العنوان هل يصبح جوزاي بوفاي زعيما لفرنسا؟
الكاتب د. محمد الغمقي
تاريخ النشر السبت 20-سبتمبر-2003
مشاهدات 91
نشر في العدد 1569
نشر في الصفحة 42
السبت 20-سبتمبر-2003
حركة مناهضة العولمة تتسع.. وتسحب البساط من تحت أقدام الأحزاب التقليدية
انتهى في العاشر من أغسطس الماضي، التجمع الدولي الكبير الذي نظمته حركة مناهضة العولمة في منطقة لرزاك بجنوب فرنسا والذي جمع -حسب الجهة المشرفة -أكثر من ٣٠٠ ألف شخص من مناهضي «العولمة الليبرالية» ورمزها منظمة التجارة العالمية. وقد تجاوز التفاعل كل التوقعات، الأمر الذي جعل المحللين يصفون التجمُع به الحدث السياسي لهذا الصيف.
مقاومة جرثومة الليبرالية: ولعل حضور جوزاي بوفاي في هذا التجمع هو الذي أعطاه الرحم غير المنتظر، وبوفاي من الوجوه النقابية المعروفة، فهو رئيس نقابة المزارعين الفرنسيين، وله مواقف مبدئية وجريئة جعلت منه بطلًا لدى شريحة واسعة من الفرنسيين وتعود نضالاته إلى ثلاثة عقود، حيث تعرف عام ١٩٧٣ إلى برنارد لامبار مؤسس حركة «المزارعين العاملين» في الوقت الذي بدأ يدب فيه الصراع بين المزارعين والجيش حول رغبة هذا الأخير منذ عام ١٩٧٠م في توسيع معسكر له في منطقة مجاورة للرزاك غير مستغلة فلاحيًّا. ولكن المزارعين الذين خشوا أن يفقدوا الأراضي التي يملكونها قاوموا بشدة وانتهى نضالهم بالانتصار على الجيش عام ۱۹۸۱ وكانت مفاجأة إذ لم يكن يتوقع أن هذه المنطقة الفقيرة تقاوم بهذا الشكل.
نشأت نقابة المزارعين رسميًّا عام ١٩٨٧ لتعطي زخمًا لحركة الاحتجاج ضد الشركات المتعددة الجنسيات والعولمة ولما يسمّيه بوفاي بـ «جرثومة الليبرالية». واستطاع الزعيم النقابي أن يكتسب شعبية رغم تحفظ البعض على أسلوبه في الاحتجاج، حيث هاجم في أغسطس أحد مطاعم ماكدونالدز التي تمثل رمزًا للعولمة الأمريكية في نظره، واحتجاجًا على قيام الولايات المتحدة بإضافة زيادة بنسبة ١٠٠% على الضرائب المفروضة على الجبن الفرنسي بعد أن فرضت فرنسا حظرًا على استيراد لحوم الأبقار الأمريكية التي سبق حقنها بالهرمونات.
رمز مناهضة العولمة
وتمت محاكمة بوفاي وسجن شهرين ثم أطلق بعد عفو رئاسي. وكان قد صرح بمناسبة تلك المحاكمة «بأن أي حكم مهما كان لن يخلو من اعتبارات سياسية، ذلك أن الأكل ليس فعلًا حياديًّا». وعاد إلى السجن مرة أخرى في يونيو ٢٠٠٣م بتهمة إتلاف مشاتل تستخدم الجينات المصنّعة معدة لزراعة الأرز. ورفض الرئيس شيراك هذه المرة العفو عنه، ولكن خفف الحكم من عشرة إلى ستة أشهر، ولكن تحت ضغوط أتباع بوفاي، ومع اقتراب موعد تجمع لرزاك، اضطرت الإدارة الفرنسية إلى إطلاق سراحه قبل أسبوع من موعد التجمع، مع وضعه تحت الرقابة الإدارية وتقييد حركته بمنعه من السفر خارج البلد.
وقد اعتبر مؤيدو بوفاي تراجع الإدارة انتصارًا لحركة مناهضة العولمة. ورغم موجة الحرارة غير العادية التي سادت أوروبا، فقد كان الإقبال على تجمع لرزاك كبيرًا، وكانت المحطة الأساسية الخطاب الختامي الذي دعا فيه الزعيم النقابي إلى التحرك احتجاجا على الاجتماع الوزاري لمنظمة التجارة العالمية في دورتها الخامسة، بمدينة كونكان بالمكسيك الذي تم بين العاشر والرابع عشر من سبتمبر الجاري.
وهذا الاجتماع الوزاري أعلى سلطة في منظمة التجارة العالمية ويجتمع على الأقل مرة في السنتين. وفي السنوات الأخيرة اجتمع في كل من سنغافورة عام ١٩٩٦م وفي جنيف عام ۱۹۹۸م وفي سيتل عام ١٩٩٩م وكانت آخر اجتماعاته في الدوحة عام ٢٠٠١.
مصدر حرج للأحزاب التقليدية
إن تجمع لرزاك علامة بارزة على أن الحركة الاحتجاجية ضد تجارة السوق والعولمة على
الطريقة الليبرالية الأمريكية في طريقها إلى الاتساع والتجذر في فرنسا. ومن المفارقات أن الحركة تستقطب شرائح مختلفة أيديولوجيًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا. ويوجد ضمن مؤيدي بوفاي مناهضون للعولمة ودعاة حماية البيئة ونقابيون وطلاب وقدماء المناضلين في حركة ١٩٦٨م اليسارية، علاوة على توجه بوفاي المعروف بتشبثه بمسيحيته بما يساهم في استقطاب شريحة من الشباب المسيحي المنخرط في العمل النقابي.
