العنوان هندسة التأثير ... لا يصلح إلا الرجل المكيث
الكاتب د. علي الحمادي
تاريخ النشر السبت 25-ديسمبر-2010
مشاهدات 61
نشر في العدد 1932
نشر في الصفحة 46
السبت 25-ديسمبر-2010
يقع بعض الناس في مصيدة بعض الماكرين وأحيانا في مصيدة بعض الأصحاب، الذين يحاولون دائما الإثارة وربما الاستغفال والاستدراج.
إن كل إنسان لديه ندماء وأصحاب مقربون ولربما اتخذ أحدهم قرارات مصيرية في جلسة واحدة نتيجة تأثير هؤلاء الندماء، لا سيما إذا كانوا أصحاب حجة وحلاوة في اللسان. كما يقوم بعض الأعداء بإثارة أو استدراج أعدائهم لتحقيق أهداف رسموها بدقة.
في عام ١٣ هـ، وقبل معركة «الجسر»، التي وقعت بين المسلمين والفرس، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأبي عبيد بن مسعود الثقفي: «اسمع من أصحاب رسول الله ﷺ، وأشركهم في الأمر ولا تجتهد مسرعًا حتى تتبين ولا يمنعني أن أؤمر سليط بن قيس إلا سرعته إلى الحرب، وفي التسرع إلى الحرب ضياع الأعراب، فإنه لا يصلح إلا الرجل المكيث «أي: المتأني».
انطلق أبو عبيد بجيشه، ولما وصل إلى نهر الفرات، بعث إليه «بهمن جاذوية» قائد الفرس قائلا: إما أن تعبر النهر إلينا وندعكم والعبور وإما أن تدعونا نعبر إليكم، فنهى الناس أبا عبيد عن العبور ونهاه سليط بن قيس أيضا، فلج وترك الرأي والمشورة وقال أبو عبيد : لا يكونوا أجرأ على الموت منا، فعبر إليهم على جسر، واقتتل المسلمون مع الفرس، وكان مع الفرس فيلة، فلما رأتها خيل المسلمين جفلت، فترجل المسلمون ثم قطعوا بطائن الفيلة وقتلوا من فيها ، وقام أبو عبيد إلى فيل فقطع خرطومه، ولكن الفيل ضرب أبا عبيد بيده ثم وطأه فلما رآه المسلمون تحت الفيل ضعفت هممهم.
وتتابع على أخذ اللواء سبعة مسلمين من ثقيف فقاتلوا حتى الشهادة، ثم أخذ اللواء المثنى بن حارثة الشيباني، ولكن بعد أن ذهبت ريح المسلمين وتراجعوا إلى الجسر إلى ضفة الفرات الغربية.
ولما رأى عبد الله بن مرثد الثقفي ما لقي أبو عبيد وخلفاؤه وما يصنع الناس «التراجع إلى الجسر» بادرهم إلى الجسر فقطعه، كي لا يتراجع أحد، وقال: «يا أيها الناس موتوا على ما مات عليه أمراؤكم أو تظفروا». فغرق كثير من المسلمين في النهر، وأخذوا يتدافعون في الفرات، فقام المثنى وقال: «أيها الناس على هيئتكم فإني واقف على فم الجسر لا أجوزه حتى يبقى منكم أحد هنا»، ثم عقدوا الجسر وعبر الناس وكان آخرهم سليط بن قيس، وجرح المثنى، وقتل أربعة آلاف مسلم وستة آلاف فارسي.
اقتص المسلمون بعد ذلك في معركة البويب «نهر في الكوفة» بقيادة المثنى بن حارثة، حيث التقى المثنى بجيش الفرس بقيادة مهران فقال مهران للمثنى: إما أن تعبر إلينا وإما أن نعبر إليك فقال المثنى اعبروا إلينا، فعبر مهران، وهزم الفرس وتسارعوا إلى الجسر المعقود فوق البويب، ولكن المثنى سبقهم إليه فقطعه، فتفرق الفرس، فلحقت بهم خيل المسلمين، وسمي هذا اليوم يوم الأعشار فقد أحصي مائة رجل مسلم قتل كل رجل منهم عشرة من الفرس.
هذه الحادثة وغيرها من الحوادث التي امتلأت بها بطون الكتب وعايشها الناس في واقعهم تجعلنا نوصي ألا يتخذ الإنسان قرارًا ولا حكما ولا رأيا وهو في حالة غضب، وألا يتسرع في اتخاذ قراره، وأن يبتعد عن الإثارة.
ولقد عاتب الله تعالى داود عليه السلام على استعجاله في الجواب وتأثير أحد الشركاء على قراره ورأيه، وذلك لما جاءته الملائكة بصورة رجلين متخاصمين بعد أن تسلقا سور مصلاه ونزلوا إليه فقال تعالى:
﴿ وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (24) ﴾ (سورة ص: آية رقم 20:24)
ولما جاء أحد الجنود إلى القائد المسلم النعمان بن مقرن يستحثه على القتال ويستثيره ويستعجله فقال له النعمان: «نريد بالمكث ما تريد بالحث».
ومن أمثلة الاستعجال في العصر الحديث ما صدر عن الكيان الصهيوني يوم أن قرر طرد أربعمائة فلسطيني في ديسمبر «۱۹۹۲م» «المبعدين»؛ حيث كان قرارًا متعجلا غير مدروس، وكانت سلبياته على الكيان الصهيوني أكثر من إيجابياته، وكان ذلك بسبب التسرع الناجم عن الإثارة والاستدراج بعد أن قتل الفلسطينيون الجندي الصهيوني.
لذا نؤكد هذا المعنى المهم قائلين: «في التأني السلامة، وفي العجلة الندامة».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل