العنوان هندسة التأثير.. عشرية التوجيه الأمثل
الكاتب د. علي الحمادي
تاريخ النشر السبت 12-يوليو-2008
مشاهدات 54
نشر في العدد 1810
نشر في الصفحة 58
السبت 12-يوليو-2008
أتعجب كثيرا ممن يريد أن يترك بصماته النافعة المرضية لله تعالى في هذه الحياة كيف يقع بعضهم في -التطرف والغلو تجاه المال؟
إذ تجد البعض يطلقونه طلاقًا بأننا لا رجعة فيه، ویکفرون به کفرا يخرجه من ملة العقلاء والمصلحين، وفي المقابل تجد آخرين يكادون يعبدونه من دون الله تعالى ويهيمون في حبه، حتى إنك لو شققت عن قلوبهم فلن تجد إلا درهما أو دينارا أو ماركا ودولارا!!
وإليك الآن عشر وصايا متصلة بالمال أظنها مهمة لعشاق التأثير وصناع الحياة، وهي كما يلي:
ادع الله تعالى أن يرزقك الرزق الواسع الحلال واستعن به وتوكل عليه، واعلم أن الأرزاق بيده جل جلاله وأنه يرزق من يشاء بغير حساب.
عن عمر بن الخطاب قال سمعت رسول الله ﷺ يقول لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا. (رواه الترمذي).
وصدق القائل إذ يقول:
لا تخضعن المخلوق على طمع فإن ذلك نقص منك في الدين
لن يقدر العبد أن يعطيك خردلة إلا بإذن الذي سواك من طين
واسترزق الله مما في خزائنه فإن الرزق بين الكاف والنون.
ابتعد عن الكسب الحرام مهما كان يسره وبريقه، واحذر المعاصي فإنها ممحقة لبركة المال، واستغفر الله إن وقعت بها، وتذكر دائمًا قول الله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * يُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾(نوح: 10- 12)
اعلم أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة، وأن الحصول على المال يحتاج إلى جد واجتهاد وإلى بذل وسهر، وكذلك إلى قدر مدروس من الجرأة والمخاطرة، فمن لم يركب الأهوال لم ينل الآمال.
خاطر بنفسك كي تصيب غنيمة إن الجلوس مع العيال قبيح
وتذكر كذلك قول القائل:
حب السلامة يثني عزم صاحبه عن المعالي ويغري المرء بالكسل
واحذر أن تكون كما قال أبو الخير الكاتب الواسطي:
جرى قلم القضاء بما يكون فسيان التحرك والسكون
جنون منك أن تسعى الرزق ويرزق في غشاوته الجنين
-احذر التهور في جمع المال والمخاطرة غير المدروسة في كسبه، واحرص على استشارة التجار وأهل المال وأصحاب الخبرة وفرسان هذا الميدان قبل أن تقدم على مشروع تجاري كبير، فكم من أناس تهوروا في هذا المضمار فعاشوا طوال حياتهم في هم وغم، وبعضهم فر من الناس واختلى من الحياة، فلم تعد ترى لهم أثرا أو تسمع لهم ركزا.
ومن أمن الآفات عُجبا برأيه أحاطت به الآفات من حيث يجهل
اقتنص الفرص والثغرات الموجودة في واقع الناس وعالم التجارة غرب فرصة تأتيك (دونما تعب) تقفز بك إلى قمة الثراء، ولو فرطت فيها لعضضت أصابع الندم!
فهذا أحد الأمريكيين لما استخرج تذكرة سفر له تأمل في أغلفة أو حافظات التذاكر، فقال، لم لا أضع إعلانات على هذه الأغلفة، وبالفعل اتفق مع شركات الطيران أن يقدم لهم حافظات (أغلفة) للتذاكر مجانا شريطة وضع إعلانات على هذه الأغلفة، وكانت النتيجة هي ربح للجميع (شركات الطيران والشركات التجارية، وصاحب هذه الفكرة)، وحصل صاحب هذه الفكرة على مبالغ كبيرة باقتناصه لهذه الفرصة.
إذا درت نياقك فاحتلبها فما تدري الفصيل لمن يكون
وان هبت رياحك فاغتنمها فإن لكل خافقة سكون
ولا تغفل عن الإحسان فيها فما تدري السكون متى يكون
استثمر مهاراتك وخبراتك وقدراتك وتجاربك وإمكاناتك، فهذه هي رأسمالك التي يمكنك أن تنطلق منها وتبدأ بها، وهي أقصر طريق إلى النجاح لذا فاحذر ان تخوض مجالًا لا تفهم فيه شيئًا، فإن ذلك أقصر طريق إلى الفشل والضياع.
استثمر أموال الآخرين، واستفد من جهودهم وعقولهم، فما لا تستطيع تحقيقه بمالك يمكنك الاستعانة على ذلك بأموال الآخرين.
كن فطنا ذكيا واعيا، وافهم طبيعة السوق، واحذر أن تتعامل معه ب «دروشة»، ولا تثق كثيرا بكلام المتعاملين في السوق، وإنما قدم الحذر الإيجابي، واكتب كل معاملة، وكن واضحا دقيقا في كل أمورك إذ كم من المشكلات الكبيرة التي حدثت بين الأقارب، بل وحدثت بين الصالحين، بسبب عدم مراعاة ذلك.. من أجل ذلك أنزل الله تعالى آية الديْن بين فيها كيفية تجنب الوقوع في الخلافات والمشكلات التي قد تقع بين المتعاملين، يقول الله تعالى، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ۚ فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ۚ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ۚ وَلَا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰ أَجَلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا ۖ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ۗ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ۚ وَإِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾(البقرة: 282).
إن استطعت أن تجعل استثمارك المالي متوافقًا مع مشروعك التأثيري فلا تتردد في ذلك إذ إنك بذلك تكون قد اختصرت المسافة وضربت عصفورين بحجر واحد، فمثلًا إذا أردت التأثير الإعلامي فيحسن بك أن تستثمر في مشروع متعلق بالإعلام.
كن ذكيا في إنفاق المال، واحرص على تركيزه وتوجيهه فيما يخدم مشروعك التأثيري النافع، خاصة وأن مالك قد لا يسعفك في فعل كل شيء، وصدق الشاعر إذ يقول:
وكان المال يأتينا فكنا نبذره وليس لنا عقول
فلما أن تولى المال عنا عقلنا حين ليس لنا فضول.
(*) المشرف العام على موقع إسلام تايم الإلكتروني