العنوان التعود على حل المشاكل (10)
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 31-مايو-1988
مشاهدات 61
نشر في العدد 868
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 31-مايو-1988
لا بد للداعية من صفاء كامل في نفسه وسلوكه قبل البدء بالممارسة في مساعدة الغير وحل مشاكلهم.
في العدد الماضي ناقش فضيلة الشيخ جاسم مهلهل الياسين في الأسلوبين الخامس والسادس قضيتي تقوية القول بالعمل وممارسة التخطيط والسياسات. وفي هذا العدد يتابع دراسته متحدثًا عن التعود على العمل في حل المشاكل:
• هذا أمر يحتاج إلى صبر واستمرار فيه ليتم الوصول كما قال النعمان بن مقرن: "ونحن نرجو في المكث مثل الذي نرجو في الحث... رويدًا رويدًا ترى أمرك" (9). فالمهم أن يكون هناك نمو وزيادة في اليوم الذي يعيشه القائد كما قال ابن القيم رحمه الله: "إذا مر بي يوم ولم أستفد هدى ولم أكتسب علمًا فما ذلك من عمري" (10).
ومنهجه في هذا السير منهج المجاهد الذي صوره الإمام حسن البنا في قوله: "وأستطيع أن أصور المجاهد شخصًا قد أعد عدته، وأخذ أهبته، وملك عليه الفكر فيما هو فيه نواحي نفسه وجوانب قلبه، فهو دائم التفكير، عظيم الاهتمام، على قدم الاستعداد أبدًا، إن دُعي أجاب وإن نودي لبى، غدوه ورواحه، حديثه وكلامه، جده ولعبه لا يتعدى الميدان الذي أعد نفسه له، ولا يتناول سوى المهمة التي وقف عليها حياته وإرادته يجاهد في سبيلها، تقرأ في قسمات وجهه وترى في بريق عينيه وتسمع في فلتات لسانه، ما يدلك على ما يضطرم به قلبه، من جوى لاصق، وألم دفين، وما تفيض به نفسه من عزمة صادقة وهمة عالية، وغاية بعيدة."
• أما المجاهد الذي ينام ملء جفنيه ويأكل ملء ماضغيه، ويضحك ملء شدقيه ويقضي وقته لاهيًا لاعبًا عابثًا، فهيهات أن يكون من الفائزين أو يُكتب من عداد المجاهدين.
• وهذا التدرب يستلزم القيام به عند بداية الطريق حتى تتم الاستفادة لذلك أنشدوا:
إن الغصون إذا قومتها اعتدلت ** ولن تلين إذا قومتها الخشب فالتدرب الذي ذكرنا بعضًا من قواعده يستلزم منا أن نذكر له قاعدة التدرب وهي التأني قال صلى الله عليه وسلم: «ما أراد الله بأهل بيت خيرًا إلا أدخل عليهم الرفق، ولا أراد بهم شرًا إلا أدخل عليهم الخرق» (11).
وأنشد القطامي:
قد يدرك المتأني بعض حاجته ** وقد يكون مع المستعجل الزلل
• والتأني مدعاة للاستفادة من أوقات إقبال القلب قال عبد الله بن مسعود: "إن للقلوب شهوة وإقبالًا، وفترة وإدبارًا فخذوها عند شهواتها"، ولكي تُقبل القلوب لا بد لها من ترويح تستعيد بعده القوة والاندفاع.
قال أبو الدرداء: "إني لأستجم قلبي بشيء من اللهو ليكون أقوى لي على الحق"، وهذا هو مذهب عمر بن عبد العزيز من بعده حيث دخل عليه ابنه عبد الملك وهو في نوم الضحى فقال: يا أبت إنك لنائم، وإن أصحاب الحوائج لراكدون ببابك، فقال: "يا بني إن نفسي مطيتي وإن حملت عليها فوق الجهد قطعتها."
• والقائد المتأني يستطيع أن يقول نعم أو لا ويتحمل مسؤولية الكلمة؛ لأنها نتجت بروية ودراسة وبهذا قيل:
إذا قلت في شيء نعم فأتمه ** فإن نعم دين على الحر واجب وإلا فقل لا تسترح وترح بها ** لئلا يقول الناس إنك كاذب (13)
وهذه الدقة في الإجابة عنوان النبوغ والرجالة يعرفها أصحاب الملاحظة. روي أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما جلس لأخذ البيعة على الناس والبراءة من علي رضي الله عنه فقال رجل من المبايعين: يا أمير المؤمنين: "إنا نطيع أحياءكم ولا نبرأ من موتاكم." فالتفت معاوية إلى المغيرة بن شعبة، فقال: "رجل فاستوص به خيرًا" (14).
. الأسلوب السابع:
• يعمل القائد على أن يتعود على النظرة الكلية دون التفاصيل الجزئية، فيضع المعضلات في حجمها الطبيعي ويربطها بمصادرها ويقوم بمواجهة المسؤولية، واتخاذ الخطوات اللازمة والقرارات المناسبة في الوقت المناسب حسب ما يمليه الموقف. وهكذا القادة في الأمة الإسلامية، فصلاح الدين كان يجلس في مجلس عام في يومي الإثنين والخميس من كل أسبوع ويحضر معه الفقهاء والقضاة والعلماء، ويفتح الباب للمتخاصمين والمظلومين، وينظر في قضاياهم، ويرفع الظلم عنهم، وما استغاث إليه أحد إلا أجابه، وكشف ظلامته (15).
• وحل المشاكل يحتاج من القائد إلى الحكمة التي تقتضي معرفة الحق والعمل به والإصابة في القول والعمل، وهذا يستلزم فعل ما ينبغي على الوجه الذي ينبغي في الوقت الذي ينبغي، وهذا لا يكون إلا بفهم القرآن والفقه في شرائع الإسلام وحقائق الإيمان (16) فكما قيل: "ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشر، ولكنه الذي يعرف خير الشرين" (17) فقد يكون من المهاجرين الذين يهجرون السيئات، ولكن ليس من المجاهدين الذين يجاهدون في إزالتها (18).
• والمجاهد قد يتعرض لسوء من الآخرين أو من نفسه، فلذا لا بد من الممارسة والتعود قال أبو حازم: "عود نفسك على الصبر على السوء فإنه لا يزال يخطئك." فالتعود والتدرب ومعرفة الأمور المحيطة في المشكلة من الأسباب المعينة على حل الصعاب، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية." نعم ولذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم أعرف الأمة بالإسلام وتفاصيله وأبوابه وطرقه، وأشد الناس رغبة فيه ومحبة له، وجهادًا لأعدائه، وتكلمًا بإعلائه وتحذيرًا من خلافه لكمال علمهم بضده (19).
• فالقائد وهو يعمل على حل المشاكل يلزمه مشاورة غيره من الثقات المجربين، فهذا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يقول: "والله إني لأشتري ليلة من ليالي عبد الله (20) بألف دينار من بيت المال". فقالوا: يا أمير المؤمنين تقول هذا مع تحريك وشدة تحفظك؟ فقال: "أين يذهب بكم؟ والله إني لأعود برأيه وبنصيحته وبهدايته على بيت مال المسلمين بألوف وألوف إن في المحادثة تلقيحًا للعقل وترويحًا للقلب وتسريحًا للهم، وتنقيحًا للأدب" (21).
• ومن الآفات النفسية التي تعتري القائد في حله للمشاكل وسوسة الشيطان له، بأنه لا بد قبل البدء بالممارسة في مساعدة الغير وحل مشاكلهم من صفاء كامل في نفسه وسلوكه، وهذا الوهم سبيل لعدم التحرك، قال سعيد بن جبير: "لو كان المرء لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر." وعندما سمع الإمام مالك هذا القول قال: "صدق ومن هذا الذي ليس فيه شيء" (22). وعن هذه الآفة قال ابن القيم رحمه الله: "لقد ود الشيطان أن يظفر من الناس ببعض هذا ومثله" (23).
فالقائد يأتي إليه الناس ليجدوا عنده الحل لمشاكلهم، والسلوى لهمومهم، يقول ابن القيم رحمه الله عن ذهابه لشيخه ابن تيمية رحمه الله: "كنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون وضاقت بنا الأرض أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله وينقلب انشراحًا وقوة ويقينًا وطمأنينة."
• وحل المشاكل يحتاج إلى صفة العدل التي وصفها محمد بن كعب القرطبي لعمر بن عبد العزيز بقوله: "كن لصغير الناس أبًا ولكبيرهم ابنًا، وللمثل منهم أخًا وللنساء كذلك، وعاقب الناس بقدر ذنوبهم وعلى قدر احتمالهم" (24).
________________________________________
. الهوامش:
(9) فتوح الشرق لأحمد عادل كمال 239.
(10) مفتاح دار السعادة 186/1.
(11) حسن البنا يتحدث إلى شباب العالم ص 7.
(12) ديوان القطامي 135 عن بهجة المجالس 362/1.
(13) بهجة المجالس 329/1.
(14) نفس المرجع 342/1.
(15) النجوم الزاهرة 6/10، العز بن عبد السلام للدكتور عبد الله بن إبراهيم الوهيبي 29.
(16) تهذيب مدارج السالكين لابن القيم بتهذيب عبد المنعم الصالح 488.
(17) بهجة المجالس 535/2.
(18) المنطلق، محمد أحمد الراشد 206.
(19) مفتاح دار السعادة 195/2.
(20) يريد عبد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود.
(21) رسالة المسترشدين ص 61.
(22) تلبيس إبليس لابن القيم ص 166.
(23) بهجة المجالس 344/1.
(24) بهجة المجالس 344/1.