; قراءة في الاحتمالات.. هل يمكن أن ينسحب الاحتلال بفعل المقاومة الفلسطينية؟ | مجلة المجتمع

العنوان قراءة في الاحتمالات.. هل يمكن أن ينسحب الاحتلال بفعل المقاومة الفلسطينية؟

الكاتب إبراهيم أبو الهيجا

تاريخ النشر السبت 08-مارس-2003

مشاهدات 52

نشر في العدد 1541

نشر في الصفحة 34

السبت 08-مارس-2003

  • ثلاثة أبعاد تقف في طريق الانسحاب تتركز في الأوهام التوراتية والعقيدة العسكرية وضرورة الاحتفاظ بالكتل الاستيطانية

  •  وثلاثة أبعاد مقابلة تعمل لصالح الانسحاب، أمنية ووجودية، والمفاضلة بين الحفاظ على النفس أو الاحتفاظ بالأرض

  • مشروع المقاومة بآلياته المتطورة هو الكفيل وحده بإحداث الانسحاب على شاكلة ما حدث في لبنان

بمقارنة نظرية بين الحالة اللبنانية والفلسطينية، يخيل إلينا أن فرضية الانسحاب من الضفة وغزة يمكن أن تتحقق، ولكن كما هو معروف فإن الحالة في الضفة وغزة مختلفة عما هو في الجنوب اللبناني، ومختلفة بمقدار آخر عما في الجولان السوري، ولأن هذا التفصيل بالاختلافات والتباينات بين الحالات ليس مجال بحثنا، فسنركز هنا على الوضعية المعقدة في فلسطين وتحديدًا في الضفة الغربية ولاسيما إشكالية «الحدود والمستوطنات والقدس فيها». 

تعقيدات الانسحاب: تعقيدات الانسحاب تنبع من عدة أسباب أو أبعاد أهمها: 

  1. البعد الديني المؤسس على الأوهام التوراتية بالأحقية في الأرض، ولكن المخاوف على هوية الدولة اليهودية بامتلاك ما لا تستطيع مزجه و«دمقرطته»، والصعوبة الواقعية لتحقيق ذلك الحلم قد أضعفت من وهم السيطرة على الجغرافيا والديموجرافيا لصالح وهم الهيمنة على الوعي والمال وبما يشرع وجودهم ويمكن لهم.

  2. البعد الأمني والعسكري وهو عقيدة عسكرية صهيونية متولدة ومتراكمة مفادها أنه لا يمكن حماية وجود أو سيادة الدولة الإسرائيلية دون وجود مجالات حيوية أو موانع عسكرية في عمق الضفة وعلى أطراف الضفة وغزة تستطيع منع الأخطار القادمة من الدول العربية المحيطة بإسرائيل، وعليه فإسرائيل تنطلق من ضرورة تحقيق تسوية بموازين القوة والردع وليس بمسلمات الحق والعدل الطبيعي أو حتى الدولي.

  3. البعد «الجمعي الداخلي» فثمة إجماع متراكم تاريخيًّا ومتأصل دينيًّا ومتغذ عسكريًّا في القطاعات الحزبية والنخب الصهيونية، يدور محوره حول ضرورة «الاحتفاظ بالكتل الاستيطانية الكبيرة الاحتفاظ بوجود حدودي مانع عودة اللاجئين ضمن القدرة الاستيعابية لدولة فلسطين غير المسلحة» ويمكن قياس ذلك بشواهد كثيرة أهمها استعراض مجمل الخرائط الإسرائيلية الجديدة المعروفة بأسماء رؤساء الوزراء اليمينيين أو اليساريين، ومجملها تدور في فلك خطة «ألون» زائد أو ناقص والتي طرحت في أول حكومة صهيونية بعد عام ١٩٦٧. ونعتقد أن خطة كلينتون التي طرحت في مباحثات كامب ديفيد الأخيرة هي أفضل ممثل لهذه الخطوط الإجماعية.

ضمن هذه الأبعاد الثلاثية «الدينية- الأمنية- الجمعية»، يكمن تعقيد وصعوبة الانسحاب الكلي والشامل على الأقل من أراضي ٦٧.

عوامل لصالح الانسحاب

لكن مقابل هذه التعقيدات نستطيع تلمس ثلاثة عوامل أخرى تلعب لصالح إمكانية الانسحاب:

أولًا: الأسباب الوجودية: وهي تلك المتعلقة بيهودية الدولة والحفاظ عليها، على خلفية المشكلة الديمجرافية واحتمالات تفاقمها، وهي التي دارت عليها جدلية الانفصال أو الدمج للفلسطينيين فيما مضى، والانفصال الكلي حاليًّا بعد انتفاضة الأقصى.

ثانيًّا: الأسباب الأمنية: وهي المتحصلة نتاج التهديدات الأمنية وتنشأ باسمها اليوم العوازل الأمنية التي يبررها اليمين الصهيوني قبل اليسار ويجري العمل بها الآن على تخوم المدن الفلسطينية المحاذية للمدن الصهيونية.

عمومًا التوجه نحو الفصل باتفاق أو بدونه يزداد ونستطيع تلمس تيار صهيوني یسانده كبار من اليسار واليمين ورؤيتهم هجين من الشكل السياسي والأمني، مع أن الاعتبار الرئيس هو للأمني بحيث يبقي السيطرة الإسرائيلية الاستيطانية والعسكرية وتحديدًا في القدس لحين حصول اتفاق ما مع إنشاء عوازل أمنية في مناطق التسرب مع إدخال مرونة تبقي على العلاقات الاقتصادية.

ثالثًا: جدل الأولويات: «أي لمن الأولوية لحفظ النفس والحياة أم للاحتفاظ بالأرض؟»

ضمن هذه الرؤية الجدلية نستطيع أن نلمس فكرًا يمينيًّا غالبًا يؤيد التنازل عن الأرض حفاظًا على حياة الإنسان «الإسرائيلي».

وللعلم فإن هذه الرؤية اليمينية متبناة من قبل حركة شاس «ثالث أكبر الاتجاهات السياسية وأكبر الاتجاهات الدينية» وهذه الجدلية برزت أثناء تصويت حركة شاس على الانسحابات الإسرائيلية من مدن الضفة الغربية التي بررها حاخامات الحركة بجواز التضحية بالأرض حفاظًا على حياة الإسرائيليين.

المدارس الفلسطينية

عمومًا نستطيع القول إن ثلاث مدارس فلسطينية متبلورة تحت عناوين تحصيل الحق الفلسطيني وهي:

  1. مدرسة المقاومة:

وهي ترى أن أعمال المقاومة واشتداد وتيرتها هي اللاعب المركزي لصالح الانسحاب من الأرض الفلسطينية الضفة وغزة، سواء نتاج الخشية على الهوية أو نتاج المخاوف الأمنية التي تعني استمرار الاستنزاف وبالتالي ضعف الرأي العام، كل ذلك يغطيه لدى الإسرائيليين فلسفة دينية مستعدة لتتراجع عن الاحتفاظ بالأرض لصالح الحفاظ على حياة شعبها، عمومًا ما هو جلي فإن مدرسة المقاومة تعمل على معادلة الانسحاب «كما حدث في التجربة اللبنانية» من خلال التالي:

«استمرار الخسائر يؤدي إلى استنزاف أمني واقتصادي مما سيؤدي إلى تشكيل رأي عام ضاغط بدوره يقود إلى برنامج سياسي لدى الأحزاب الصهيونية ينتقل إلى دائرة القرار الرسمي بفعل الطرق البرلمانية أو الشكل الانتخابي والتصويت على برامج الأحزاب مثلما حدث عندما فاز باراك بفضل ورقة الانسحاب من لبنان وها هو كذلك يفعل متسناع انتخابيًّا، أما شارون واليمين فهو يمرر فعليًّا العوازل الأمنية، وهذا يعزز نظرية المقاومة وتراكماتها».

٢- مدرسة التسوية:

بأشكالها المختلفة والتي تؤمن بالتفاوض وتتحرك في هوامش أوسلو، وقد تراجعت هذه المدرسة في المرحلة الحالية بسبب انكشاف حدود السقف الإسرائيلي حتى بأقصاه اليساري، وتراكم وعي فلسطيني مقابل لا يؤمن بجدوى التسوية إلا بممارسة الضغوط.

عمومًا فخيار التسوية ما زال ثمة فئة تؤمن به وهي المتنفذة والمسيطرة على القرار الفلسطيني الرسمي، ولكن أقصى حلولها إما أنية مرهونة بزمن معين يؤجل القضايا المعقدة أو نهائية تقترب من خطة كلينتون ولا تبعد كثيرًا عن خطوط الإجماع الصهيوني وتحتمل تنازلات فلسطينية أكثر مما هي إسرائيلية. 

ورغم استبعادنا التوصل لحلول شاملة ونهائية في المرحلة الحالية، إلا أنه إذا حدثت تغيرات دراماتيكية في مواقف أو شخوص القيادتين الفلسطينية والإسرائيلية فعندها يمكن التوصل لحلول ما، ولكنها لن تصل إلى أدنى ما يطمح اليه أنصار التسوية من العرب، فثمة مصلحة دولية استراتيجية تخشى من تقويض أسس ووجود قوة إسرائيلية. انظر مثلًا البيان الأوروبي- الأمريكي حول الدولة الفلسطينية التي يقبلون بها فهي سلمية بالدرجة الأولى.

  1. المدرسة المازجة: 

وهي تمزج بين الانتفاضة والمفاوضات وهذه المدرسة أمكن اختبارها خلال مسار التسوية في انتفاضات النفق والأسرى، وفي انتفاضة الأقصى الحالية.

ومن استقراء هذه التجربة بعد مرور عامين على انتفاضة الأقصى، كان واضحًا أن المزاوجة بين الانتفاضة مع خيار التفاوض كما تريدهما السلطة كان صعبًا ومتناقضًا، وفي أغلب الظروف كان خيار التفاوض مهيمنًا على الأداء الانتفاضي دون الاستفادة منه حتى بالقليل وذلك للأسباب التالية:

أولًا: رهن أداء الانتفاضة محكوم بالتفاوض المتدني المستوى مثل اتفاقات وقف إطلاق النار المتتالية «شرم الشيخ، باريس ميتشل تينت»، وما طمحت إليه السلطة فيها هو تحصيل ثمن زهيد «انسحاب إسرائيل لخطوط ۲۸ سبتمبر أي رفع الحصار، تحصيل المستحقات المالية». 

ثانيًّا: بقاء الانتفاضة متصاعدة من قبل قوى فلسطينية لا تملك السلطة قرارها ولم تتوافق معها على سياساتها، مما جعل السلطة مضطرة المجاراة الضغوط الدولية واحترام تعهداتها وشجب العمليات واستنكارها بل وسجن بعض المقاومين في السنة الأولى للانتفاضة. 

ثالثًا: شكلت محطات وقف إطلاق النار المختلفة وممارسة التفاوض السري والعلني وقبول الفلسطينيين بوثيقة «تينت»، إحباطات مؤكدة ومنعكسة على معنويات المقاومة الفلسطينية، وشكوكًا لدى قطاعات كبيرة من الشعب بأهداف السلطة من وراء ذلك. 

رابعًا: مارست السلطة لعبة التفاوض مع اليمين الصهيوني مع أنها تدرك أن أقصى ما يمكن أن يقدمه اليمين لا يصل إلى أدنى ما يرضون به، وكانت السلطة تأمل في توريط شارون في دائرة الردود العنيفة فتمارس عليه ضغوطًا دولية أو في لعبة التفاوض فتفكك ائتلافه الحكومي وبالتالي تجره نحو السقوط، ولكن ما حدث كان عكسيًّا بمعنى أن شارون كان يقتل ويفاوض، وكلما كانت السلطة تحتاج للتفاوض مع شارون كان يأتي ذلك على حساب منسوب الانتفاضة.

خامسًا: جاءت جدلية المصلحة من عمليات العمق «أي ما هو داخل الكيان الصهيوني أو العمل فقط داخل حدود ٦٧» وبشكل علني لتؤثر هي الأخرى سلبًا على أداء الانتفاضة، وانعكست هذه الجدلية لتحدد ما هو مسموح به دوليًّا أو ما اختاره الفلسطينيون خطًّا أحمر لذاتهم، وهذا بدوره أضر هو الآخر بمشروعية ونتائج المقاومة للأسباب التالية:

  1. قلة الخسائر في الجانب الصهيوني في مقابل عدد الشهداء الفلسطينيين، ناهيك عن أن المستوطنين بعد مرور الوقت تكيفوا مع العمليات واستطاعوا تقليل خسائرهم.

  2. ثبت أن عمليات العمق المرفوضة كانت الأقدر على إفقاد الصهاينة أمنهم الشخصي وتقويض الاقتصاد والسياحة بشكل كبير وتحرك المعادلات الدولية للتأثير بشكل أكبر مما يمكن أن يؤهلها لتشكيل رأي صهيوني ضاغط.

الأفق

يترتب على مجمل ما ذكرنا أن مشروع المقاومة وبآليات مطورة يمكنه فقط أن يحدث الانسحاب الصهيوني على شاكلة ما حدث في لبنان ولكننا نعلم أن تعقيد الموقف لدينا يجعل من الصبر الوقتي وتطوير الأداء النضالي لوازم في المقاومة الفلسطينية، كما أنه معلوم أن مشروع المقاومة فلسطينيًّا لا يمكن إنجازه دون تكامله مع بعد عربي وإسلامي وبالنظر إلى تأثيرات الانتفاضة واستمرار المقاومة فإن الكثير من المعادلات الإقليمية من الممكن أن يتغير لذا فإن الرهان على الانتفاضة الفلسطينية كبير في إحداث نقلة في المعادلات الإقليمية تؤدي إلى تغييرات في المواقف الدولية تنتج انسحابًا قسريًّا.

نحن نراهن كثيرًا على مشروع المقاومة ونرى من خلال ما استعرضنا مدى واقعيته، ونرى بالمقابل أن مجمل مشاريع التسوية أو مشاريع المقاومة الجزئية أو محاولات جمع المتناقضات «التسوية، وشكل من المقاومة» هي مشاريع ذات تأثير ضعيف وسقوفها باتت معروفة ومحدودة.

عمومًا فإن نظرتنا المستقبلية تقول: «إن الانسحاب الإسرائيلي لن يكون نتاج تفاوض أو ممارسة نضال لتحسين شروط التفاوض بل هو دون شك قسري وفي ظل مقاومة شديدة وطويلة»، وما يمكن أن يؤخره هو البقاء في دائرة التسوية وشروطها ومناخاتها، ولكن حتى تلك المثبطات التسووية لإنجاز مهام مشروع المقاومة ستكون أنية وذلك راجع للأسباب التالية:

الأول: أن سيطرة يمينية الحلول في الكيان الصهيوني ستفيد- من حيث لا يريدون- في انکشاف مدى هشاشة الحلول، وصعوبة تغطيتها برموز وهمية، مما سيؤدي إلى صعوبات في هضم الحلول الإسرائيلية وتطور في أداء المقاومة.

الثاني: سيطرة خيار القوة الإسرائيلية في التعامل مع المشاكل الأمنية وهو الآخر جاء تابعًا لهيمنة يمينية في التعامل مع التسوية وسيؤدي إلى ما أدت إليه يمنية الحلول. 

الثالث: ثمة تعاظم لوعي الشعب الفلسطيني يؤيد مدرسة المقاومة ولا يؤمن بالتسوية حتى عند الكثيرين من أنصار التسوية السابقين ويمكن ملاحظة ذلك من خلال أداء انتفاضة الأقصى وتدلل عليه قياس رؤية النخب وقراءة مشاعر الشارع الفلسطيني والعربي والإسلامي 

الرابع: عجز الأمريكان أو عدم رغبتهم في ممارسة ضغوط حقيقية على إسرائيل لإنجاز تسوية تراعي الرموز المطلوبة سيبقي ماكينة المقاومة مستمرة.

الخامس: نزعات الهيمنة الأمريكية البادية فيما يجري الآن مع العراق ستؤدي إلى تململ دولي سيكون مفيدًا للحقوق الفلسطينية في المعادلة الدولية رغم ضررها المباشر على المنطقة.

 

الرابط المختصر :