العنوان هندسة التأثير: فلسنا بطير مهيض الجناح
الكاتب د. علي الحمادي
تاريخ النشر السبت 23-يونيو-2007
مشاهدات 87
نشر في العدد 1757
نشر في الصفحة 56
السبت 23-يونيو-2007
عاشت أمتنا منذ زمن بعيد مصائب ومحنًا عديدة، وتوالت عليها الضربات من كل حدب وصوب.. هذه الأمة المسكينة التي يراد لها ألا تصاغ صياغة تنهض بها من واقعها المرير وتواجه بها ما يخطط لها؛ ولذلك أصبحت أمة لا هدف لها ولا توجه محددًا عندها ولا سياسة واضحة لديها، فالدول الإسلامية لا تجيش الجيوش ولا القلوب ولا العقول من أجل قضية، بل تعوم في بحر من القضايا والآلآم والمصائب وهي في حالة سكر وغيبة وعي.
فإلى متى تستباح هذه الأمة وتنتهك حرماتها، ويقتل أبناؤها، وتهان كرامتها، ولا تجد حراكًا من قبل الدول العربية والإسلامية، وكأن الأمر لا يعنيها؟ إلى متى تستهين الدول الكبرى بما يسمى بـ«الشرعية الدولية» فلا تقيم لها وزنًا، في حين نتشبث بها حتى في قتال بعضنا بعضًا، وفي التعاون مع أعدائنا لقتال إخواننا أو للتضييق عليهم؟ وما فلسطين والعراق عنا ببعيدتين:
أقول من التعتب ليت شعري *** أأيقاظ أمية أم نيـــــــــام!
فإن كانوا لحينهمو نيامًا *** فقل قوموا فقد حان القيام
إن الله -تعالى- كما جعل لأعدائنا عقولًا يمكرون بها، فقد جعل لنا أيضًا عقولًا يمكننا أن نمكر بها، وإذا كان أعداء الإسلام يملكون ما لا نملك من الإمكانات المادية، فإن الأمة الإسلامية تملك ما هو أجدى من ذلك وأنفع، وهي الإمكانات البشرية والعقول التي أثارها الله بالإيمان، وقبل هذا وذاك تملك معية الله ووعده الحق الذي يقول فيه -سبحانه وتعالى-: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7)
قد تفرجت الدول الإسلامية منذ زمن على ضرب فلسطين والعراق وأفغانستان وغيرها، وقدمت بعض الدول العربية والإسلامية الدعم المادي واللوجستي للأمريكان، وأصيب المسلمون بانتكاسة كبيرة جراء هذه الأحداث، وهنا لنا عدة وقفات أظن علينا التذكير بها، وهي:
1- أن على المسلمين أن يثقوا بنصر الله تعالى وصدق الله تعالى إذ يقول: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: 105).
٢- أن الضعيف لا يبقى ضعيفًا طول حياته، وأن القوى لا تدوم قوته أبد الآبدين: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ, وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (القصص:5- 6).
3- على المسلمين أن يراجعوا علاقتهم بالله تعالى، ويبتعدوا عن المعاصي، ويعقدوا صلحًا مع الله عز وجل، إذ لا تكون الهزيمة إلا بذنب، وصدق الله -تعالى- إذ يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (الشورى: 30)
4- أن العقلاء هم الذين يحولون المشكلة إلى فرصة، ويجعلون الفشل سبيلًا للنجاح، إذ لا يجوز الاستسلام، كما أن الأيام دول، فمن سره زمن ساءته أزمان، لذا ينبغي الحذر من الانكسار المعنوي والهزيمة النفسية واليأس والإحباط إذ إنه: ﴿لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (يوسف: 87).
5- الأيام حبلى بالمفاجآت، وأزمة فلسطين وأفغانستان والعراق ليست آخر أزمات المسلمين، لذا ينبغي الاستعداد لهذه المفاجآت، وتوطين النفس على ضرورة مواجهتها.
6- لقد شربت هذه الأمة كؤوس الذل والهوان لما تقاعست عن الجهاد، والعجيب أن عبادة الجهاد ماضية لم تتوقف منذ بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
إن صلاح الدين لما أراد تحرير بيت المقدس لم يأت بالراقصين والراقصات ولا بالمطربين والمطربات ولا بالمنكتين والمنكتات، بل رفض أن يبتسم، وأمر الجيوش فتجهزت، ولبس لباس الحرب، وأمر الخطباء والوعاظ أن يجيشوا عقول الناس وقلوبهم، فاهتزت المنابر، واشتاقت القلوب للجهاد والاستشهاد، وأصبح للناس هدف واحد وتوجه واحد؛ فكانت النتيجة عز الإسلام بتحرير بيت المقدس.
7- لا بد من الوقوف مع إخواننا المسلمين في كل مكان ودعمهم ماديًا ومعنويًا للخروج من محنهم فالمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا.
8- على الأمة (حكومات وشعوبًا) أن ترمم جراحها، وأن تستفيد من هذه الأحداث، وتتعظ من هذه الأزمات، وذلك بالاستعداد وامتلاك عناصر القوة وإدراك أن أعداءنا لا تحركهم إلا مصالحهم، وأنهم على استعداد لتدميرنا عندما يكون في ذلك مصلحتهم، وأنهم لا يرقبون في مؤمن إلًا ولا ذمة، كما أن صمام الأمان في الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، ثم في الالتصاق بالشعوب وإعطائهم حقوقهم، والاستماع إلى نصائح العقلاء منهم والحذر من التجبر عليهم؛ إذ إن مصير الظالمين دائمًا وأبدًا إلى هلاك، وهذه سنة من سنن الله في خلقه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل