العنوان الدكتور عبد الغفار عزيز عضو مجلس الشعب المصري للمجتمع: هناك مخطط لإبعاد علماء الأزهر عن ممارسة العمل السياسي
الكاتب عبد الغفار عزيز
تاريخ النشر الثلاثاء 18-مارس-1986
مشاهدات 58
نشر في العدد 759
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 18-مارس-1986
● د. عبد الغفار عزیز:
● من الخيانة أن نترك الشيوعيين والملحدين يشرعون لبلاد المسلمين.
● أكثر من ٦٠ عضوًا برلمانيًا عن حزب الحكومة يتمنون السماح بحزب إسلامي.
● تمسك الإسلاميين بمبادئهم ومواقفهم في المجلس كان له أثر كبير في تصدع قوة الحزب الحاكم.
● أطالب علماء الأزهر أو القادرين منهم أن يخوضوا مجال الممارسة السياسية.
القاهرة: من مراسل المجتمع
منذ فترة ليست بالقصيرة، لم نسمع عن علماء أو أساتذة أو شيوخ من الأزهر الشريف، يمارسون العمل السياسي داخل مجلس الشعب، وخصوصًا داخل صفوف أحزاب المعارضة، وفي الانتخابات التي جرت في مايو ١٩٨٤ فاز الدكتور عبد الغفار محمد عزيز بعضوية البرلمان، نائبًا عن حزب الوفد المعارض، وهو في نفس الوقت أستاذ ورئيس لقسم الدعوة الإسلامية بجامعة الأزهر الشريف.. ترى ما هي الدوافع التي من أجلها خاض الدكتور عبد الغفار عزيز هذه التجربة، وما هو الجانب السياسي في حياته، وهل هناك قيود عليه فيما يسمى بالالتزام الحزبي، وما رأيه في موقف الحكومة المرفوض جماهيريًا من موضوع تطبيق الشريعة الإسلامية.. ونسأله كذلك عن أهم ما حققه الإسلاميون، وماذا عن مستقبل تطبيق الشريعة الإسلامية في مصر..
الإسلام دین شامل
● ما هي الدوافع التي من أجلها قررت دخول مجلس الشعب؟ وهل تحققت؟
▪ أنا أؤمن بأن الإسلام نظام كامل وشامل لكل نواحي الحياة، وأن هذا النظام يجب أن يتحقق في كل بلاد المسلمين، ومن الضروري أن أعيش هذه القضية نظريًا وعمليًا، ولا بد من أن أعمل من أجل الوصول إلى النظام الإسلامي من خلال المجلس التشريعي، حيث أرى أن الدعوة للإسلام والعمل من أجله يجب أن تستعمل كل الوسائل الممكنة والمُتاحة والمُباحة شرعًا، وأفضل هذه الوسائل في هذا العصر -ولا شك- أن أكون في موقف أو في موضع التشريع، على الأقل إن لم أستطع بشخصي أن أغير، فسيتم ذلك عن طريق التأثير في داخل المجلس، من خلال الاتصالات الشخصية، ومحاولات توضيح فضل النظام الإسلامي على النظم العالمية الأخرى.. وأعتقد أنني وصلت إلى كثير مما أبتغيه خلال هذه الفترة البسيطة «سنة ونصف» التي دخلت فيها مجلس الشعب.
بيان سياسي
● منذ فترة لم نسمع عن عالم أزهري، يمارس النيابة في البرلمان من داخل صفوف المعارضة.. ما هو تفسيرك لذلك؟
▪ هناك مخطط لإبعاد علماء الأزهر الشريف عن ممارسة العمل السياسي، وهو مخطط خارجي وداخلي أيضًا، خاصة أن الكل يعرف مدى تأثير علماء الدين في الناس، ولا شك أن هذا التأثير سيكون أكبر وأكبر وأخطر تأثيرًا، حين يكون هؤلاء العلماء يمارسون النيابة في البرلمان، أو العمل السياسي، ولهذا فكرنا «جماعة من علماء وأساتذة الأزهر» في ممارسة هذا العمل السياسي لخدمة الإسلام، في الدورة
الماضية، خاصة بعد أن وجدنا أن الذين يشرعون لبلادنا ليسوا على المستوى، من الناحية الدينية، بل لا نبالغ حين نقول إن كثيرًا منهم ينتمي إلى فكر يحارب الإسلام.
ووجدنا أنه من الخيانة أن نترك الشيوعيين والمُلحدين يشرعون لبلاد المسلمين، خاصة في مصر بلد الأزهر، بلد الإسلام، وهي زعيمة العالم الإسلامي بِحَق.. فاتفقت مع مجموعة من العلماء في جامعة الأزهر، في أن نَصِدر بيانًا نعلن فيه رغبتنا في ممارسة العمل السياسي من خلال البرلمان، ونطالب في هذا البيان رئيس الجمهورية بإلغاء شرط الانضمام للأحزاب حتى نكون بعيدين عن الشبهات، وعن الالتزام الحزبي الذي قد يتناقض أحيانًا مع معتقداتنا الإسلامية، وصدر هذا البيان، ووقعته أنا و۲۷ عضوًا من أعضاء هيئة التدريس من كليات جامعة الأزهر، وأحسست أن الانضمام للحزب الوطني الديمقراطي «الحاكم» لن يعطيني الحرية في انتقاد التصرفات التي لا أرضى عنها من جانب المسئولين، وأن العمل في صف المعارضة أفضل بكثير، وأعلنت بيني وبين الله تبارك وتعالى أن أقف دائمًا بجانب الحق أيًا كان أصحاب هذا الحق، وأن أرفض الباطل، أيًا كان أصحاب هذا الباطل، وألا ألتزم حزبيًا إلا بما أعتقده شخصيًا، ومن ناحية موضوع الشريعة الإسلامية أرفض تمامًا أن يكون هناك التزام حزبي بعدم المطالبة به، وهذا هو منهجي الذي أسير عليه حتى الآن.
وأنا أطالب علماء الأزهر، أو القادرين منهم أن يخوضوا مجال الممارسة السياسية الذي هو في هذا العصر يعتبر من أفضل الأعمال لخدمة الإسلام، من خلال المواقع التي يمكن منها إصدار القرار أو القانون الذي يمكن أن يخدم الإسلام.. كانت هناك موضوعات كثيرة لا نستطيع التحدث عنها، تحدثنا عنها داخل المجلس، وهناك مشكلات كثيرة تتعلق بالأزهر وغير الأزهر لم يسمع أحد عنها، إلا بعد دخول علماء الأزهر إلى مجلس الشعب.
خطة للقضاء على قوة الأزهر
● الناس تتساءل: لماذا لا نسمع للأزهر صوتًا في القضايا الهامة التي تؤثر في حياة الجماهير؟ ما هي أسباب ضعف الأزهر؟
▪ حقيقة إنه قد خطط، ومنذ زمن بعيد للقضاء على قوة الأزهر، وعلى هيمنته على الحياة الاجتماعية في مصر، وعلى التأثير الكبير لعلماء الأزهر في هذا المجتمع، وكان هذا هو السبب في ضعف الأزهر، أو إضعاف الأزهر.. وهذا الأمر ثبت أخيرًا باعتراف كثيرين ممن شاركوا فيما يسمى بقانون «تطوير الأزهر» الذي صدر ضمن القرارات الاشتراكية سنة ١٩٦١ والذي تسبب في ضياع الأزهر، وفقدان شخصيته تمامًا، وتسبب عنه أيضًا ضعف مستوى الخريجين إلى حد كبير، وهذه القضية تشغلني كثيرًا في مجلس الشعب، وأعلنت في أول كلمة ومن فوق منير المجلس، أنني ما دخلت هذه القاعة إلا من أجل إصلاح الأزهر، لأنني أرى أن إصلاح الأزهر هو إصلاح لحال المسلمين جميعًا، وإننا إذا أصلحنا الأزهر، يمكن أن نصلح بعد ذلك أمور المسلمين، والحقيقة أن الأزهر بعد صدور قانون التطوير لسنة ١٩٦١ الذي ألغى هيئة كبار العلماء، وأصبح شيخ الأزهر يعين تعيينًا مباشرًا بقرار من رئيس الجمهورية، وأصبح أعضاء مجمع البحوث الإسلامية يعينون بقرارات مباشرة من شيخ الأزهر، أصبح الأزهر فعلًا في سبات عميق، ولم يعد صوته هو الصوت المسموع، كما كان قبل ذلك، وانشغل علماء الأزهر بقضاياهم الخاصة ومشاكلهم الشخصية، وأصبح الأزهر الآن بالفعل بلا حراك، وقد قلتها مرة: أن الأزهر مات وأخشى أن يظل ميتًا إلى الأبد..
مساوئ تطوير الأزهر
أما عن أسباب ضعف الأزهر، فهي كما قلت، قانون تطوير الأزهر، الذي فتح الباب على مصراعيه أمام القبول في التعليم الأزهري، وأفسح المجال لقبول طلاب لم تقبلهم مدارس التعليم العام بالإضافة إلى المقررات الدراسية الكثيرة التي أُضيفت إلى التعليم الأزهري، حيث أصبح على طلاب الأزهر في التعليم الإعدادي والثانوي أن يدرسوا مقررات مضاعفة، يعني ضعف المقررات التي يدرسها نظراؤهم في التعليم العام، بالإضافة إلى أن هؤلاء الطلاب أنفسهم ضعاف أساسًا، وقد دخلوا إلى الأزهر بعد أن أُغلقت أبواب التعليم العام في وجوههم، ولذلك اضطر أساتذة الأزهر والمسئولون عنه إلى التسهيل في الامتحانات والتساهل معهم، ولم يعد هناك ضرورة لحفظ القرآن حيث أُلغى هذا الشرط الذي كان موجودًا قبل ذلك، ونظرًا لعدم إقبال الأعداد الكافية على المعاهد الأزهرية، اضطروا إلى التسامح بالنسبة للسِن، حتى وصل الأمر إلى حد قبول التلاميذ في العام الماضي في المعاهد الأزهرية في سِن 4,5 سنة، مع أن وزارة التربية والتعليم لا تقبل أقل من سِت سنوات.. ومع ضعف المناهج، وضعف الخريجين من المدرسين يصبح الأمر مصيبة، وقد تبنيت هذا الموضوع في مجلس الشعب وتحدثت فيه أكثر من مرة داعيًا إلى إعادة النظر في قانون تطوير الأزهر الذي صدر في عام 1961م.
● العالِم الأزهري الدكتور عبد الغفار عزيز.. هل يفيدك الالتزام الحزبي، باعتبارك عضوًا في حزب الوفد؟
▪ الحقيقة أن «الوفد» حتى الآن يلتزم بما اتفقنا معه عليه، خاصة فيما يتعلق بموضوع الشريعة الإسلامية، وقد صدر أخيرًا قرار بتعييني رئيسًا للجنة الشئون الدينية بحزب الوفد، وتم تشكيل اللجنة من أعضاء المجلس من الإخوان المسلمين ومن المهتمين بالقضايا الإسلامية، ونائب الرئيس هو الشيخ محمد المطراوي، ومقرر اللجنة الأستاذ محمد محفوظ حلمي وهو من الإخوان.. بل طالب رئيس الحزب أن يتبنى زعيم المعارضة باسم الحزب تقديم قوانين الشريعة الإسلامية التي كان قد انتهى من إعدادها مجمع البحوث الإسلامية، على أن يبدأ بالقوانين المدنية.. أما الالتزام الحزبي بالأمور الأخرى، فأعتقد أنه لا يوجد أي قيود على الأعضاء، صحيح أن هناك قدرًا من التفاهم أو الالتزام الحزبي في بعض الموضوعات العامة وهذا شيء لا بأس به.
مُنعت من الحديث في موضوع الشريعة
● ما هو انطباعك عن موقف الحكومة في قضية تطبيق الشريعة الإسلامية؟ وما هي رؤيتك للمستقبل في هذا الشأن؟
▪ موقف الحكومة فيما يتعلق بموضوع الشريعة، موقف غير طيب، وكان بإمكان الدولة أن تتقدم بهذه المشروعات، وأن تعرضها بنفسها للمجلس، وتوافق على كل القوانين التي انتهى المجلس السابق من تقنينها، خاصة وقد بذلت فيها جهود جبارة، وتشكلت لجان على أعلى مستوى من العلماء ومن القانونيين، ووصل عدد أعضاء هذه اللجان إلى أكثر من ١٠٥ أعضاء، وقد اطلعت بنفسى على هذه القوانين. فوجدت أنها ممتازة، وقد أرسل شيخ الأزهر خطابًا رسميًا في يوليو من العام الماضي، إلى رئيس مجلس الشعب، يطالبه فيه بعرض موضوعات القوانين التي انتهى المجلس السابق من إقرارها، وصدق عليها المجلس الأعلى للبحوث الإسلامية، ولكن كان للحكومة موقف في هذا الشأن، ولعل الجميع يعرف موقف رئيس المجلس من هذه القضية، حيث لم يسمح لنا بمناقشة هذا الموضوع، مع أننا كنا أصحاب فكرة التقدم بطلب لمناقشة هذا الموضوع في المجلس، وقد مُنعت أنا شخصيًا من الكلام في هذا الموضوع، برغم صفتي كأستاذ للدعوة الإسلامية، ومنع كثير من الإسلاميين من مناقشة موضوع الشريعة الإسلامية، وتم تأجيل المناقشة إلى قرب نهاية الدورة، وكان ذلك متعمدًا من الحكومة فعلًا. والذي أدى إلى تطور الأمور بعد ذلك حيث عقدت مؤتمرات عالمية، ومؤتمرات صحفية، وندوات في معظم المساجد في مصر.. ومع ذلك فنحن نأمل كثيرًا في الحكومة، ونرجو الله تبارك وتعالى أن يهديها هذا العام، خاصة وقد صممنا أيضًا على عدم التوقف، فجددنا مشروعات القوانين التي سقطت في الدورة الماضية، وشاركت مع عدد من أعضاء المجلس من نواب حزب الحكومة والعمل وفضيلة الشيخ صلاح أبو إسماعيل، وتقدمنا باسم الأحزاب جميعها، وجددناها أيضًا هذا العام، ونحن الآن بصدد التقدم بمشروع مناقشة قضية الشريعة الإسلامية مرة أخرى في هذا العام، لكن على أن تكون المناقشة موضوعها موعد وأسلوب تطبيق الشريعة، وأن تبدأ حتى بقانون واحد حتى تثبت حُسن النية.
أما رؤيتي للمستقبل، فالخير لا بد وأن ينتصر في النهاية، وصدق الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (الرعد: 17) وقد وجدت هذا العام حماس أعضاء المجلس من الحزب الحاكم أكثر من ذي قبل، وهم يتمسكون بهذا الموضوع أكثر من أي موضوع آخر.. وقد تحدثت مع كثيرين منهم فوافقوا جميعًا على أن يكونوا من أوائل الموقعين على المطالبة بتحديد موعد وأسلوب تطبيق الشريعة الإسلامية.
مستعدون للانضمام للحزب الإسلامي
● ماذا حقق النواب الإسلاميون في مجلس الشعب حتى الآن؟ هل هناك مشروعات قوانين تم إعدادها بالفعل لمناقشتها في هذه الدورة؟
▪ بعض الناس يتصور أن النواب الإسلاميين في مجلس الشعب لم يحققوا شيئًا حتى الآن، وهذا فهم خاطئ، فالحقيقة أنهم حققوا الكثير وكان لهم صوت يُسمع هنا وهناك، والحقيقة نقول أن الإسلاميين ليسوا فقط نواب جماعة الإخوان المسلمين، بل هم مندسون في كل الأحراب وعدد كبير، بل أقول ضخم من أعضاء الحزب الوطني أيضًا من الإسلاميين، وهم يؤيدون موضوع الشريعة الإسلامية في الرد في الخفاء.. والحكومة تعمل للإسلاميين ألف حساب، وأعتقد أنه لن يمر أي تشريع في المجلس يخالف الشريعة الإسلامية، حيث استطعنا أن نحصل على قرار بالفعل بأنه لا يصدر قانون من مجلس الشعب يخالف نصوص الشريعة الإسلامية، ونحن نقف لهذه القوانين بالمرصاد، ونفحصها فحصًا جيدًا، ونثبت للمجلس أن بعض هذه القوانين مُخالِف مما يدفع المجلس إلى تعديل أو ترك تلك القوانين.. ولو لم يكن للنواب الإسلاميين عمل في المجلس إلا هذا العمل، لكان ذلك كافيًا. والعِبرة ليست بالكثرة، وإنما قلة قليلة مؤمنة بما تدعو إليه، تستطيع أن تغيّر.. هذا شيء.. والشيء الآخر من وجهة نظري أن تمسك الإسلاميين بمبادئهم ومواقفهم في المجلس كان له أثر كبير في تصدع قوة الحزب الحاكم، واستطعنا فعلًا أن نستقطب عددًا كبيرًا من أعضاء الحزب الحاكم لصالحنا.. هذا بالإضافة إلى أن كثيرين من أعضاء الحزب الوطني يتمنون أنه لو أُلِف حزب إسلامي فينضمون إليه على الفور، وأعتقد أن هناك أكثر من ٦٠ عضوًا يمكنهم الانضمام إلى الحزب الإسلامي على الفور.
وهناك قوانين إسلامية ستعرض قريبًا على المجلس وأهمها من وجهة نظري، قانون بإلغاء قانون تطوير الأزهر الصادر في عام ١٩٦١ واستبدال قانون آخر مكانه، لأن هذا القانون هو السبب في تخلف الأزهر وكل مشكلاته الحالية..
▪ المجتمع: نشكر فضيلة الدكتور عبد الغفار عزيز وإلى الملتقى في مرة قادمة
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.