; هل ينجح الرئيس «بوتفليقة» في مسعى العفو الشامل؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل ينجح الرئيس «بوتفليقة» في مسعى العفو الشامل؟

الكاتب يزيد بوعنان

تاريخ النشر السبت 23-أبريل-2005

مشاهدات 49

نشر في العدد 1648

نشر في الصفحة 34

السبت 23-أبريل-2005

بين «أنصار» المصالحة و«دعاة» الاستئصال

تعيش الجزائر منذ سنوات على وقع التجاذبات والخطابات المتناقضة والمتضاربة بين أنصار الطرح الاستئصالي الذي تقوده شخصيات حزبية علمانية لائكية مدعومة ببعض رموز المؤسسة العسكرية المتقاعدين مثل الجنرال خالد نزار، وأنصار طرح المصالحة الوطنية والحوار السياسي دون إقصاء بزعامة قادة الأحزاب الوطنية والإسلامية وشخصيات تاريخية وثورية مشهود لها بوفائها وغيرتها على الوطن وخياراته وثوابته.

 وبين هؤلاء وهؤلاء يريد أن يقف الرئيس بوتفليقة محاولًا إحداث بعض التوازنات بين الطرفين المتصارعين من خلال إطلاقه مسعى حساسًا جدًا وهو العفو الشامل الذي يريد من خلاله إطفاء الأحقاد والضغائن بين الجزائريين على مختلف أطيافهم وتوجهاتهم، فهل سينجح الرئيس في هذه المهمة الشاقة، خاصة إذا علمنا أن هذا الخطاب والتجاذب الذي تشهده الساحة الجزائرية ما هو إلا انعكاس لما يوجد عليه النظام في أعلى هرمه السلطوي؟

مبادرات لم تنضج: الملاحظ خلال السنوات الماضية أن الساحة قد شهدت تفريخًا لعدد من المبادرات تبدو أحيانًا مستنسخة عن بعضها أعلنت عنها شخصيات حزبية ووطنية من داخل التيارين الوطني والإسلامي مثل مبادرة رابطة نداء الأمة، ومبادرة حركة الإصلاح الوطني، مبادرة حركة حمس، مبادرات جبهة القوى الاشتراكية وهذه المبادرات كلها وإن اختلفت في بعض جزئياتها ومفرداتها فقد حاولت أن تشخص الأزمة واقترحت المصالحة الوطنية وما ينتج عنها من إجراءات مثل الفصل في قضية المفقودين وإطلاق سراح السجناء السياسيين وكذا فتح المجال السياسي كشروط أساسية لتحقيق هذا المسعى التصالحي المنشود من قِبَل الأغلبية الساحقة من الجزائريين.

إلا أنه وبالرغم من أن هذه المبادرات في مجملها تنفق في أن المصالحة كخطوة أولى تعتبر ضرورية للتمكن من حل الأزمة المعقدة التي تعيشها البلاد، فإنها قد بقيت دون مستوى طموح أصحابها إذ لم يتم تفعيلها ولم تلق الدعم الكافي والانتشار الواسع الذي يمكنها من تحقيق مبتغياتها وأهدافها النبيلة، فما سر هذا الانحسار؟ وهل ستشهد الأيام المقبلة- خاصة ونحن على أبواب مرحلة سياسية جديدة- نشاطات مكثفة في الاتجاه الذي يفعّل مثل هذه المبادرات ويحقق الالتفاف الشعبي حولها.

لا شك أن الأهداف التي رسمها أصحاب هذه المبادرات هي أهداف نبيلة وطموحة إلا أنه وعلى ما يبدو فإن الكثير منهم لم يتحرر من الحسابات السياسية الضيقة التي طغت على عقول الساسة، وإلا كيف نفسر ألا تقبل شخصية مثل جاب الله، أو مثل أحمد طالب الإبراهيمي التوقيع على النداء الذي وجهته رابطة نداء الأمة، برعاية الشيخ عبد الرحمن شیبان رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين قبل عامين من الآن؟ ولماذا وقع المرحوم الشيخ «محفوظ نحناح» على هذه الوثيقة ثم تحفظ أو تردد عن الحضور في التجمعات التي نظمتها هذه الرابطة؟ ثم لماذا الإكثار من مبادرات تبدو مستنسخة عن بعضها وما الفائدة المرجوة من مثل هذا التشرذم والتفرق؟

إن الذي ينبغي أن يعلمه هؤلاء المصالحون «أنصار المصالحة» من شخصيات حزبية وعلمية وسياسية أن هناك من يدفع بالوضع إلى المزيد من التأزم والتعفن واختلاق أحداث المواجهة الدعوية مع الجماهير قصد تثبيت الوضع على ما هو عليه وتجميد كل مبادرة من شأنها تحرير الجماهير أي بمعنى صناعة مسوغات الفشل المحتوم الذي يستند إلى مصادرة الواقع السياسي والإعلامي والاستفادة القصوى من القوانين التي تحد من حرية الصحافة والمسجد والمحاماة والعمل النقابي الحر والمستقل لفرض مرحلة انتقالية طارئة تستعيد من خلالها القوى الاستئصالية والتغريبية أنفاسها وتتحرر من فيض الضغوط النفسية الناجمة عن تطبيق سياسة الوئام المدني ومحاولة ترقيته إلى وئام وطني- كما أعلنه الرئيس بوتفليقة- إذ إنه ليس من الصدفة إن تتزامن المواجهات الدامية والانفجارات والأعمال التخريبية مع الدعوة إلى استئصال الأحزاب الإسلامية والقوى الوطنية المحافظة، والمؤكد أن أنصار المصالحة والوئام يدركون مثل هذه الأمور وما قد ينتج عنها من تداعيات يجهل عواقبها إلا أن مصالحهم الحزبية الضيقة أغلقت أو غطت عنهم هذا الإدراك، مما أفقد مبادراتهم المعلنة الحيوية المطلوبة والالتفاف

الجماهيري اللازم والضروري لإنجاح هذه المبادرات وهذا ما أدى إلى إصابة الساحة السياسة بالتصحر لتصبح أرضًا بورًا، أو لتخلو لأنصار التيار الاستئصالي التغريبي ليزرعوا فيها مزيدًا من الكوارث والمآسي البشرية والتاريخية.

وفي ظل هذا التشرذم تأتي المبادرة الجريئة التي أعلن عنها الرئيس بوتفليقة والمتعلقة بمسألة العفو الشامل وكذا إعلانه أمام مؤتمر المنظمة الوطنية للمجاهدين عن انتهاء عهد الشرعية الثورية وتعويضه بالشرعية الشعبية والدستورية، وفي هذا الإطار فإن الرئيس ومقربيه ينوون تنظيم استفتاء شعبي حول مسألة العفو الشامل في غضون فصل الربيع المقبل وهو ما يُستشف من خلال التحركات المكثفة لبعض المنظمات الجماهيرية المحسوبة على السلطة لتمرير خطاب العضو أمام الجماهير الشعبية قبل خروج الرئيس إلى الشعب كما هو منتظر، ومن الغرابة حقًا أن تتولى مسؤولية الدفاع عن العفو الشامل وخيار المصالحة الوطنية، وجوه وجمعيات وأحزاب كانت من أشد المعارضين لهذا الخيار مثل حزب الأرندي وزعيمه الحالي- أحمد أويحيى- وبالمقابل فإن الشخصيات التي دافعت عن هذا الخيار في مرحلة سابقة وذلك من منطلق مبدئي ومن منطلق الإخلاص للوطن من أمثال حسين آيت أحمد، وعبد الحميد مهري وعلي يحيى عبد النور لجأوا إلى الصمت بشأن هذا الخيار.

الاستئصاليون والموقف المنتظر

إن الاستئصالين لم يغيبوا عن الساحة الجزائرية منذ سنوات الأزمة، وكانت خطاباتهم وخططهم هي السائدة باعتبار الدعم والتأييد الذي يتلقونه من بعض رموز السلطة الفعلية المتحكمين في سلطة القرار، وبالرغم من ذلك فإنه كثيرًا ما تخمد أصواتهم ويتوقف ضجيجهم عندما يلاحظون أن موازين القوى اختلت لغير صالحهم داخل المخابر السلطوية، كما حدث مع سياسة الوئام المدني التي جاء بها الرئيس بوتفليقة، إذًا وباستثناء «الهاشمي الشريف» الموجود على فراش المرض والذي بقي وفيًا لخطابه الاستئصالي الراديكالي الشمولي فإن الآخرين من رموز هذا التيار قد أيدوا صراحة- ولو على مضض- هذه السياسة لأنهم رأوا أن المؤسسة العسكرية هي صاحبة المبادرة وأن أنصارهم داخل هذه المؤسسة- ولو على قلتهم- قد انصاعوا للأمر رغمًا عنهم. ولكن منذ أن اندلعت الأحداث المأساوية في منطقة القبائل وما نتج عنها من تداعيات فإن كل رموز هذا التيار وعلى رأسهم سعيد سعدي، خالد نزار، انقلبوا على الرئيس بوتفليقة، وطالب بعضهم بضرورة رحيله لأنه يمثل واجهة السلطة، بل الأغرب من كل هذا أن واحدًا مثل «أحمد أويحيى» وهو رئيس للحكومة كان قبل سنتين أو أكثر قد تقدم بانتقاد لاذع ورفض قاطع لدعوة الرئيس بضرورة تحقيق المصالحة الوطنية، حيث سبق له نفسه أن أرسل تعليمة داخلية لمناضليه في حزب «التجمع الوطني الديموقراطي» يدعوهم فيها إلى عدم تزكية مسعى الرئيس القائم على ترقية الوئام المدني إلى مصالحة وطنية، وذلك قبل أن ينقلب على عقبيه ويصبح من المدافعين عن أي مسعى يعلنه الرئيس خاصة بعد الانتخابات الرئاسية في أبريل الماضي، إلا أن الكثير من المعارضين للسيد أحمد أويحيى يرون أن هذا التحول ما هو إلا تحول مرحلي، فالرجل لا يزال وفيًا لخياراته الاستئصالية كما جاء ذلك في الرسالة التي بعث بها النائب البرلماني حسن عريبي إلى الرئيس بوتفليقة والتي يطلب فيها منه ضرورة إقالة أويحيى من منصبه لأنه يعمل ضد مشروع المصالحة الوطنية وما يؤكد أن «أحمد أويحيى» لا يزال وفيًا لخياراته الاستئصالية هو رفضه القاطع قبل سنوات لفكرة إطلاق سراح مساجين الرأي مثل علي بلحاج وعباسي مدني وذلك بالرغم من أن صلاحية العفو، أو تقليص مدة السجن هي من صلاحيات رئيس الجمهورية وحده باعتباره هو القاضي الأول في البلاد.

إلا أن وجه الغرابة هذا سرعان ما يزول عندما نعلم أن «أويحيى» هو أحد المؤسسين الأوائل لحزب «الأرسيدي» الذي يقوده سعيد سعدي وأن وجود أويحيى على رأس الأرندي ما هو إلا استراتيجية تهدف إلى جر هذا الحزب إلى صفوف الاستئصال وهو الخيار الذي يرفضه الكثير من المناضلين. وقد يؤدي هذا الرفض إلى طرد أويحيى من الحزب ليعود إلى موقعه الأصلي.

ومواكبة مع الانتقادات الموجهة لأويحيى من قبل معارضيه، شهدت الساحة أيضًا تحركاً للجنرال المتقاعد خالد نزار الذي رد على الاتهامات الموجهة من أطراف داخلية وخارجية وأكد تمسكه بالخيارات والخطابات المعروفة عنه وكذا صواب النهج الذي سلكته السلطة خلال العشرية الماضية، بدءًا بتوقيف المسار الانتخابي ثم خيار المواجهة والحل الأمني، ومن المنتظر أن تشهد الساحة أيضًا تحركات لشخصيات أخرى فعلام يؤشر هذا التحرك وكيف السبيل لإحداث التوازنات بين مختلف الأطراف المتناقضة في الساحة الجزائرية؟

الرئيس بوتفليقة.. وحفظ التوازنات

يرى الكثير من الملاحظين والمحللين أن الرئيس بوتفليقة هو الخيار الأمثل لحفظ التوازن بين كل الأطراف، لأنه أظهر قدرة فائقة في التعامل وتفهم كل الخطابات والتوجيهات السياسية المتصارعة وذلك لما يتوافر له من قدرة على التأقلم مع هذا التيار أو ذاك، واحترافية سياسية تمكنه من التعامل ومسايرة أحداث تبدو لیست طبيعية، بقدر من الفعالية يضمن أقل الخسائر.

ويرتكز هؤلاء الملاحظون في تحليلهم هذا على أن الرئيس استطاع أن يصمد أمام كل العواصف والهزات التي استهدفته وقاومها بثبات ولم يلجأ إلى رمي المنشفة كما فعل سابقوه، بل أبدى إصرارًا على البقاء وقالها صراحة لن أذهب والجزائر تحترق بل وتحمل تبعات سياسات الذين سبقوه، ولا شك أن هذا الإصرار وكذا صدق دعوته لضرورة إحداث مصالحة وطنية شاملة هو الذي فتح عليه أبواب الأعاصير والضغوط المركزة، إلا أن ما يجب ذكره أن الوجوه التي تولت الدفاع عن خيار المصالحة والعفو الشامل يبدو أنها قد تولت هذه المهمة بدافع الحصول على امتيازات سلطوية وريعية وليس بدافع الغيرة الوطنية أو الإيمان بالقضية، وهي مستعدة لتغيير قناعتها إذا ما رأت مثلًا أن الرئيس ومقربيه قد غيروا قناعتهم ورأوا أنه ليست هناك جدوى للعفو الشامل والمصالحة الوطنية، ولذلك فإن ضرورة تكليف وجوه أخرى ومحاولة التقرب منها لتشارك في تفعيل الحياة السياسية وتنشيطها تبدو أكثر من ضرورة.

وفي هذا الإطار فإن التحركات التي تشهدها الساحة الجزائرية لا سيما الاتصالات الحثيثة بين أهالي المسلحين الذين لم يتخلوا بعد عن نشاطاتهم الإرهابية وبعض رجال الأمن والعسكريين لمحاولة إقناع أولياء هؤلاء المسلحين- وحثهم على ضرورة التخلي عن هذا العمل المدمر وذلك بالاعتماد على دلائل علمية وفقهية- تبيّن بطلان دعاوهم هذه الاتصالات التي أشار إليها الكثير من الأوساط والجهات توضح بما لا يدع مجالًا للشك أن نية السلطة هذه المرة صادقة في القضاء على الأزمة الأمنية من جذورها وتحقيق المصالحة الوطنية بمعناها الواسع هي نية صادقة وإذا ما صدقت النوايا فإن سنوات الدم والدموع التي شهدتها البلاد ستطوى إلى الأبد وأن الجزائر ستتفرغ بعد ذلك لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة، خاصة وأنها تمر بمتنفس مالي كبير ناجم عن الارتفاع المذهل الذي شهدته أسعار النفط وسياسة التقشف التي مرت بها البلاد خلال السنوات الماضية.

وإن كنا نختلف مع الرئيس في بعض محطات سیاسته فيجب الإقرار بأنه قد أسهم في إعداد طقوس التحول الحقيقي، وهو التحول الذي يحتاج إلى رجال نزهاء وأكفاء لتحقيقه، ولعل الرئيس بوتفليقة هو الخيار الأنسب لكل الأطراف خاصة في هذه المرحلة المشبعة بالصراعات والتجاذبات والتناقضات، شريطة أن يكون هذا الخيار كمرحلة ضرورية لاستعادة الجماهير مكانتها في صناعة القرار بعيدًا عن السيناريوهات القاتلة والمدمرة لطموحات الشعب وإرادته.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل