراقبون ولا جلادي الأمن أن أعدادًا غير محدودة من معاوني المرشحين سوف يبيتون خارج بيوتهم هربًا من حملات بعد منتصف الليل لاعتقالهم.
وأخيرًا لم يحسب أولئك حسابًا لرد الفعل الشعبي المتعاطف مع الإخوان لتحملهم كل هذا الظلم والبطش دون أن يتحول أحدهم لرد فعل - عنيف واحد.
وحدث أن القسر والإرهاب الذي مارسته- بعض الأجهزة الأمنية والإدارية لحمل الاف من العمال أو الموظفين على الذهاب قسرًا إلى بعض اللجان الانتخابية للتصويت لأسماء بعينها ممن تريد السلطة إنجاحهم على حساب غيرهم من الإسلاميين بالذات، هذا القسر والإرهاب أدى بالعديد من هؤلاء إلى انتخاب المرشحين الإسلاميين!!
ومن تصاريف القدر التي أبطلت مفعول بعض أسلحة السلطة، ذلك التخبط والخلاف بين رموز الحزب الحاكم إلى درجة محاربة بعضهم البعض أو ترشيح الأسوأ واستبعاد الأفضل لحسابات فساد فئة فيما بينهم.
ومن تصاريف القدر أن بعض وزراء الحكومة وقعوا في أخطاء إبان فترة الترشيح والدعاية زادت من غضب الجماهير وحنقها على الحكومة، ومن ذلك رفع سعر السكر للضعف.
ومن تصاريف القدر أيضًا الذي ساند الإسلاميين أيضًا مواكبة انتفاضة الأقصى للعملية الانتخابية، والمعروف أن التطبيع والعلاقات مع العدو كانت سياسة راسخة للنظام وما زالت!!
.... وماذا بعد؟
عودة إلى ما بدأنا به: هل يستمر النظام في منطق النعامة الذي يتصرف به مع التيار الإسلامي المصر على أن يسهم في الحياة العامة؟
هل تستمر الحكومة في وصف الإخوان بالتنظيم المحظور أو غير الشرعي أو السري، في الوقت الذي منحت أعدادًا كبيرة من الجماهير ثقتها لمرشحي الإخوان بعضهم نجح في اختراق كل هذه الحواجز الأمنية والإدارية الصعبة وبعضهم لم يقدر له الفوز، على الرغم من حصولهم على أصوات بالآلاف.
أمام هذا السؤال نواجه احتمالين:
الأول والأرجح هو استمرار منطق النعامة: اعتمادًا على التي البطش الأمني، والتشويه الإعلامي خوفًا أو استرضاء للقوى الصهيونية والغربية الرافضة لأي دور مؤثر وفاعل للإسلاميين في أجهزة الحكم في مصر على وجه الخصوص.
الاحتمال الثاني وهو محاولة إيجاد مخرج سياسي لاستيعاب الحركة في الحياة العامة، وقد تكون الطريقة مثلًا فتح حوار مع الأعضاء الفائزين وإعطاء ضوء أخضر التشكيل حزب سياسي لا يشهر إسلاميته فضلًا عن إخوانيته طبعًا.
هذا السيناريو يجنب البلاد حالة التوتر المستمرة والمتصاعدة، لأن استمرارها يمكن أن يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه من ردود أفعال سواء من جانب قلة قد لا تحتمل أجسادها وأعصابها الضغوط والتعذيب في أوكار أجهزة الأمن، أو من عموم الناس الذين قد يستبد بهم اليأس من الإصلاح.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل