; هل يُعقل أن ينتهي الحوار بحبل المشنقة؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل يُعقل أن ينتهي الحوار بحبل المشنقة؟

الكاتب د. يوسف عز الدين عيسى

تاريخ النشر السبت 23-مارس-2002

مشاهدات 57

نشر في العدد 1493

نشر في الصفحة 26

السبت 23-مارس-2002

  • بعد حوار استمر ثلاث سنوات بين المعارضة الإسلامية والنظام... أوشكت المصالحة أن تتم.. ثم فجأة صدرت الأحكام القاسية

  • قصة الإخوان المسلمون في ليبيا.. والفارق بين الجماعة الإسلامية الليبية والجماعة الإسلامية المقاتلة.

  • لا يعيب نظامًا أن يكون له معارضون.. فالمعارضة ليست دائما ظاهرة سلبية.. ولكن ما يشين هو أن تغلق منافذ الحوار.

واشنطن: د. عز الدين يوسف

شكلت الأحكام الصادرة من محكمة الشعب في ليبيا يوم 16/2/2002م، بحق المتهمين في قضية تنظيم الإخوان المسلمين المعروف بالجماعة الإسلامية الليبية، صدمة كبيرة على الساحتين العربية والإسلامية، لا بسبب قسوتها فحسب، بل لأنها جاءت في إطار أجواء كان يشاع فيها أن هناك حوارات تدور مع النظام منذ ثلاث سنوات، وأن المصالحة على وشك أن تؤتي أكلها، وأن هناك ترتيبات تجري لتغيير أسلوب التعامل لياخذ منحى إيجابيًا بين النظام والمعارضة الإسلامية فمشروع الرؤية المستقبلية الذي تبنته الجماعة الإسلامية الليبية ينظر للنظام على أساس أنه واقع لا مناص من التعامل معه، بل إن الجماعة - ومن خلال الرؤية الشاملة للإخوان المسلمين - تسعى إلى كسر حاجز العزلة المفروض عليها - محليًا وعالميًا - بغية الوصول للناس من خلال التعايش السلمي مع النظم، وتفويت الفرصة على أعداء الأمة الذين يسعون لخلق أجواء من العداء والقهر والتسلط وقد عملت الجماعة على إزالة فتيل أزمة تخوف النظام منها، وكان إقبالها على المبادرة - برغم إحجام البعض، وتردد البعض الآخر لتوفير القناعة للنظام بإمكانية العمل معًا، وإنه إذا انصلحت بعض الأوضاع، وتمت المصالحة والانفراج في العلاقة بتحقيق الاطمئنان للطرفين، فإن ذلك يمثل مكسبًا كبيرًا للطرفين، واعتمدت قيادة الجماعة الإسلامية الليبية أسلوب الحوار في التفاهم مع قواعدها، لضمان عدم حدوث انشقاقات أو تفريخ فصائل جديدة، وسارعت كذلك بالتجاوب في مبادرة مع النظام، رغم تشكيك جهات في المعارضة من جدوى هذه الخطوة.

وارتأت قيادة الجماعة في الحوار الوسيلة الحضارية الأفضل لتحقيق التفاهم، وقمع دعاة التطرف في الجانبين، وباعتباره كذلك صمام أمان يمنع حدوث انفجارات مستقبلًا، حيث إن الاستقرار لا يصنعه القهر والعنف، وأنه بسبب تزايد التحديات التي تمر بها الأمتان العربية والإسلامية، فإن الأمر يتطلب تخفيف التوتر والاحتقان، وحشد الطاقات وتعبئة إمكانيات الأمة حتى يتسنى للجميع أن يقف مدافعًا عن كرامة أمته وحدود وطنه.

اللقاءات تمت مع قيادة الحركة وبمشاركة بعض الأطراف الإسلامية كاستجابة لمبادرة شخصية من مندوب ليبيا الدائم لدى الأمم المتحدة السيد أبو زيد دورده، وهو رئيس وزراء سابق، وشغل العديد من المناصب والوزارات، ويتمتع بكثير من المصداقية والاحترام داخل الشارع الليبي، وقد اكتسبت مبادرته بعد ذلك صفة رسمية بموافقة العقيد القذافي، ودخول شخصيات أخرى لها وزنها داخل الحكومة الليبية بالمشاركة في ملف الحوار والمصالحة، وقد أعطت هذه المبادرة الكثير من الديناميكية والحماس داخل الصف الإسلامي ووسعت لدى بعض الأطراف الإسلامية - المترددة في التعامل مع الأنظمة - مساحات التفاؤل والأمل.

وشجعت هذه المبادرة بعض الليبيين كذلك على التفكير الجدي بإمكانية العودة للبلاد، بعد سنوات طويلة من الغربة، إن هناك جملة من الحقائق ساعدت في التهيئة الإيجابية لهذه المبادرة، وتأثيث حالة الاطمئنان لمستقبل أفضل في العلاقة بين الإسلاميين والنظام، لعل أهمها:

  • اللغة النقدية التي جاءت في خطاب العقيد القذافي بجامعة قار يونس، والتي حملت مسؤولية هروب الكفاءات والطاقات الليبية صوب أمريكا وبريطانيا إلى الممارسات الخاطئة التي قامت بها بعض العناصر الأمنية داخل الجامعات وخارجها.

  •  التسهيلات التي تم منحها لشخصيات ليبية أبدت رغبتها في إقفال ملفات الماضي، والتوجه للعيش داخل ليبيا.

  •  الإشارات والاعترافات التي همست بها بعض أوساط النظام، بوقوع أخطاء وتجاوزات داخل المربعات الأمنية، وتبرير ذلك بطغيان الحس الأمني وتغلبه على صوت العقل والمنطق، بسبب ضخامة التآمر الخارجي على ليبيا، وتعدد المحاولات الانقلابية من داخل النظام وخارجه.

  •  اتساع الجهود التي تقوم بها واجهات ليبية رسمية مثل: جمعية الدعوة الإسلامية العالمية في دعم ومساندة العمل الإسلامي بالغرب، ونشر الإسلام في القارة الإفريقية ورعاية الكثير من الدعاة المسلمين في دول آسيوية مثل: إندونيسيا، وماليزيا، والفلبين وتايلند، والتي شكلت في مجموعها عطاء إسلاميًا واعيًا ومتواصلًا منذ عام ١٩٧٢م.

  • الظهور النشط له مؤسسة القذافي للأعمال الخيرية التي قامت بالكثير من الجهود الخيرية والإنسانية على الساحتين الليبية والإسلامية، حيث عملت على إطلاق سراح المئات من المعتقلين داخل السجون الليبية، وسعت لتحقيق المصالحة بين حكومة الفلبين وجبهة تحرير مورو الإسلامية، وأخيرًا قامت بتجهيز طائرة خاصة لنقل العشرات من الأفغان العرب، وأسرهم من باكستان إلى ليبيا. 

  • ويسبق ذلك صمود ليبيا في وجه الحصار، وشعور الإسلاميين بوطء المحنة التي تتعرض لها بلادهم، مع انتعاش الحالة الإسلامية - نسبيًا - حيث تتمتع المساجد بشكل عام بنوع من الحرية أفضل بكثير من مثيلاتها في دول عربية وإسلامية مجاورة، إضافة إلى ابتعاد القذافي عن تناول القضايا الإسلامية الخلافية والمثيرة للجدل.

وسط هذه الأجواء المفعمة بالتفاؤل والاستبشار وإشعاعات الأمل، جاءت الأحكام بالإعدام لكل من الدكتور عبد الله أحمد عز الدين، أستاذ الهندسة النووية بجامعة الفاتح، والدكتور صالح محمد أبو حنك، أستاذ الكيمياء بجامعة قار يونس، إضافة لأحكام بالمؤبد لثلاث وسبعين من أعضاء الجماعة تمثل نخبة الكادر الإسلامي من الأكاديميين والتكنوقراط، وقد غطت قسوة الأحكام وشدتها على فرحة الإفراج عن قرابة خمسة وستين من المعتقلين المتهمين كذلك بالانتماء إلى الجماعة الإسلامية الليبية.

وقد تحركت بعض الأطراف الرسمية والإسلامية لتطويق الأزمة والتخفيف من حجم الصدمة على الشارع الإسلامي، والتأكيد على أن الأحكام لا تعني فشل مشروع الحوار والمصالحة، كما أنها لن تعطل استمرار الجهود للإفراج عن باقي المعتقلين، بغض النظر عن طبيعة أحكام الإعدام والمؤيد الصادرة ضدهم، عبر اللجوء إلى صيغ العفو الأخرى التي تمت في الماضي القريب حالات مشابهة لها.

جماعة الإخوان المسلمين الليبية

التاريخ والجذور

منذ نشأة حركة الإخوان المسلمين عام ١٩٢٨م بالإسماعيلية على يد الإمام حسن البناء والحركةتعمل لأن يكون لها امتداد يغطي الساحات العربية.. وقد كان للظروف الموضوعية التي رافقت نشأتها والقدرة الفائقة التي كان يتصف بها مؤسسها الإمامالبنا - رحمه الله - الأثر الكبير في تصاعد قوة الحركة، فقد استطاعت الحركة النفاذ والانتشار في العديد من الأقطار العربية، حتى أننا لا نكاد نعثر على حركة إسلامية أخرى لها التواصل نفسه والامتداد خارج قطرها الذي نشأت فيه كما هو حال «الإخوان المسلمين»... ويسبب الجوار الجغرافي مع مصر ولاتخاذ الليبيين - عادة - مصر كقاعدة متقدمة للعمل السياسي المنظم، بل وأحيانًا كثيرة المشاركة الثنائية بين المصريين والليبيين في تأسيس أحزاب ونواد سياسية كانت تخدم القضية الليبية عبر مختلف مراحل التاريخ الحديث لليبيا! وجدت حركة الإخوان المسلمين في هذه الظروف، وفي البنية الاجتماعية الليبية مناخًا مهيئًا لتحركها داخل ليبيا.. وكان أن انخرط العديد من الليبيين في صفوف الإخوان المسلمين حاملين أفكارها ومبادئها وساعين لتحقيق أهدافها، في إطار الرؤية الكلية للحركة (الأم) وتوجيهها.. وقد انخرط بعضهم - أيضًا - في معارك وصراعات الإخوان مع عبد الناصر في الستينيات كما اعتقل بعضهم وأدخل السجون المصرية.

ونظرًا لصعوبة العمل السياسي المعلن في ليبيا، فقد دخل الإخوان المسلمون في معارك سياسية ضد النظام القائم، وانخرط بعضهم مع بقية التنظيمات في أعمال استهدفت الضغط على النظام ومحاولة إسقاطه، ومع أن هذه الأعمال لم تتم تحت غطاء «الإخوان» أو شعاراتهم، إلا أنها تسببت في سجن العديد منهم والتضييق على البعض الآخر، أما ما يتعلق بأهداف ومقولات الحركة فهي لا تخرج عن السياق العام لحركة الإخوان المسلمين ويبدو أنه من الضروري التعرض هنا لبعض القضايا ذات المنحى الوطني وانعكاساتها الليبية، إذ بعد تجارب مريرة وتقييمات متعددة فإن الإخوان المسلمين حصروا دورهم في المعارضة بــــ «تعليم الشعب وتنبيهه للمفاهيم الإسلامية الصحيحة»، إذ إن تفشي ظاهرة الاستبداد - في اعتقادهم - يعود إلى تخلف الشعوب وعدم فهمها للعقيدة والدين، وإن البداية الصحيحة - من وجهة نظرهم - تقوم على قاعدة تحقيق الفهم الصحيح للعقيدة والدين ومتطلبات ذلك عمليًا... ولذلك فإن تركيزهم ظل ينصب على مسألة التعليم والتربية، وفيما يخص موقفهم من استخدام القوة ضد النظام القائم، فقد وجدوا بعد تقييمات خاصة وعامة أنه ليس لأسلوب العنف أي نتيجة فعلية أو إيجابية، وكانوا عادة ما يستحضرون تجارب أخرى أقل ما يقال عنها إنها فاشلة ومتسرعة، وتسببت في إلحاق الأذى بالمشروع الإسلامي، وأدخلت الأنظمة العربية في دوامة من الصراعات مع التيارات الإسلامية، تراكمت معها الأحقاد ورغبات القتل والانتقام.. وتكفي الإشارة إلى أرقام الضحايا الذين تجاوزوا مئات الآلاف بالجزائر دليلًا على ذلك.. من هنا، فإن مفهوم التغيير عندهم يقوم على قاعدتي التوعية والتعليم.. وظل الإخوان على مواقفهم الوطنية الثابتة تجاه بلدهم، ولم تمنعهم خلافاتهم مع النظام من التنديد بالحصار الغاشم ضد وطنهم منذ عام ۱۹۹۲م، يقول الشيخ عبد الله بوسن: «نحن ضد هذه المواقف التي تتخذها أمريكا والدولالغربية من ليبيا، ولم يعرف عنهم كذلك تشف أو شماتة جراء حملة الاستهداف التي تعرضت لها بلادهم».

أما عن السلطة ومطالبهم منها، فقد تحددت من خلال الدعوة لتحقيق الحرية وإنجاز دستور وقانون وضمان لأمن الليبيين كشروط أولية لفتح حوار معها... وقد ذكر الشيخ عبد الله بوسن، أن الوزير محمد المنقوش التقاه في عام ١٩٩٤م وطلب منه العودة إلى ليبيا لفتح حوار مع النظام، إلا أنه رفض ذلك، مؤكدًا ضرورة العمل بالشروط المذكورة آنفًا.. والآن يبدو أن الظروف قد تغيرت، إذا اتخذ جيل الشباب في الداخل منحى جديدًا لتعامله مع النظام يعتمد على مبدأ الحوار، ويدعو لطي صفحة الماضي وسلوك طريق المصالحة، خدمة للمصلحة الوطنية العليا، وتعزيزًا لجبهة الصمود القومي - الإسلامي فيمواجهة المخطط الصهيوني الاستعماري، ومظاهر الهيمنة والتغول الأمريكي بالمنطقة. 

وفيما يتعلق بالحالة الراهنة لحركة الإخوان المسلمين في ليبيا، فهي ذات حضور قوي وفاعل بالخارج، أما في الداخل فهي تراوح بين الضعف والسرية بسبب قسوة الملاحقة والرصد والتعذيب التي تعرضت لها الحركة خلال العقود الثلاثة الماضية، وكما هو معروف، فقد تأثر تنظيمها منذ السنوات الأولى لقيام الثورة الليبية عام ١٩٦٩م.. وبعد الثورة، اختلفت الاجتهادات والتوجهات، فبعضهم تصالح مع النظام الجديد، عسى أن يحقق بعض قناعاته من داخله، وبعضهم فضل الانسحاب من الحلبة، عندما احتدت المواجهة وطالت دون طائل، فيما أثر البعض الآخر اختيار المقاومة السلمية أو الخروج على الصف والالتحاق بالتنظيمات المسلحة لاحقًا، فيما حافظ بعضهم على هويته الأيديولوجية، وتبنى العمل الجبهوي كصيغة تعبوية ومرحلية.

الجماعة الإسلامية الليبية

في عام ١٩٧٩ م تم الإعلان عن تأسيس «الجماعة الإسلامية الليبية»، وهي جماعة تتبنى فكر «الإخوان المسلمين»، وتعبر عن نفسها من خلال خصوصيتها الليبية.. ولعل التسمية والنشأة ولدتا خارج ليبيا لوجود أعداد كبيرة من الطلبة الليبيين المبتعثين للدراسة في الولايات المتحدة وبريطانيا، وكانت البداية هي: إقامة علاقات اجتماعية وتنظيمية تهدف إلى الحفاظ على الهوية الإسلامية وحماية الشباب - أخلاقيًا - من السقوط في مستنقع الرذيلة والإباحية التي توفرها الثقافة الغربية بشكل عام. 

وكان هؤلاء الشباب يجدون في الملتقيات الإسلامية - كرابطة الطلبة المسلمين ورابطة الشباب المسلم العربي - فرصتهم في الحديث عن شؤون بلادهم، والمستقبل الذي يتطلعون إليه عند عودتهم، وبالرغم من طبيعة الإخوان المسلمين السلمية في تربية وإعداد الكوادر الإسلامية الحركية، واعتماد منهج السلف في الصبر واحتمال الأذى، والابتعاد عن أساليب الفظاظة، وغلظة القلب التي تدفع بالبعض للتهور والتطرف، وتجنب اللجوء للعنف في التعامل مع الخصوم، إلا أن بعض فصائل المعارضة (الوطنية) بدأت - منذ مطلع الثمانينيات فتح جبهة المواجهة الشاملة مع النظام، واستطاعت أن تصل إلى إقناع بعض الشباب الإسلامي بمشروعها، ونجحت في كسب تأييد ومناصرة بعض قياداتالجماعة.. وحاولت الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا بعد تأسيسها في أكتوبر ۱۹۸۱م، واختيار الدكتور المقريف ناطقًا رسميًا باسمها، ثم أمينًا عامًا لها، اختراق بعضصفوف الجماعة وتذويبها داخل مشروعها.. وقد ساعدت الخلفية الإسلامية للمقريف وبعض العناصر القيادية في جبهته، في تحقيق التفاف على جهود المعارضين من الجماعة الذين حاولوا منذ البداية التحذير من التعامل معه وحتى شرعوا بالتشكيك في توجهاته... ومضت فترة قبل أن تدرك هذه العناصر الإسلامية التي التحقت بالجبهة، أن هناك مخططات وارتباطات بجهات أجنبية، تتناكر بالكلية مع تطلعاتها وأهدافها ولها «أجندة»، خاصة لا تتفق  والمواقف الوطنية والقومية للجماعة الإسلامية الليبية... وقد حدثت فتنة بعد ذلك داخل الجماعة، ترتب عليها خروج بعض طاقاتها، لتشكيل فصيل آخر تحت اسم «الحركة الإسلامية – ليبيا» وقد عبر هذا الفصيل عن أفكاره من خلال مجلة «الشروق الإسلامي»، فيما بقيت الجماعة الإسلامية الليبية على نهجها السلمي، واتخذت من مجلة المسلم منبرًا لرؤيتها والتعبير عن أفكارها

وتوجهاتها. 

ويذكر الشيخ محمد بن غالي، أن سببالانفصال بين شباب الجماعة الإسلامية والشباب الذين استمروا تحت اسم الحركة، هو الاختلاف في تصور العلاقة بين الحركة والجبهة الوطنية على أسلوب التحرك مع بقاء الأهداف واحدة لا خلاف عليها.. وكان من المفترض أن تكون الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا واجهة وطنية لـــ «الحركة الإسلامية الليبية»، التي ضمت - كما ذكرنا - أعضاء من «الجماعة الإسلامية الليبية» وعناصر إسلامية من غير أعضاء الجماعة.. وعندما أعلنت الجبهة كفصيل مستقل وليس كواجهة للعمل الإسلامي، فاصلت الجماعة الإسلامية الجبهةوانسحبت من عضويتها، بينما استمرت بعض عناصر الحركة - من غير أعضاء الجماعة - ضمن صفوفها، ثم ترك بعضهم الجبهة الوطنية، وبقي البعض الآخر أعضاء فيها حتى الآن، وقد حدثت عدة انشقاقات داخل الجبهة بعد ذلك، لعل أبرزها كان في ١٦ مارس ١٩٩٤م، حيث تشكلت الحركة الليبية للتغيير والإصلاح التي كسبت إلى جانبها تعاطف بعض الأصوات الإسلامية وأصدرت مجلة شؤون ليبيا لحمل أفكارها، والتعبير عن قناعات أنصارها وتوجهاتهم السياسية.. ولا شك أن معظم هذه الحركات فقدت مصداقيته، كما أفلس بعضها جراء ارتهانها أو رهانها على دعم القوى الأجنبية وبعض الحكومات العربية التي أرادت تصفية حساباتها معالنظام في ليبيا عبر دعم هذه الاتجاهات والتيارات.

ويمكن القول: إن التيار الذي حافظ على قوته وزخمه هو «الإخوان المسلمون» أو الجماعة الإسلامية الليبية، حيث أعادت ترتيب أوضاعها في الخارج، وابتعدت عن أساليب التحريض والاستفزاز، ولم تلجأ للعنف في أي مواجهة مع النظام، وظلت على علاقاتها القوية مع التنظيمات الإسلامية (الإخوانية) تستلهم من تجاربها الدروس والعبر... وقد شجعت الجماعة الكثير من أنصارها بالخارج على العودة إلى ليبيا، وانتهاج أساليب العمل الدعوي السلمي، للارتقاء بالحالة الإسلامية، عبر المساحات والفضاءات المتاحة، وكانت ترى أن الزمن يعمل لصالحها، ولابد أن يكون الإصلاح والتبليغ من داخل الوطن لا عبر البيانات أو الإدانات التي توجه للنظام من الخارج ويتوجيهات أجنبية أحيانًا. 

ولعل هذه الممارسة الأخلاقية الراقية هي التي جعلت الجماعة الإسلامية تقبل على مشروع المصالحة والحوار بارتياح، واثقة من خطاها وتاريخها، ومطمئنة إلى أنمسيرتها في العمل الإسلامي داخل ليبيا وخارجها لن تشكل لها حرجًا، بسبب نيل أهدافها وطهارة أيديها، وابتعادها طوال تاريخها في الدعوة عن أي ارتباطات مشبوهة أو ممارسات صدامية عنفية خاطئة.

الأحداث والاعتقالات

جاءت الهجمة على الإسلاميين في ليبيا عام ١٩٩٥م، على إثر إعلان الجماعة الإسلامية المقاتلة، عن انطلاقة عملها المسلح المستقل، وقد أعطت هذه الأعمال المسلحة لعناصر الأمن المبرر للقيام بحملات اعتقال واسعة، طالت عناصر الجماعة الإسلامية الليبية، التي لم يعرف عنها أنها تميل أو تتبنى هذا الأسلوب أو تدعو إليه، وقد جاء في أحد بياناتها الصادرة في 4 يوليو ١٩٩٥م تحذير من مثل هذه الأساليب القمعية، التي تنتهجها بعض العناصر الأمنية، وطالبت بضرورة توخي الحكمة في التعامل مع ظاهرة التطرف المسلح، ومعالجة أسباب الظاهرة بدل التصعيد والمواجهة معها... وجاء في نص البيان: «إننا في الوقت الذي نؤمن فيه بأن منهجية العمل والتغيير الإسلامي واسعة ومستوعبة لجميع جوانب الإصلاح المختلفة وليست محصورة في أسلوب المواجهات المسلحة غير أننا على يقين من أن الأداء الاستفزازي الذي يواجه به النظام الشباب الإسلامي في دينهم وأشخاصهم؛ هو السبب الأساسي لإفراز هذا الأسلوب كردة فعل طبيعية ومتوقعة لهذاالشباب المتحمس لدينه والحريص عليه». 

ومع استمرار العنف المسلح الذي قامت به بعض التنظيمات التي تبنت عناوين إسلامية لنشاطها وعملياتها، توسعت حملة المداهمات والاعتقالات حتى طالت شباب الجماعة الإسلامية، برغم أنهم لم يتبنوا يومًا منهج العنف، ولا سلكوا طريقًا يمكن أن تهدر فيه الدماء تحت دعاوى الإصلاح والتغيير، تواصلًا مع الاستراتيجية العامة لجماعة الإخوان المسلمين التي تتبنى منهج التعامل مع الآخر، سواء أكان وطنيًا أمقوميًا، إسلاميًا أم علمانيًا بأسلوب الحوار وعقلية﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ (آل عمران : ٦٤).

ولكن يبدو أن عناصر الأمن في مسعاها للقضاء على العناصر المناهضة للنظام، لم تفرق بين هؤلاء وأولئك، وشرعت في اعتقال كل من له خلاف مع النظام أو يشتم منه رائحة معارضة له، بغض النظر عن شكل الطاقية التي يضعها على رأسه، وعليه بعد الاعتقال والسجن أن يثبت براءته - مما نسب إليه من اتهامات - إن استطاع إلى ذلك سبيلًا.

 ومن هنا، فقد طالت الاعتقالات العشوائية في عام ۱۹۹۸م معظم الكوادر الإسلامية المحسوبة على الجماعة الإسلامية الليبية، وهرب المئات - على إثر ذلك -خشية الملاحقة والاعتقال.

ولعل الأحكام التي صدرت مؤخرًا، كانت تخص هؤلاء الشباب، وإن كانت النتائج على غير ما توقع كل الذين أيدوا أسلوب الحوار مع النظام، واعتمدوا طريق المصالحة والتعايش منهجًا لإنهاء الخلافات والمشكلات مع القيادة السياسية في بلدهم، وبخاصة بعد مبادرةالسيد أبو زيد دورده يفتح باب الحوار مع المعارضة في الخارج، وتسهيل عودة البعض بعد تقديم الضمانات والتطمينات اللازمة لهم.

خاتمة وتعقيب

لاشك أن هذه الأحكام بالإعدام والمؤيد، سيتم النظر إليها لدى الكثير من منظمات حقوق الإنسان العربية والعالمية، على أنها تشكل انتهاكًا لحريات الإنسان الليبي، إذ ليس من المعقول، أن تصدر مثل هذه الأحكام القاسية لمجرد أن مجموعة من الشباب تراضت على تبني فهم خاص وسلوك معين ارتأته أقرب إلى منهج النبوة، ووضعت لنفسها إطارًا تنظيميًا، تحقق من خلاله واجبها في الدعوة والبلاغ، ولم يصدر عنها أي أعمال، تمس أمن البلاد، ولم يعرف عنها لجوؤها لأسلوب العنف، وتاريخها يشهد لها بأنها بعيدة كل البعد عن الغلو والتطرف وإن جريمتها هي وجودها في هذه الصيغة التنظيمية المغايرة لواقع العمل المسموح به داخل اللجان الثورية والمؤتمرات الشعبية، وإنها لذلك تبدو شكلًا حزبيًا عقوبته الإعدام، استنادًا لقانون تجريم الحزبية، حيث إن «من تحزب خان» ونحو ذلك، مع أنه ليس من المنطق أن يتفق الشعب كله على رؤية سياسية واحدة، أو أسلوب في الحكم، يعتقد القائمون عليه أنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه... ف المعارضة ليست دائمًا ظاهرة سلبية، بل هي في كثير من الأحيان تعبير عن حالة صحية، وليس هناك ما يعيب نظام أن يكون له معارضون، فهذا سيدفع للاجتهاد والتنافس والتطوير الدائم، بما يخدم مصلحة البلاد، ولكن ما يشين هو أن تغلق الأبواب، وتوصد منافذ الحوار ولا يسمح بها إلا من زاوية محددة وفي اتجاه واحد... أو أن يعطي البعض نفسه الحق في استهداف الآخرين، بدعوى التمكين لدين الله، ويشهر سلاح عصيانه ويبدأ المطاردة والقصاص، ليقيم حكم الله على بحر من الجثث والدماء.. إن الدولة لها حق الحفاظ على أمن البلاد وسلامتها، ولكن عليها كذلك واجب يلزمها بتضييق مساحات الخلاف والتدافع معها، ويتطلب منها أن تسعى دائمًا لكسب الأنصار والمؤيدين بالحجة والبيان، وأن تفتح أبوابها مشرعة لكل من يقبل عليها.. ولقد أسعدتني - وأنا أتصفح بعض إصدارات جمعية الدعوة الإسلامية - مراجعة الحوارات والأحاديث الدينية التي كان يديرها العقيد القذافي مع علماء وشخصيات إسلامية خلال أسفاره في القارة الإفريقية، وحتى في بعض مساجد ليبيا، وكنت أتسائل: لماذا لا يتم توفير لقاءات مشابهة مع شباب الجماعة الإسلامية حتى داخل السجون، بهدف التعرف إلى قضاياهم وهمومهم، والسعي لاستيعابهم؟ فهؤلاء الشباب هم من خيرة الكفاءات العلمية، التي درست وتأهلت في الدول الغربية، ومشهود لها بالانفتاح والاعتدال والوسطية.

إن المرء ليتخوف من حدوث نكسة لمشروع الحوار والمصالحة، والعودة من جديد إلى المربع الأول، حيث دوامة الاتهامات والمواجهات، وهي حالة لن تأتي بما ينفع ليبيا، ولن يرجى في ركابها الخير للمنطقة، وإن الحكمة تتطلب من حكماء الطرفين المزيد من الجهد، لبناء الثقة وإحسان الظن كي يتم تطويق ذيول هذه الأحكام وعقابي لها.

إن الكرة الآن في ملعب الدولة، وإن الجماعة الإسلامية ينطبق عليها المثل الليبي: «الملدوغ يتخيل الحبل ثعبان»، فأحكام الإعدام هذه لا تبقي - للأسف - مساحة للتخيل والتشكيك بأن هذا الحبل - إذا ما نصبت عليه المشنقة - لن يتحول إلى حية تسعى.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2057

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 2

189

الثلاثاء 24-مارس-1970

لم كل هذه الحرب؟