; هوامش حول حجم ودور الإخوان في الثورة المصرية (1).. لم يستخدموا أي شعارات خاصة, ولم يرفعوا إلا راية مصر | مجلة المجتمع

العنوان هوامش حول حجم ودور الإخوان في الثورة المصرية (1).. لم يستخدموا أي شعارات خاصة, ولم يرفعوا إلا راية مصر

الكاتب صلاح عبدالمقصود

تاريخ النشر السبت 05-مارس-2011

مشاهدات 78

نشر في العدد 1942

نشر في الصفحة 30

السبت 05-مارس-2011

  • الدعوة إلى الثورة بدأها شباب الـ«فيسبوك» بمن فيهم شباب الإخوان, وقررت قيادة الجماعة المشاركة رغم التهديدات الأمنية التي سبقت الثورة بثلاثة أيام.
  • لماذا استدعت فروع جهاز أمن الدولة بالمحافظات الإخوان إن كانوا قرروا عدم النزول إلى الشارع؟ ولِمَ هددوهم؟ وهل استكان الإخوان لهذه التهديدات؟!
  • المرشد العام «بيان ٢٣ يناير»: لن نكون أبدا إلا وسط الشعب, نعمل من أجل حريته وكرامته ونسعى معه في كل الأنشطة التي تقرب ساعة الحرية.
  • الأمن فشل في عزل الجماهير عن الإخوان ولم يستطع الاستفراد بهم كما كان يفعل من قبل.
  • النظام تعامل مع الثورة بغباء منقطع النظير وترك الملف في يد جهاز الأمن الذي لا يعرف إلا لغة القوة.

تناولت بعض الأقلام الصحفية والتقارير الإعلامية الإخوان المسلمين ودورهم في الثورة المصرية؛ حيث ذهب بعضهم إلى تقديرات تتسم بالتهويل أو التهوين، واتهم البعض الآخر الإخوان بأنهم يحاولون ركوب الثورة وتوجيهها لمصالحهم، في حين ادعى بعضهم أن الإخوان لم يشاركوا في الدعوة إلى الثورة ولم يخرجوا بأعداد كبيرة في أيامها الأولى، خصوصا يوم انطلاقها في ٢٥ يناير، ويوم «جمعة الغضب» ٢٨ يناير.

والحقيقة: إن هذه الكتابات وتلك التقارير المغرضة هي التي دعتني للكتابة في هذا الموضوع؛ شهادة لله ثم التاريخ, وليعذرني الإخوان فيما سأكتبه، ربما لحرصهم على إنكار الذات، أو التواضع في الحديث عن دورهم وما قدموه في هذه الثورة طمعًا فيما عند الله لا ما عند الناس، فالحديث في هذا الموضوع جد مهم، خصوصًا بعد نجاح الثورة؛ حيث بدأ الكثيرون يدعون أدوارًا وبطولات ومواقف لا أساس لها من الصحة، وصدق من قال: إن النجاح له مائة صاحب، أما الفشل فلا صاحب له!

ولعلنا شاهدنا جميعًا ذلك التحول الذي طرأ على الصحافة والتلفزيون في مصر، وكيف أصبح كثير من الكتاب الذين كانوا يهاجمون الثورة، ويصفون الثوار بأنهم قلة مأجورة، أو شباب مخدوع بشعارات براقة، أو جماعات لها أجندات خارجية نجحت في جذب آلاف الشباب العاطلين عن العمل وأنها تعطي كل واحد منهم وجبة «كنتاكي» ومائة دولار!

هؤلاء الكتاب اليوم غيروا جلودهم وتحولوا بقدرة قادر إلى مؤيدين للثورة مسبحين بحمدها، واصفين شبابها بالأبرار والأطهار والثوار الذين غيروا وجه مصر، وصنعوا ثورة عظيمة لم يشهد التاريخ لها مثيلًا لكن بعض هؤلاء استكثروا على الإخوان أن يكونوا جزءًا مؤثرًا وقويًا في هذه الثورة، حسدًا من عند أنفسهم، وإفرازًا لحقد دفين، يأبى إلا أن يهمش دور الإخوان مستغلًا تواضعهم وتأكيدهم أن الثورة شارك فيها كل المصريين بكافة أطيافهم وأجيالهم. 

