العنوان همسات في أذن امرأة مسلمة: الصحبة الصالحة
الكاتب ثناء أبو صالح
تاريخ النشر الثلاثاء 16-أغسطس-1988
مشاهدات 93
نشر في العدد 878
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 16-أغسطس-1988
قال تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
(النحل: 96)
اللقاء الثاني: معها أيضًا
رن جرس الباب بإلحاح.. فتحه صغيري ثم نادى: ماما.. زائرة لك.
أسرعت أُنظف يدي من مساحيق التنظيف، وهرعت يلفني العجب فما اعتدت زيارة دون موعد سابق.. وكانت هي هناك عند الباب، رحبت بها وانهالت كلمات الاعتذار من شفتيها: أنا آسفة.. جئتك دون موعد.. ولكن.. قاطعتها: لا عليك يا أختي.. تفضلي أهلا وسهلًا..
كانت هي.. صاحبة اللقاء الأول متشحة بالسواد دون زينة ما.. اختفت الألوان من الوجه وطلاء الأظافر وبدأت صبغة الشعر بالزوال فبانت خصلات الشعر الأسود في مقدمة الرأس.. عدت إلى الترحيب بها بعدما لاحظت ارتباكها.. قالت ببطء: أدرك كم أسبب لك من إحراج بهذه الزيارة غير المتوقعة.
- ولم الحرج يا أختي؟ صدقيني لا شيء من هذا القبيل.. يا أهلًا بك في أي وقت. بدأت الحروف تنساب بصعوبة من بين شفتيها، وأصابعها تعبث بسلسال الحقيبة ونظراتها في الأرض..
- لقد سألت عنك أم جهاد.. وهي من أعطتني عنوانك وأكدت لي أنك لن تتضايقي من زيارتي ولول من دون موعد.
أحسست بضيقها فانتقلت إلى جوارها، وأدرت وجهها إلي وقلت:
- ما بك؟ أين النظرة الواثقة؟ والبسمة المشرقة؟
غطت وجهها بكفيها وانطلقت في نشيج مفاجئ مكبوت، ربت على كتفها وقلت:
- يا أختي اذكري الله وأخبريني.. ماذا هناك؟ همست من بين دموعها: لقد.. مات ابني...
- إنا لله وإنا إليه راجعون.. عظم الله أجرك، وآجرك في مصيبتك وأخلف لك خيرًا منها.. متى حدث ذلك؟
- منذ شهور مضت، ومن يومها وصورتك لا تفارق خيالي.. أنا السبب.. أنا السبب!!
- ولم أنت السبب؟
وطفقت تتحدث بألم.. كلماتها كانت تخرج من بين شفتيها كنصال سكاكين تقطع قلبي.. لقد اعتادت أن تترك صغيرها بمفرده ليلًا في البيت، تطعمه وتذهب إلى سريره حتى إذا نام انطلقت في زياراتها التي لا تنتهي.. حتى كان ذلك اليوم الذي عادت فيه إلى منزلها لتجد الجيران قد اجتمعوا أمام العمارة وقد علت أصواتهم واختلطت فما عاد يفهم منها شيء.. وما إن أبصروا بها حتى هتفت إحدى جاراتها: ها هي.. وأسرعت نحوها مضطربة تتحدث وتشير بيديها معًا.. ولم تفهم منها شيئًا لكنها أدركت أن أمرًا خطيرًا قد وقع، وتوجهت نحو الجمع لتستطلعه وإذا بجارة أخرى تندفع إليها فتأخذها من ذراعها باتجاه العمارة وهي تردد: لا.. لا يمكنك أن تريه، أرجوكم احملوه من هنا.. أرجوكم..
أحست بقلبها يرتجف وإن لم تدرك كنه الامر بعد، وجذبت يدها من جارتها وهي تصيح: دعيني أرى ما يجري.. وأسرعت نحو الحشد وقبل أن يتمكن أحدهم من إيقافها رأته أمامها هناك.. وحيدها الصغير ملقى على وجهه وقد سالت الدماء من شفتيه وشخصت نظراته إلى السماء.. وارتمت فوق الجسد الصغير تهزه.. تعول وتصيح.. ولا فائدة.. فقد خمدت الحياة فيه وإلى الأبد.
لقد شعر الصغير يومها بخروجها ولم يكن قد استغرق في النوم بعد، ففتح النافذة وأطل منها يناديها فاختل وهوى من ارتفاع خمسة أدوار.. فكان أن لقي مصرعه.
أنهت روايتها.. لكن طوفان المشاعر الذي غمرني لم يكن قد انتهى بعد.. مزيج من المشاعر المتباينة: من الألم والغضب، من الرثاء والغيظ.. مشاعر جارفة كانت تصطرع داخلي.. وانتبهت إلى أنها كفت عن البكاء.. وتحلقت نظراتها بي وكأنها.. تنتظر حكمي.. وبصعوبة شديدة قلت لها: ذاك قدره يا أختي.
وبحزن غامر تابعت: ولكني السبب.
ولم املك الا ان اجيب: لعلك إلى حد ما مسؤولة عما حدث، ولكن لا تنسي أن تلك مشيئة الله، كان يمكن أن تكوني في البيت ويقع هذا الأمر.
وبأنين ودموع جديدة قالت: ليته وقع وأنا معه.. إذًا لما لمت نفسي ولا أحسست أني السبب..
- لكن لومك لنفسك وبهذه القسوة يدل على أنك أدركت مسؤوليتك، ولعل الله -سبحانه- أراد بك خيرًا حين.. وقاطعتني بدهشة: خيرًا؟! أمن الخير لي أن يموت وحيدي؟
- يا أختي نحن نحكم على الأمور بظواهرها لأننا لا نعلم الغيب ولا ندرك الحكمة فيما يقع من أمور، تأملي نفسك.. أنت الآن أقرب ما تكونين إلى ما يحب الله، مظهرك صار أفضل، وداخلك ملأه، الإحساس بالندم، ولعله امتلأ بأشياء أخرى أنت أدرى بها، ولكن ثقي أنه متى نما فينا الإحساس بالمسؤولية قمنا بعملنا على أتم وجه وفي كل مجال.. يا أختي، الله -سبحانه- أرحم بأنفسنا منا وأعلم، هو خالقنا ويدرك ما يصلح لنا.
- ولكني أحس قلبي يحترق، أحس جذوة نار تتقد فيه، كلما تخيلت منظره... قاطعتها: لا تسترسلي خلف الأحزان، حاولي أن تبعدي تلك الصورة عن مخيلتك، اشغلي نفسك بذكر الله، وابدئي حياتك من جديد.
- لكني لا أستطيع.
- يا أختي إنما هو ابتلاء فمن صبر ظفر، والله يبتلينا ليظهر صدق إيماننا وقوته، يبتلينا ليعيدنا إلى الطريق حين نشذ عنه، ولا تنسي عظم الأجر.. أما سعت حديثه -صلى الله عليه وسلم-: «إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول فماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة وسموه بيت الحمد».
- ولكن طريقة موته؟! لم اختار له الله هذه الميتة؟ لم يعذبه وهو يعد صغير؟
- استغفري الله يا أختي، فالله أرحم به منك، لكنه يجعل من آلامنا وآلام من نحب تكفيرًا لسيئاتنا وذنوبنا، فلتصبري ولتحتسبي وتذكري قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: 155).
واستمعي إلى قوله صلى الله عليه وسلم: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له» رفعت رأسها إلي وقالت: أعيديه بالله عليك، فلما أعدته صارت تردد بذهول: إن أصابته سراء شكر.. شكر.. وأنا لم أشكر الله كما يجب..
والتفتت إلي قائلة: أتذكرين لقاءنا السابق؟
- نعم ما زلت أذكره.
- ليتني استمعت إليك، ليتني صدقت أنك تريدين الخير لي وأنك... ترددت قليلًا ثم تابعت:
- لست غيرى.
- لا عليك يا أختي، فما زال الطريق أمامك واسعًا ممهدًا مفتوحًا حتى آخره.
- ماذا أفعل ليرضى الله عني؟
- تذكري قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ عليك بالقرآن والسنة، زني نفسك وتصرفاتك ومظهرك دائمًا بميزانهما، وستكونين كما يحب الله وكما يحب رسوله بإذن الله.
- وإن شق علي الطريق؟
- ستجدين في الصحبة الصالحة خير معين، بدلي من تزين لك السوء بأخت مخلصة محبة، وتذكري دائمًا: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ (الزخرف: 67) فالصديقة المخلصة هي من تخشى الله وتخافه في السر والعلن، من إذا نسيتِ ذكرتك، وإذا جهلت علمتك، وإذا أسأت نصحتك.
رفعت إلي وجهها مضيئًا مشرقًا تلوح في مقلتيه الدموع وسألت بهمس:
- أتكونين لي أختًا؟
وأجبت وأنا أشد على كتفيها: أنا لك أخت منذ زمن وليس الآن.
ورحلت بخواطري نحو الثانية، زميلة الدراسة التي أحببتها في الله وتمنيت لها دائمًا كل الخير- ورجوت الله مخلصة أن يهيئ لها من تبصرها الطريق، عسانا نلتقي في آخره بعدما باعدت بيننا الأيام.