والأهم من ذلك أن هذه الحركة تتسع خارج إطار الأحزاب التقليدية من اليسار إلى اليمين، وتستقطب الشريحة المعارضة للسلطة واليائسة من جدوى المعارضة الاشتراكية أساسًا. ولعل النجاح الذي لقيه تجمع لرزاك جعل هذه الأحزاب في موضع حرج وقد حذر الأمين العام للحزب الحاكم فيليب دوست -بلازي من «انحرافات خطيرة» لهذه الحركة الاحتجاجية، من خلال «قيام مجموعات متطرفة بتوظيف نضالات شرعية»، معترفًا بأن نجاح الحركة في التعبئة دليل على «قلق الفرنسيين إزاء الظلم على مستوى العالم». ولكنه يرى أن «البحث عن عالم أكثر عدالة لا يمكن أن يحتكره أقصى اليسار الذي يعيش في عالم «الحنين إلى الماضي» والأوهام الطوباوية».
أما الحزب الاشتراكي، فإن وضعه ليس بأفضل من منافسه. ويدور جدل كبير داخل الحزب حول كيفية التعامل مع «ظاهرة بوفاي»، بين مؤيد لنضاله مثل جون ليك ميلونشون، زعيم الجناح اليساري في الحزب، الذي يعتبر أن هذه الظاهرة «هدية من السماء، لأن حركة الاحتجاج القوية هذه تعطي زخمًا لليسار»، وبين معارض الأسلوب بوفاي «الشعبوي» مثل برنارد کوشنار وباسكال لامي اللذين يعتبران نقد المنظمة العالمية للتجارة «مسألة خطيرة»، وهناك من يقف في الوسط مثل الأمين العام للحزب فرانسوا هولاند الذي يعترف بأن مثل هذه الحركة الاحتجاجية تجدد اليسار «ولكن كل يقوم بدوره، ودور الحزب الاشتراكي إيجاد الحل
السياسي» إشارة إلى أن الآخرين دورهم الاحتجاج في الشارع.
الأبعاد السياسية للحركة
ويدور الحديث اليوم عن إمكان تحول الحركة الاحتجاجية المناهضة للعولمة إلى قوة سياسية يمكنها منافسة الأحزاب التقليدية، أو على الأقل خلط اوراق اللعبة الانتخابية مستقبلًا. كما يمكنها أن تتجاوز دعاة حماية البيئة الذين بقوا مهمشين سياسيًّا بسبب خلافات داخلية بين قيادات هذا التيار، خاصة وأن تحكم الهيمنة الأمريكية والعولمة الليبرالية والأحادية القطبية على المستوى العالمي يشعل فتيل الغضب والاحتجاج، ويستقطب المزيد من المؤيدين لحركة مناهضة العولمة.
وتتراوح مواقف الرأي العام الفرنسي بين مؤيد ورافض لدخول بوفاي إلى الساحة السياسية ومعترك الانتخابات. ويرى مؤيدو انخراطه في السياسة أنه شخص مبدئي وجري وغير متورط في الفساد المالي وغيره، أثبت جدارته في مجالات فشل فيها السياسيون مثل النجاح في طرح مواضيع العولمة والزراعة المصنعة في النقاش العام.. أما الرافضون لهذا التوجه السياسي، فهم يضعون في المقدمة أسلوبه العنيف ودعوته لاستخدام العصيان المدني على طريقة غاندي ومقاومة الأبارتيد في جنوب إفريقيا في بلد القانون، علاوة على نظرته الاحتجاجية للعالم، وتركيزه على ملف حماية البيئة والحال أن رجل السياسة يجب أن يظهر كفاته في الحديث عن كل القضايا والمشكلات، إضافة إلى أن شخصيته النضالية النقابية المحبة للاستقلالية والتحدي، لا تلتقي مع لعبة التوازنات في عالم السياسة.
وبغض النظر عن مواقف هذا الشق أو ذاك، فإن بوفاي تحول إلى مصدر إحراج للسلطة المترددة بين الإبقاء عليه داخل السجن أو خارجه، كما تحول إلى رقم صعب في المعادلة السياسية، لأنه يمارس السياسة حتى وإن لم ينخرط فيها حاليًا. وشعبيته في ازدياد مطرد كونه أصبح رمزًا لمناهضة العولمة الليبرالية والهيمنة الأمريكية ومناصرًا للقضايا العادلة. ووصل به التحدي إلى الذهاب إلى الأراضي المحتلة الفلسطينية مرتين في إطار الحملة الدولية الحماية الشعب الفلسطيني من ابتزازات الجيش الإسرائيلي: الأولى في يونيو ٢٠٠١م والثانية في مارس ۲۰۰۲م في وفد ضم ٧٦ من أنصار السلام، اقتيد خلالها إلى معسكرات الاعتقال التابعة لجيش الاحتلال قبل أن يطرد إلى فرنسا. ولم يمنعه ذلك من التعبير عن تضامنه مع الشعب الفلسطيني في محنته، واستنكاره لـ «إفلات إسرائيل غير المسموح به من العقاب» جراء ما ترتكبه ضد هذا الشعب «الأبي والشجاع» كما يصفه.