وإزاء محاولات التشكيك أو التقليل من دور الإخوان، سأحاول أن أشير في نقاط سريعة إلى هذا الدور وحجمه بما يتناسب مع المقام، لا أهدف إلا لإحقاق الحق والرد على الافتراءات والأكاذيب التي ساقها بعض الناس، وسار في ركابها البعض الآخر. 

الدعوة إلى الثورة

بدأت الدعوة إلى التظاهرات المطالبة بالإصلاح على مواقع التواصل الاجتماعي وعبر الشباب الذي ينتمي بعضهم إلى حركات احتجاجية وتيارات سياسية، ومنها الإخوان المسلمون، وبعضهم لا ينتمي إلى أى تيارات, بل يمكن تسميتهم بناشطي الإنترنت.

هؤلاء الشباب هم أول من أطلق الدعوة عبر مواقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» للتظاهر يوم الثلاثاء ٢٥ يناير، الموافق لعيد الشرطة، ودعوا

الشعب المصري بما فيه الأحزاب والقوى السياسية للمشاركة, بعضهم أعلن تأييده للدعوة والمشاركة فيها، والبعض الآخر لم يعلن تجاوبه معها، بل كان رد فعل بعضهم هو السخرية أو الرفض ومثال ذلك التصريحات الرافضة التي أطلقها رئيس حزب التجمع اليساري رفعت السعيد، قائلًا: إن التظاهر في يوم عيد الشرطة عمل غير لائق، والخروج في هذا اليوم الذي نعتبره عيدًا للشعب وليس للشرطة وحدها عمل يخالف التقاليد المصرية ويتسم بقلة الذوق.

موقف الإخوان

إذا أردنا توضيح رد فعل الإخوان، فقد كان مؤيدًا ومعلنًا للمشاركة، سواء من قيادة الإخوان «المرشد وأعضاء المكتب»، أو الإخوان المشاركين في منظمات المجتمع المدني كالنقابات والجامعات و«البرلمان الشعبي» الذي يشارك فيه النواب السابقون للإخوان الأمر الذي سبب إزعاجًا كبيرًا للنظام, وقام جهاز أمن الدولة باستدعاء بعض القيادات ومسؤولي الإخوان في المحافظات قبل موعد التظاهرات بثلاثة أيام لثنيهم عن الخروج وتهديدهم إذا ما شارك الإخوان بالاعتقال وتحويل المظاهرات إلى دماء والتلويح بمحاكمات عسكرية لبعض القيادات…….

وفي يوم ٢٣ يناير، أصدر د. محمد بديع المرشد العام للإخوان المسلمين بيانًا حول استدعاء قيادات الإخوان وتهديدهم إذا شاركوا في المظاهرات، قال فيه: «إن  الإخوان المسلمين وهم يتابعون ما يجري على الساحة الدولية والإقليمية والداخلية وعلى أثر أحداث تونس، ورغبة في الحفاظ على أمن الوطن واستقراره، وعلى أرواح المواطنين وممتلكات الشعب ومكانة مصر، قد أصدروا بيانًا واضحًا بمتطلبات الإصلاح الحقيقي السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وكيفية تحقيق احترام حقوق الشعب ومحاربة الفساد ومحاسبة الفاسدين، وهذه هي المطالب الوطنية التي تكفل تحقيق الحريات والاستقرار والأمن لمنع الفوضى التي يحذر منها الجميع».

وتابع المرشد العام: «فوجئنا برد فعل متعجل يخلو من الحكمة والكياسة، وينبئ عن الإصرار على بقاء النظام في ذات الموقع الذي يدعم الاستبداد والفساد وإرهاب الدولة وذلك باستدعاء مسؤولي الإخوان المسلمين بالمحافظات وتهديدهم بالبطش والاعتقال والمواجهة العنيفة، وربما الدامية في حالة النزول إلى الشارع لإعلان هذه المطالب الشعبية».

وأضاف: «إننا نعلن رفضنا للتهديدات والإرهاب، ونؤكد أن ملف الجماعة ملف سياسي، ولا ينبغي أن يكون بيد الأمن، فإن كان هناك من يريد أن يتحاور مع الأمة ونحن من نسيجها وموجودون ومنتشرون ومتجذرون فيها لبحث وسائل الإصلاح ومنهج التغيير لكي نخرج جميعًا من الأزمة والمأزق الذي يعيش فيه الناس والوطن فنحن على أتم استعداد لذلك، بل ندعو إلى حوار وطني شامل لكل القوى والاتجاهات والأحزاب والحركات السياسية والممثلين لكل فئات الشعب.

وأكد المرشد في بيانه قائلًا: «لا يتصور عاقل أن أسلوب التهديد والوعيد يمكن أن يخيفنا لأننا نعمل لله من أجل تحقيق مصلحة الأمة، ومن يعمل لله لا يخيفه شيء لأنه يخاف الله وحده». 

واختتم المرشد العام بيانه بدعوته الشعب إلى تضافر الجهود والتعاون من أجل الإصلاح بقوله: «هذا هو موقفنا ونداؤنا إلى الأمة بأسرها، ويد بيد وساعد بساعد نبني المستقبل العادل الآمن لهذا الوطن، ولو كره المفسدون ولن نكون أبدًا إلا وسط الشعب نشارکه همومه وأماله ونعمل من أجل تحقيق حريته وكرامته، ونسعى معه في كل الأنشطة التي تقرّب ساعة الحرية، وإن غدًا لناظره قريب».

انطلاق الثورة

وفي صباح يوم الثلاثاء ٢٥ يناير، ومع نسمات هوائه الباردة انطلقت المظاهرات في القاهرة وبعض المحافظات، بضعة آلاف هنا، وبضعة آلاف هناك، معظمها من الشباب المصري الذين تداعوا عبر الإنترنت ومعهم شباب الإخوان ونواب البرلمان من الإخوان وغيرهم من أعضاء ما يُعرف بـ«البرلمان الشعبي» الذي يضم النواب السابقين الذين أسقطهم النظام بالتزوير، إضافة إلى نشطاء النقابات المهنية ومنظمات المجتمع المدني. 

وكانت التوصية للإخوان هي التعاون مع كل المصريين وعدم التمايز بشعار أو هتاف أو لافتة ولا يُرفع إلا علم مصر، ولا يهتف إلا بالهتافات التي تعبّر عن الجميع، وتحمل مطالب الشعب لا مطالب فئة أو جماعة. 

ونجح الإخوان في الاختبار، وساعد هذا التكتيك في جذب الثوار الذين كانت أعدادهم أضعاف أعداد الإخوان, ولم ينجح الأمن في عزل الجماهير الغفيرة عن الإخوان، كما فشل في الاستفراد بالإخوان لضربهم وحدهم كما كان يفعل من قبل إذ لم يعد بإمكانه تمييز الإخوان عن غيرهم.

إرهاب أمني

حاولت الأجهزة الأمنية تفريق هذه المظاهرات بالتعويق تارة، وبالمنع تارة أخرى، وبدأت ترهب المتظاهرين باعتقال المئات واحتجازهم في سيارات الشرطة، وطالت هذه الاعتقالات الصحفيين الذين كانوا يشاركون الشباب تظاهراتهم أمام نقابة الصحفيين، حيث اعتقلت أجهزة الأمن عشرة صحفيين على رأسهـم الكاتب الصحفي «محمد عبد القدوس» رئيس لجنة الحريات بالنقابة إضافة إلى مائتين وعشرين شابًا.

لم تؤثر الاعتقالات على زخم المظاهرات بل زادته اشتعالا ، وبدأت الأعداد في تزايد مستمر إلى أن وصلت ذروتها عصر هذا اليوم، وخصوصا في «ميدان التحرير» بالقاهرة وشارع الكورنيش بالإسكندرية إضافة إلى بعض الميادين والشوارع الكبرى في العديد من المحافظات؛ حيث ساعد استمرار المظاهرات وعدم توقفها لساعات على انضمام أعداد جديدة كل ساعة. 

ولا شك أن الثورة التونسية كانت ملهمة للثوار بأن النصر مع الصبر، وأن النظام سيضعف أمام الصمود, احتشد المتظاهرون في ميدان التحرير، وعلم جهاز الأمن بنيتهم الاعتصام بالميدان، وعدم مغادرته لحين تحقيق مطالبهم المنادية بالإصلاح السياسي وحل مجلسي الشعب والشورى «البرلمان» وإنهاء حالة الطوارئ، وتعهد الرئيس بعدم التمديد لولاية جديدة، وعدم التوريث لنجله، ومحاسبة الفساد والمفسدين.

معالجة غبية

من فضل الله على الثورة أن النظام تعامل معها بغباء منقطع النظير، وكان رد فعله في التجاوب مع مطالبها بطيئًا للغاية، الأمر الذي شجع الثوار على تصعيد مطالبهم باستمرار، وترك التعامل معها في البداية لأجهزة الأمن التي لا تعرف إلا لغة القوة عبر المصفحات والقنابل والرصاص والعصى الكهربائية.

