العنوان هل يكتشف العالم الإسلام من جديد؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 15-ديسمبر-1998
مشاهدات 81
نشر في العدد 1330
نشر في الصفحة 53
الثلاثاء 15-ديسمبر-1998
كثير من الباحثين في العالم اليوم يعيدون قراءة الإسلام من جديد، ويكتشفون أن الإسلام هو صاحب السمات البارزة، والشخصية الفريدة والذاتية المؤثرة، والفكر المهيمن والروحانية الغامرة، والواقعية القاهرة، والفطرة النقية، وأنه ديانة ورسالة، وهدف وغاية ودعوة وبلاغ، وقوة وعزة، وريادة وسيادة.
فقلت نعم كلما تعالت البشرية عن أهوائها، وارتفعت عن وهدتها، فإنها ستدرك عظمة الإسلام وجلال الرسالة وتبصر روعة التعاليم وقيمة العطاء الإسلامي؛ لأن هذه الدعوة وتلك الرسالة وهذا المنهج لم يصل إلينا عن طريق الحكماء والمفكرين، ولا عن طريق الحقوقيين والمقننين والمشرعين، ولا عن طريق الأذكياء والفلاسفة والخياليين ولا عن طريق الزعماء والقادة السياسيين ولا عن طريق الاجتماعيين والنفسيين والمجربين، وإنما وصل إلينا عن طريق الأنبياء والمرسلين الذين جاءوا بالوحي المبين، وصدق الله: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ (النمل:6) ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (الحجر:87).
ولهذا فإنه يجب أن يعلم أن منهج هذه الدعوة وكتابها ودستورها الذي يصرف حياة البشر ينبثق من تصور رباني النزعة إلهي التوجيه، ليس من صنع ملك أو رئيس أو أمير أو شعب أو برلمان أو حزب، ولهذا فهو لا يعمل لمصلحة أي من هذا.. أو ذاك بعينه، ولا يحابي شعبًا أو لونًا بذاته وشخصه، وإنما يعمل بعدالة إلهية وتوجهات ربانية، وموازين علوية، تقدر النيات وتزن الجهد وتحترم العمل، ولا تلتفت إلى جنس أو لون أو نسب إلا بمقدار ميزانه في مجال الصالحات والطيبات، فهي إذن ميراث بشري وناموس كوني وحياتي يدافع عن الإنسان.
كما أنه يجب أن يعلم أن هذه الدعوة الإسلامية ما دامت ربانية، إذن فهي خالية من الأحقاد والضغائن التي تحلق الاستقرار والأمن والحب، وخالصة من الأخطاء والعثرات والمعوقات التي تغلق النوافذ على الفطرة البشرية، فلا تستطيع أن تستنشق عبير الصحة وحيوية الحياة، كما أنها بعيدة عن متاهات وصحاري الجفاف العقلي والشطط الفكري الذي عصف بكثير من العقود والقرون الإنسانية والبيئية، وبريئة من القصور والنقص الذي يلازم القاصرين المحدودين في الفكر والنظر والعلم والمحصورين في الزمان والمكان، كما أنها سليمة من الضعف الإنساني والغرور، والنزق، والظلم والبغي والتسلط الذي سحق الإنسانية وبطش بها، ومنعها الاستقرار والهدوء وسلط عليها الفراعنة في كل زمان ومكان.
كما أن المنهج المنبثق من هذه الدعوة ليس نظامًا تاريخيًّا أو دستوريًّا زمنيًّا جاء لفترة محددة أو وقت معين نزل لحقبة من حقب التاريخ المتعاقب الحلقات كما جاءت كثير من الملل أو ظهرت جمهرة من الدعوات التي كانت مرحلة من المراحل على طريق الإنسانية الطويل أو حلقة من الحلقات التي اقتضاها التطوير الإنساني، أو التقدم الفكري والرشد العقلي، ولا شريعة من الشرائع التي أراد الله لها أن تكون محدودة الأهداف والمراحل موقوتة الأزمان والأحوال حيث كانت الرحمة الإلهية قديمًا تتخير بقاعًا من الأرض تنزل بها لتحيي مواتها وتستقي زرعها وتخرج ثمارها على تفاوت في الزمان أو تقارب أو تجاور في المكان كان أو تباعد، وصدق الله: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾(فاطر: 24) ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ (النحل: ٣٦).
فكان كل رسول ونذير وسط قومه يبدد ظلامهم ويهدي حائرهم، ويرشد ضالهم إلى أن طلعت شمس الإسلام فأنارت الدنيا وسطعت في العالمين وأضاءت الدروب والوهاد والقفار والحواضر والبوادي، وصدق القائل:
الله أكبر إن دين محمد
وكتابه أقوى وأقوم قيلا
لا تذكر الكتب السوالف عنده
طلع الصباح فأطفأ القنديلا
جمع شتات الرسالات في رسالة واحدة وشتات الأمم في أمة واحدة، وضم أقوم التعاليم وأروعها في كتاب واحد يجدد ما اندرس، ويرفع ما انهدم، ويبعث فطرة الإنسان لتعمل عملها في الإصلاح، ونيته لتفعل فعلها في التوجيه، وعقله ليشق طريقه في الاستفادة من خلق الله في الحياة، ولهذا كل من قرأ الإسلام أسره، أو عرف تعاليمه انقاد إليه، يقول الأديب الألماني جوته: «إذا كان هذا هو الإسلام، فلم لا نكون جميعًا مسلمين»؛ لأنه ليست هناك فضيلة إلا أمر الإسلام بها، أو رذيلة إلا نهى عنها، أو مكرمة إلا حض عليها، ويأخذ الناس إليها بيسر ويدربهم عليها بإحسان وحب، يقول المهتدي إبراهيم خليل: قرأت بتأمل وتفكير قوله تعالى:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ( الزمر: 53) وقارنت بين هذه الآية وما ورد في الإنجيل عن الغفران بقوله بدون سفك دم لا تحصل المغفرة، وقوله: «هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الحبيب لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية»، ثم يقول: إن تعاليم الإسلام هي تعاليم عملية تقدم نموذجًا لبناء الأمم، كما يمنح الإسلام للضالين إحساسًا بالأمل والاتجاه الصحيح، ويمكن الفرد المسلم من فهم واجباته نحو الله ونحو بني الإنسان بصورة أفضل.
ثم يقول «إنجرام» الذي اعتنق الإسلام، «إني أعتقد أن الإسلام هو الدين الذي يدخل السكينة والسلام إلى النفس ويلهم الإنسان العزاء، وراحة البال والسلوى في الحياة، فأنا اليوم ابن الإسلام وسعيد به سعادة غامرة»، ويقول وزير بريطانيا الحالي «روبن كوك» «إن ثقافتنا مدينة للإسلام بدين يجدر بالغرب ألا ينساه ونحن نقوم بتطوير علاقتنا مع العالم الإسلامي»، ثم يقول: «يجب أن نسارع إلى الاتصال بالعالم الإسلامي وعلى جناح السرعة وأن يتحاور أحدنا مع الآخر لأننا سنستفيد من ثقافته كثيرًا».
إن الغرب مدين للإسلام بالشيء الكثير؛ فالإسلام وضع الأسس الفكرية لمجالات عديدة ومهمة وكبيرة في الحضارة الغربية علمية وثقافية ونفسية واجتماعية، هذا والحديث يطول في ذكر هذه الأقوال التي يغفل المسلمون عنها في حضارتهم، ورسالتهم ومنهجهم، ولكن ما نحب أن نقوله هو ما قاله مارسيل بوازار: إن القضية تتمثل في استرجاع فكرة الإصلاح الإسلامي من خلال تجلياته الأبدية والمستقبلية التي يستطيع المسلمون إسعاد العالم بها، ولكن هل يفعلون!!! نسأل الله ذلك، أمين.