; هموم إدارية طاقاتنا المعطلة والمهدرة.. والحصاد المر | مجلة المجتمع

العنوان هموم إدارية طاقاتنا المعطلة والمهدرة.. والحصاد المر

الكاتب د. حمدي شعيب

تاريخ النشر السبت 16-فبراير-2008

مشاهدات 60

نشر في العدد 1789

نشر في الصفحة 52

السبت 16-فبراير-2008


  • كيف نجيد مهارة التعامل مع الموارد البشرية؟
  •  التحفيز والتفويض والتدريب المستمر.. أهم عوامل تفجير الطاقات

عندما وضع الرسول صلى الله عليه وسلم هدفًا مرحليًا «تكتيكيًا»، وهو إقامة المجتمع المسلم في المدينة، وذلك على طريق الهدف البعيد «الاستراتيجي» وهو إقامة الدولة المسلمة والتمكين لدين الله في الأرض، كان من أهم وأبرز الأهداف المرحلية هو الهجرة إلى المدينة. وحتى يتحول هذا الهدف إلى واقع أو إنجاز ملموس، فقد وضع  صلى الله عليه وسلم لهذا الهدف خطة الهجرة والتي تميزت بكل الصفات الإدارية لأي خطة.

ومن المعلوم إداريًا أن الخطة هي التي تحول الهدف إلى إنجاز.

والخطة هي قائمة الأنشطة أو الإجراءات التي ستأخذك من حيث أنت إلى حيث تريد مستقبلًا.

توظيف الطاقات

لقد أعطى الحبيب صلى الله عليه وسلم درسًا عظيمًا في فنون توظيف الطاقات ومهارات استغلال كل الإمكانات المادية والبشرية المتاحة لتنفيذ خطته.

حيث قام صلى الله عليه وسلم بتكوين فريق للعمل لإنجاز خطة الهجرة ليتحمل مسؤولياته وينفذ تلك الإجراءات:

١- تأمين الرفقة: وكان الصديق رضي الله عنه هو المرشح لها.

٢- مسؤولية تأمين المعلومات والأخبار:والمسؤول هو عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما.

3- مسؤولية تأمين التغذية: وكانت المسؤولة أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها.

4- مسؤولية التمويه: وشارك فيها كل المسؤولين خاصة الراعي عامر بن فهيرة رضي الله عنه، الذي كان يمحو الآثار بغنمه، بل إن سراقة بن مالك رضي الله عنه مرة شارك فيها بعد فشل عملية المطاردة، ثم باتفاقه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يكون له الأمان ثم الحصول على سواري كسرى.

5- مسؤولية خريطة الطريق: وكان المسؤول عنها أحد الأدلاء الخبراء بالطرق وهو عبد الله بن أريقط الرجل المشرك!

وإذا تأملنا فريق عمل الهجرة، والمسؤولين عن تنفيذ إجراءات خطة الهجرة لوجدنا تلك الملامح الإدارية الذكية:

«أ» أن أسرة أبي بكر الصديق رضي الله عنه عالية كان لها الحظ الأوفر، مما يساعد على السرية.

«ب» كان فريق العمل منوع المهارات والاختصاصات بل والشخصيات فمنهم الرجل، ومنهم الفتى، ومنهم المرأة، ومنهم المسلم والمشرك.

«ج» أن كل مسؤول يعرف دوره، وما كلف به بدقة، فأداه في يسر وفي تنسيق وتعاون.

«د» كان يظلل الأداء سرية عظيمة.

«ه» كان كل فرد يستشعر عظم دوره حتى وإن قل!

فتمت بذلك خطة الهجرة بنجاح، وتحقق الهدف منها من خلال ما يعرف الآن إداريًا بـ«المؤسسية»..

ولم نسمع هذا الأسئلة الخالدة داخل بعض المؤسسات والقاتلة لأي خطط:

١- لم لا يوظفونني في مكاني؟!

2- لماذا يتجاهلون قدراتي؟!

3- من المسؤول عن الجهل بطاقاتي؟!

4- حتى متى سأظل أعاني من هذا الخنق النفسي؟!

5- أليس هذا هو القتل البطيء؟!

الحصاد المر!!

فإن لم تجب عن هذه الأسئلة فإن الحصاد المر هو أحد هذه الثلاثية الخطيرة:

1- الانسحاب:

فيؤثر الفرد السلامة وينزوي بعيدًا عن هؤلاء القادة الجاهلين بقدراته والمتجاهلين لإمكاناته.

٢- التمرد:

إذ يتمرد الفرد على واقعه وعلى رؤسائه فيبحث عن مجالات يجد فيها نفسه!!

ويبدأ مشواره الذاتي لتفجير طاقاته والبحث عن هويته!

3- الهروب الكبير:

وهو الأخطر حيث يهرب الفرد إلى من يفجر قدراته ويكتشف مواهبه.

وتدبر كيف أن عدم تطور ورقي الأتباع قد يعود إلى عدم صبر المربي وسرعة يأسه.

وتأمل كم تخسر المؤسسات من جراء عدم اكتشاف مواهب أفرادها؟!

فهذا أبو جعفر الطحاوي يقص علينا أنه كان يقرأ على المزني فقال له يومًا: والله لا أفلحت، فغضب وأنقل من عنده، وتفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة وصار إمامًا، فكان إذا درس وأجاب في المشكلات، يقول: رحم الله أبا إبراهيم لو كان حيًا ورآني كفر عن يمينه «القيادة: جاسم المهلهل».

مهارة التعامل

فكيف نجيد فن التعامل مع الموارد البشرية؟ أو ما المنهجية لمهارات التعامل مع الموارد البشرية؟ أو ما المنهجية التي تفجر الطاقات وتبرز المواهب؟

لقد ترك لنا صلى الله عليه وسلم منهجية محددة الخطوات في هذا الباب:

1- وضع الأهداف:

﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيۡرٞ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجۡعَلۡ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُمۡ رَدۡمًا﴾ (الكهف: 95)

يجب على القادة دومًا أن يضعوا نصب أعين الفريق هدفًا ما يسعون إلى تحقيقه ويسمونه إداريًا بنظرية «شعار قمة الجبل». ويوضع في كل مكان، وأعلى كل أركان المؤسسة، وهو أساس «نظرية الإدارة بالأهداف».

٢- التحفيز:

وتدبر الرأي الفاروقي: «عمير بن سعد نسيج وحده»، فعلى المسؤول أن يجيد فن التحفيز والتشجيع بأن يعرف فريقه جيدًا.ويقدم ما يحبونه، فيفعلهم.

3- التفويض:

منارة نبوية بارزة وهي قوله ﷺ ذات يوم لإحدى السائلات: «فإن لم تجديني فأت أبا بكر».

وهي مهارة التفويض أي إسناد المسؤولية والسلطة لشخص آخر كي يكمل عملًا بالنيابة عنك. ولتكن من أبرز هموم المسؤول التوريث أو بناء المساعد أو الخليفة، وتكوين الصف الثاني.

4- التوظيف والاختيار المناسب للطاقات:

وتأمل الأسلوب العمري الإداري الرائد: «من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبي بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني فإن الله قد جعلني خازنًا وقاسمًا». والقائد الفعال هو الذي يجيد فن  توزيع المهام، والتنسيق بين الطاقات، فكل ميسر لما خلق له.

5- التطوير المستمر والتدريب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جددوا إيمانكم».

قيل: يا رسول الله وكيف تجدد إيماننا؟ قال: «أكثروا من قول لا إله إلا الله» (مسند الإمام أحمد- مسند المكثرين- برقم ٨٣٥٣)، فعلى القائد دومًا أن يسعى ويجتهد في التطوير الذاتي، وتطوير الأفراد.

أمثلة واقعية

١- فريق عمل الهجرة: وذلك كما أوضحنا بالمقدمة!

٢- الإرشاد والتوجيه إلى الإيجابية، واستغلال الطاقات المهدرة:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلًا من الأنصار أتى النبي صلى الله عليه وسلم يَسْأَلُهُ فَقَالَ: «أَمَا فِي بيتك شيء؟، قَال: بَلَى، حَلْسٍ نَلْبَس بَعْضَهُ ونبسط بعضه وقعب نشرب فيه من الماء. قَالَ: ائتني بهما، قَالَ: فَأَتَاهُ بِهِمَا، فَأَخَذَهُمَا رسول الله صلى الله عليه وسلم بیده وقال: من يشتري هذين؟، قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدرهم، قَالَ: من يزيد على درهم مرتين أو ثلاثًا. قَالَ رجلٌ: أَنَا آَخُذُهُما بدرهمين، فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ وأخذ الدرهمين وأَعطاهما الأنصاري وَقَالَ: اشتر بأحدهما طعامًا فَانْبَذَهُ إِلَى أَهْلِك فآتني به.. فأتاه به واشتر بالآخر قدومًا فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عُودًا بِيَدِهِ: ثُمَّ قَالَ له: «اذْهَب فَاحْتَطَبْ وَبِعْ، وَلَا أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عشر يومًا. فذهب الرجل يحتطب ويبيع. فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ فَاشْتَرَى ببعضها ثوبًا وببعضها طَعَاماً، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: هذا خير لكَ مِنْ أَنْ تَجِيء المسألة نُكْتَةً فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تصلح إلا لثلاثة لذي فقر مدقع، أو لذي غرم مقطع، أو لذي دم موجع».. (أبو داود- كتاب الزكاة ۱۳۹۸).

3- الاعتماد على الذات، واستغلال العنصر البشري:

ولو تأملنا منهجية ذي القرنين أثناء الرحلة أو الجولة الثالثة: وهي رحلته إلى الجهة الشمالية: ﴿ثُمَّ أَتۡبَعَ سَبَبًا حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ بَيۡنَ ٱلسَّدَّيۡنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوۡمٗا لَّا يَكَادُونَ يَفۡقَهُونَ قَوۡلٗا قَالُواْ يَٰذَا ٱلۡقَرۡنَيۡنِ إِنَّ يَأۡجُوجَ وَمَأۡجُوجَ مُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَهَلۡ نَجۡعَلُ لَكَ خَرۡجًا عَلَىٰٓ أَن تَجۡعَلَ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَهُمۡ سَدّٗا قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيۡرٞ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجۡعَلۡ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُمۡ رَدۡمًا ءَاتُونِي زُبَرَ ٱلۡحَدِيدِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا سَاوَىٰ بَيۡنَ ٱلصَّدَفَيۡنِ قَالَ ٱنفُخُواْۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَعَلَهُۥ نَارٗا قَالَ ءَاتُونِيٓ أُفۡرِغۡ عَلَيۡهِ قِطۡرٗا فَمَا ٱسۡطَٰعُوٓاْ أَن يَظۡهَرُوهُ وَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ لَهُۥ نَقۡبٗا قَالَ هَٰذَا رَحۡمَةٞ مِّن رَّبِّيۖ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ رَبِّي جَعَلَهُۥ دَكَّآءَۖ وَكَانَ وَعۡدُ رَبِّي حَقّٗا﴾ (الكهف: 98:92).

لقد أخبر الحق سبحانه أن ذا القرنين استمر في فتوحاته مستغلًا الوسائل والإمكانات الجديدة، والمعطيات المستجدة.

ولعل أخطر ملمح نراه من خلال هذه الجولة خطة ذي القرنين لبعث هذه الأمة من وهدتها، ولقد جاءت هذه الخطة النهضوية الحضارية بكل معالمها وركائزها، حسب السياق القرآني المبدع، في آخر جولات ذي القرنين وأطولها في سياق القصة، وكأنها لمحة قرآنية معبرة، تبين أخطر قضايا مرحلة التمكين وهي عملية التغيير والنهوض الحضاري.

الرابط المختصر :