ويمكننا مطالعة هذه السطور من البيان الذي حمل رد فعل النظام تجاه هذه التظاهرات الحاشدة في يومها الأول، وصدر عن وزارة الداخلية قائلًا: إنه «في إطار إتاحة الفرصة لوقفات احتجاجية للتعبير عن مطالب سياسية أو فئوية طوال الفترات السابقة توافقًا مع المسار الديمقراطي وإتاحة الفرصة للتعبير عن الرأى، وعلى الرغم من نهج الإثارة الذي تبناه المحرضون على التجمع اليوم «٢٥يناير» بدعوى تصعيد مطالبهم، وفي مقدمتهم جماعة الإخوان المسلمين وما يُسمى بحركتي «6 أبريل» و«كفاية»، وكذا الجمعية الوطنية للتغيير، فقد تم السماح لهم بتنظيم الوقفات الاحتجاجية، والتي تركزت بمدن القاهرة والجيزة والإسكندرية والغربية، بينما شهدت بعض المحافظات الأخرى تجمعات محدودة تراوحت ما بين مائة إلى ألف شخص».

وأضاف البيان: «إن قوات الشرطة التزمت منذ بداية هذا التحرك في حوالي الحادية عشرة صباحا بتأمين تلك الوقفات وعدم التعرض لها، رغم جنوح مجموعة من تلك التجمعات بوسط مدينة القاهرة لتنظيم مسيرات، مما أعاق حركة المرور بالكامل وتحويلها إلى محاور بديلة، حيث أصر متزعمو تلك التجمعات على أسلوب التحريض، وعدم الاستجابة لما تم إعلانهم به، من ضرورة الانصراف بعد أن تم التعبير عن رأيهم».

وتابع البيان: «إلا أنه في حوالي الساعة الثالثة عصرًا، دفعت جماعة الإخوان بأعداد كبيرة من عناصرها خاصة بميدان التحرير في القاهرة، حيث تجاوز عدد المتجمهرين نحو عشرة آلاف شخص، كما ألقى بعض المتجمهرين الحجارة على القوات بشارع «قصر العيني» المتفرع من ميدان التحرير، واندفع عدد منهم إلى أعمال شغب وإحداث تلفيات بمنشآت عامة، فضلًا عن إصابة عدد من أفراد الشرطة نتيجة استمرار قذف الحجارة, وقد تمكنت قوات الشرطة من السيطرة على ما كان متوقعًا من اتساع أعمال التجمهر والشغب وتطويق المتظاهرين بالميدان».

لغة الكذب

وكرر جهاز أمن الدولة إذاعة هذا البيان في وسائل الإعلام المسموعة والمرئية، لكن المتظاهرين لم يعبؤوا به، واستمروا بالتدفق حتى وصل عددهم إلى أكثر من خمسين ألفًا في ميدان التحرير وحده. 

كانت لغة الكذب بادية في البيان؛ حيث زعم أن المتظاهرين قاموا بأعمال شغب وإتلاف لمنشآت عامة، واعتداء على جنود الشرطة، كل ذلك لتبرير ما ستقوم به الشرطة ضد المتظاهرين.

وفي تمام الساعة الواحدة إلا الثلث قبل فجر الأربعاء ٢٦ يناير، وصلت قوات أمن تزيد أعدادها على عشرة آلاف، إضافة إلى أكثر من ثلاثمائة عربة مصفحة، وحاصرت الميدان، وبدأت في قذف المتظاهرين بقنابل الغاز وإطلاق الأعيرة النارية في الهواء، إضافة إلى استخدام الجنود للعصى الكهربائية، وقاموا بالاعتداء على المتظاهرين بعنف شديد، وهو ما أدى إلى إصابة المئات منهم، واعتقال مئات آخرين, وتكرر الأمر نفسه في بقية المحافظات، خصوصًا السويس والإسكندرية والغربية ربما بعنف أشد! 

واستطاعت قوات الأمن في تلك الليلة فض الاعتصام، لكن الثوار سرعان ما تجمعوا مرة أخرى في الصباح، وكرروا التظاهر ودعوا إلى اعتبار يوم الجمعة ٢٨ يناير «جمعة غضب» في كل المدن المصرية.


 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

603

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 11

190

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية