العنوان هنتنجتون: هيمنة الولايات المتحدة عزلتها عن الآخرين
الكاتب عامر الحسن
تاريخ النشر الثلاثاء 22-يونيو-1999
مشاهدات 62
نشر في العدد 1355
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 22-يونيو-1999
أفضل هدية تقدمها الولايات المتحدة للدكتاتوريين من أمثال صدام حسين وميلوسوفيتش أن تصفهم بأنهم يهددون الأمن العالمي.. فذلك يزيد رصيدهم
لو عاد ابن الشاه للحكم في طهران لتوترت العلاقات أيضًا مع الولايات المتحدة.. لأن الظروف تغيرت
بدأ واضحًا من التطورات السياسية العديدة في البلقان والشرق الأوسط، أن الولايات المتحدة لم تعد تحظى بتأييد دولي واسع لسياساتها مقارنة بما حصل في حرب تحرير الكويت في ۱۹۹۱م، ولم تعد هذه الحقيقة خافية على محللين سياسيين معروفين بولائهم لأمريكا وللحضارة الغربية بشكل عام مثل صمويل هنتنجتون، الذي تحدث في «صراع الحضارات» عن المتغيرات التي ستطرأ على العالم بعد انتهاء الحرب الباردة بنبرة فيها انتصار للحضارة الغربية على الحضارات الأخرى، بسبب ما لدى الغرب -على حد فهمه- من قيم تتعلق بالديمقراطية والليبرالية والحداثة وحقوق الإنسان.
وآثار مقاله ذاك جدلًا حادًا حفزه لبلورة نظريته في كتاب بعنوان: «صراع الحضارات وإعادة تركيب النظام العالمي»، لكن هنتنجتون يكتب، وفي نفس الدورية التي كتب بها مقاله الأول «فورين أفيرز» «عدد ۷۸»، عاد ليكتب مقالًا بعنوان «القوة العظمى المنعزلة»، يؤكد فيه أن الولايات المتحدة لن تستطيع الاستمرار في هيمنتها على العالم كما ظنت في أعقاب حرب الخليج، وأن قوى أخرى بدأت تظهر تدريجيًا وتعرقل مسيرتها في تحقيق سياساتها الدولية، مما سيجبرها على التعاون مع هذه القوى، وعدم الانفراد وحدها بالقرارات السياسية المهمة.
ومن القوى التي ستغير طبيعة «النظام العالمي الجديدة»: المحور الفرنسي– الألماني في أوروبا، وروسيا والصين واليابان في شرق آسيا، والهند في جنوب آسيا، وإيران في جنوب غرب آسيا، والبرازيل في أمريكا اللاتينية، وجنوب إفريقيا ونيجيريا في إفريقيا، وسينتج عن ذلك تحول من نظام أحادي الأقطاب بقيادة الولايات المتحدة، إلى نظام غير مستقر وقصير العمر، يجمع بين أحادية وتعددية الأقطاب، وهو ما نراه اليوم، دخولًا لنظام عالمي متعدد الأقطاب بحلول القرن الحادي والعشرين.
ويدلل هنتنجتون على رؤيته بأن السياسة الخارجية الأمريكية كانت تسعى للسيطرة على العالم من خلال تصدير قيمها الحضارية وهي: الديمقراطية، وحقوق الإنسان من المنظور الغربي، ومنع امتلاك أسلحة الدمار الشامل، وأي أسلحة تقليدية تنافس الأسلحة الأمريكية، وتصنيف الدول على أنها «صديقة» أو عدوانية، حسب المقاييس الأمريكية، وفرض الحظر الاقتصادي على من يتمرد على هذه التصنيفات، والترويج للمصالح التجارية الأمريكية عبر شعارات التجارة الحرة، والأسواق المفتوحة وسياسات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، والتدخل في الشؤون المحلية لبعض الدول والزامها بتبني سياسات اجتماعية واقتصادية تخدم المصالح الأمريكية الاقتصادية، والتشجيع على استهلاك المعدات العسكرية الأمريكية، والهيمنة على الأمم المتحدة من خلال قدرتها على إقالة أمينها العام «كما فعلت مع بطرس غالي»، وتوسيع حلف شمال الأطلسي «ناتو» ليشمل الدول الاشتراكية «سابقًا» وشن حملات عسكرية على دول «متمردة» بمعزل عن الأمم المتحدة مثل العراق ويوغسلافيا، لكن الواقع لم يحقق هذه الطموحات، وانحصرت قدرات الولايات المتحدة في الضغط على الدول «المتمردة» وتأديبها عبر الحصار الاقتصادي، والتدخل العسكري، وهي قدرات ضعيفة ومحدودة لأنها تحتاج في تطبيقها المعاونة دول أخرى: فالحصار الاقتصادي حتى يكون ناجحًا لا بُدَّ أن تطبقه الدول المجاورة للدولة «المتمردة» والتدخل العسكري كذلك –كما حصل في البلقان– يجب أن تتحمل تكاليفه دول أخرى، وفي المحصلة، فإن الولايات المتحدة تحتاج للآخرين مما يشير إلى أنها وإن تكن قوية، فإنها ليست القوة العظمى الوحيدة في العالم.
ويسود العالم شعور بالاستياء من هيمنة الولايات المتحدة المطلقة لدرجة أن أي دكتاتور يريد كسب تعاطف الرأي العام، يقوم باستعداء أمريكا عليه، كما يفعل صدام حسين وسلوبودان ميلوسوفيتش، وأفضل هدية تستطيع الولايات المتحدة أن تقدمها لهؤلاء الدكتاتوريين أن تصفهم بأنهم يهددون الأمن العالمي، لأن هذا سيزيد من رصيدهم في أعين شعوبهم، ليس بالضرورة لأنهم يحبونهم، ولكن لأنهم يقفون أمام أمريكا.
بين رغبات المجتمع الدولي ومصالح أمريكا القومية
كثيرًا ما تؤكد الولايات المتحدة أن خطواتها العسكرية والسياسية تعبر عن أهداف ومصالح «المجتمع الدولي»، من دون تحديد الهوية هذا المجتمع: هل يضم الصين أم روسيا؟ أم إيران؟ أم العالم العربي؟، أم دول جنوب شرق أسيا، أم إفريقيا؟، لأنه من المؤكد أن غالبية هذه الدول على الأقل لا تعتبر الولايات المتحدة المتحدث الرسمي عن مصالحها وأهدافها، بل إن العديد من القرارات السياسية للولايات المتحدة– استخدام القوة أحاديًا ضد العراق ويوغسلافيا وفرض الحصار على العراق وليبيا وإيران، وموقفها من اتفاقية الألغام، ومحاكمات مجرمي الحرب، والموقف من عملية السلام، وفرض الحصار الاقتصادي على ٣٥ دولة بين ۱۹۹۳ م و ١٩٩٦م- كل هذه عزلتها سياسيًا عن الآخرين، حتى أصبحت المعادلة الواقعية أن الولايات المتحدة على جانب، و«المجتمع الدولي» على الجانب المعاكس.
مؤتمر دولي..
وأكَّدَ على ذلك مؤتمر دولي انعقد في جامعة هارفارد في ۱۹۹۷م، وحضره متخصصون آسيويون من مختلف الدول، حيث أشاروا إلى أن ثلثي شعوب العالم من الصين وروسيا والهند والعرب والمسلمين والأفارقة، يعتبرون الولايات المتحدة، تمثل أكبر «خطر خارجي» على مجتمعاتهم، وقالوا: إنهم لا يعتبرون الولايات المتحدة خطرًا عسكريًا، وإنما خطرًا على سيادتهم واستقلالهم وحرية حركتهم، وأن الولايات المتحدة هي الوحيدة التي ترى في نفسها القدرة على قيادة العالم، أما خارجها، فإن العالم يراها قوة متغطرسة وشمولية في رغباتها، ووصفوها بنعوت مثل تتدخل في شؤون الآخرين المحلية، فردية، مستغلة، وتطبق معايير ازدواجية، وصاحبة إمبريالية ثقافية واقتصادية، وسياسة خارجية مرتبطة بمصالح داخلية، وقال مشارك هندي إن الولايات المتحدة لا تريد لأحد أن يجاريها عسكريًا وسياسيًا، وأن قوتها مبنية على الطمع والنفوذ، فيما قال مشارك روسي: إن الولايات المتحدة تفرض على الدول الأخرى أن يتعاونوا معها بالقوة والتهديد، وليس عن طريق القناعة بجدوى قراراتها، وقال مشارك صيني: إن الولايات المتحدة تسعى لتفتيت دول المناطق القوية التي من شأنها أن تنافسها في مجالات الصناعة والتطور التكنولوجي، وقال مشارك عربي: إن العرب يرون أمريكا قوة شيطانية، فيما اعتبر اليابانيون أمريكا الخطر الثاني عليهم بعد كوريا الشمالية.
ویرى هنتنجتون أنه في ظل الحرب الباردة كان بعض الدول يقبل الولايات التحدث باسمها ضمن ظروف المواجهة مع القطب الثاني وهو الاتحاد السوفييتي، أما اليوم وفي ظل نظام يجمع بين القوة الأمريكية وعدة قوى مناوئة، فإن أحدًا لا يقبل أن تتكلم أمريكا باسمه ولا أن تتدخل في شؤونه، ويضيف أن إيران في خصام مستمر مع الولايات المتحدة، لأنها لا تريد أن ترى لأمريكا وجودًا في منطقة الخليج والولايات المتحدة في صراع مع إيران بسبب الثورة الإسلامية، إلا أنه لو لم تندلع الثورة، ولو جاء ابن الشاة للحكم اليوم لتوترت العلاقات أيضًا، لأن الظروف تغيرت ولأن الرغبة في رؤية وجود أقل للولايات المتحدة، لم تعد رؤية دولة إسلامية فقط، وإنما رؤية دول علمانية وفي بعض الأحيان حليفة لأمريكا.
استفزاز..
ويرى أيضًا أن هيمنة الولايات المتحدة بصورة مستفزة، يحفز الدول الأخرى إلى تكوين تحالفات لمواجهة هذه الهيمنة، كما حصل ويحصل بين الصين والهند والصين وروسيا وألمانيا وفرنسا وبين دول الاتحاد الأوروبي، فيما يتعلق بعملة «اليورو» التي من شأنها أن تنافس الدولار، لكن التحالفات المضادة للولايات المتحدة، ستظهر مقابلها تحالفات لصالح الولايات المتحدة وسيكون من أسباب ذلك، أن دولًا ستظل ترى منافع اقتصادية «مساعدات خارجية– معونات أمريكية، قنوات للسوق الدولية» وعسكرية «كما لإسرائيل» من وراء علاقتها مع الولايات المتحدة، كما ستحتاج في نزاعاتها الإقليمية للاستناد لقوة مثل قوة الولايات المتحدة، بدلًا من الوقوف ضدها، لكن بمرور الوقت، وبسبب انحسار القوة الأمريكية لعوامل داخلية، كما حصل للإمبراطوريات السابقة ستبدأ هذه الدول بالابتعاد عن الولايات المتحدة لتراجع فوائد التحالف معها.
وتدرك الولايات المتحدة أنها لن تستطيع الاستمرار كقوة عظمى وحدها لفترة طويلة، ولذلك تقوم بعدة مناورات سياسية مع دول أخرى للحفاظ على مركزها من جانب ولمنع هيمنة قوى إقليمية أو دولية أخرى، وهو ما يفسر تحالفات أمريكا العسكرية مع اليابان في مواجهة الصين، وعلاقتها الخاصة مع بريطانيا في مواجهة الاتحاد الأوروبي، وتحالفاتها مع أوكرانيا في مواجهة التوسع الروسي، ومع الأرجنتين في مواجهة البرازيل، وبدرجة أو بأخرى مع باكستان المواجهة الهند، لكن هنتنجتون –وهنا يعود لموضوع صراع الحضارات– يقول إن الولايات المتحدة ستجد صعوبة مستقبلًا في التفاهم مع هذه الدول الحليفة لاختلاف الحضارات والثقافات السياسية التي تجعل التقارب بين الإثنين أمرًا عسيرًا، خاصة بين دول مثل اليابان وكوريا الشمالية وباكستان مقارنة بالأرجنتين واليابان وأوكرانيا على أساس من تباعد أو تقارب الحضارات.
تداعيات تغير النظام العالمي بالنسبة للولايات المتحدة
سيفرض تغير النظام العالمي الجديد على الولايات المتحدة أن تعيد ترتيب أوراقها على ضوء وتداعيات الظروف الجديدة وتتوقف أولًا عن التصرف وكأنها القوة العظمى الوحيدة في المعادلة، وسيعني ذلك أنه سيتوجب على أمريكا أن تبدأ في إقامة علاقات تحالفية مع قوى إقليمية ولا تبقى منعزلة عن الآخرين بحجة عدم احتياجها لأحد.
وثانيًا: أن يتوقف الرؤساء والقادة الأمريكيون عن الزعم بوجود علاقة طبيعية وتلقائية بين مصالح أمريكا وبين القيم التي يجب أن تسود وتحكم الآخرين، لأن هذه ليست حقيقة، بل مدعاة لخلق المزيد من الاستفزاز والكراهية للولايات المتحدة.
وثالثًا: أن تستفيد من فرصة كونها القوة العظمى الآن في تكييف سياسات الآخرين في حل مشكلات دولية بما لا يتناقض مع مصالحها الاستراتيجية الخاصة.
ورابعًا: أن تعزز من تفاهمها مع ألمانيا كقوة حقيقية داخل الاتحاد الأوروبي، وكنوع من أنواع موازنة القوى بين فرنسا وبريطانيا.
ويقول إن الولايات المتحدة ينبغي أن تتوقف عن التفكير في كونها «شرطي العالم»، لأن هذه النظرة ربما كانت صحيحة في أعقاب طرد صدام حسين من الكويت، لكن وقوف الصين وروسيا وفرنسا ضد استخدام القوة العسكرية ضد العراق فيما بعد أثبت أن هذه الظروف انتهت، وهذا يحتم على أمريكا أن تقيم تحالفات مع القوى الإقليمية، ثم تترك لها مسؤولية إدارة الأزمات الإقليمية في مناطقها، فليس هناك من داع لأن تتدخل أمريكا لحل كل أزمة إذا كان بالإمكان حلها محليًا، ولاسيما إذا كانت هذه المناطق ذات صبغة حضارية وثقافية مختلفة عن الصبغة الغربية للولايات المتحدة، وهذا من شأنه أن يخفف مسؤولية إدارة العالم على الولايات المتحدة، فيما يتعلق بالتكاليف العسكرية والبشرية، مع إمكان الحفاظ على مستوى قوة عظمى بين الدول الأخرى من غير عزلة أو كراهية كما هو حاصل اليوم.