; هوية الأمة | مجلة المجتمع

العنوان هوية الأمة

الكاتب فتى الخليج

تاريخ النشر الثلاثاء 26-يناير-1971

مشاهدات 89

نشر في العدد 45

نشر في الصفحة 19

الثلاثاء 26-يناير-1971

هوية الأمة

أنا زنجي أسود جميل، شفتي جدًا غليظة شعري جدًا أكرت وطني أفريقيا السوداء الجميلة، نعم الجميلة.

حال أمتنا يشبه حال المريض الذي اشتد عليه وقع المرض ولاحت له النهاية فأخذ يُقبّل كل دواء ما يناسبه وما لا يناسبه أملًا في لحظات من حياة أو رجاء في بقية كيفما تكون البقية. وليس المهم برأيي المتواضع أن نحيا فحسب بل المهم أن نعرف كيف نموت وعلى أية كيفية نلقى الله.

ليس المهم أن نعيش كيفما يكون العيش، نأكل ونشرب ونطأ الأزواج فتلك سنة البهائم والسوائم. هكذا يعيش القرد فوق غصن الشجرة في أدغال أفريقيا، وهكذا يعيش الجربوع في جحره في الصحاري، وهكذا تعیش كل ذبابة فوق كل مزبلة في كل زقاق من أزقة المدينة أي مدينة. ولسنا قرودًا ولا جرابيع ولا ذبابًا، أو هكذا أعتقد على الأقل. ليست تلك حياة بل مجرد بقاء وفرق شاسع بين أن تحيا وأن تبقى. الحياة فيها غاية ومتجه فهل لأمتنا غاية ومتجه؟ الحياة بلا مطامح رحلة سرابية فما هي مطامح أمتنا؟ الحياة فيها منهج سلوك وشريعة تصرف وعمل فما منهج أمتنا وشريعتها؟ في ظل ظروفها الحالية لا أعتقد أن بإمكان أمتنا أن تجيب بوضوح فقد علا رؤياها دخن التقلبات.

بدأت المأساة أول ما بدأت يوم فقدت أمتنا إيمانها بنفسها وبذاتها. وعندما تفقد أي أمة إيمانها بنفسها وذاتها تتحول من أمة عطاء إلى أمة استجداء ومن أمة صعود نحو القمة إلى أمة عاشقة لحياة السفـح والمنهبط. عندما تفقد الأمة إيمانها بنفسها وبذاتها كأنها بذلك تُقيم بينها وبين تاريخها وفكرها حواجز ضخمة ليست في عالم الملموس المحسوس بل في داخل النفس وطي المشاعر، حواجز تمثل انهزامية شعورية أمام كل وافد وكل جديد طارئ. وحواجز بهذه الطبيعة غير الملموسة ليس بأمر سهل القضاء عليها.

يتمخض عن تلك الانهزامية الشعورية وفقدان الإيمان بالذات ومعطياتها، يتمخض عن ذلك أمة بلا هوية تنظر لنفسها كما ينظر أحدنا للسراب في المفازة، إنه يراه بعينيه لكن هل يعني السراب في واقع حياته أي شيء؟ البتة.

هوية الأمة -أي أمة- تصيغها عوامل رئيسية شتى: التاريخ، الفكر، النظم، التقاليد، المعتقدات، ويلي ذلك عوامل فرعية أخرى. أما تاريخنا فناشئتنا تجهله وأما من يذكره منهم فلا يذكر سوى بعض الوقائع التاريخية مثل انتصار القائد فلان أو سقوط المدينة الفلانية بأيدي التتار. أما معنى تلك الوقائع وخيوط الاتصال بينها وبين حاضرنا ومدلولاتها على واقع الأجيال التي تلتها، باختصار تقييم الوقائع التاريخية علاوة على سردها، تلك خطوة ما زال منهج مادة التاريخ سواء في مدارسنا أو جامعاتنا لم يعن بها. ولذلك فتاريخنا لا يعني شيئًا بالنسبة للجيل الحاضر. أما فكر أمتنا فناشئتنا تجهله أكثر وهي به أجهل من أعداء أمتنا. فجر الفكر الحديث وعصر النور بدأ مع الثورة الفرنسية، هكذا ما زالت أجيالنا تلقن، حتى في المناطق التي فيها شنّت أمتنا حربًا ضروسًا ضد الوجود الفرنسي الاستعماري لمدة عشرات السنين. أما أساطين ذلك الفكر فليس واحد منهم بينه وبين أمتنا وشيجة انتماء أن أجيالًا هكذا تلقن أجيالًا بلا هوية، ليست إلا طوابير عبيد همل يباعون ويشترون في أسواق النخاسة الفكرية والحضارية.

أما أنظمتنا فجلها مستورد كما العطور والصابون والبصل نظم التربية مهما ألبسوها من ألبسة محلية فهي لم تنشأ وتتدرج في نشوئها ملبية الحاجات المحلية، بل جيء بالنظام من الخارج وحاولوا أن يصنعوا بداخله كائنًا له نفس مواصفات النظام، النتيجة فشل النظام لأنه طبق في بيئة غريبة على طبيعة بنوده وحيثياته، وتشوه وتعوه الكائن الذي بداخله. ومن جالس خريجي ما يسمى بالجامعات العربية وسبر عمق معارفهم أدرك إلى أي درجة بلغ التشويه وكم عاهة في كل جامعة عربية. ذلك لأن أيدًا أجنبية هي التي استدعيت لتشرف على وضع حجر الأساس وتبدأ مراحل البناء الأولى وهي أهم المراحل، وخاصة في ميدان التربية والتعليم ذلك أنه ميدان يعني ببناء عقلية الأمة ومناهج تفكيرها. ينسحب ذلك على كافة أنظمتنا السياسية والاجتماعية.

أما معتقداتنا وتقاليدنا فواقع الانهزام الشعوري الذي تعاني منه أمتنا وجيلنا دعا للتنكر تمامًا لها. تمامًا كما كان يفعل الزنجي الأميركي في الأربعينيات يدخر جزءًا من رزقه كي يتمكن من الذهاب لصالون تجميل يمدد شعرات رأسه الأكرت المسترسل فقط ليتباهی بين أقرانه ويقول لهم بأن لديه شعرًا كشعر الرجل الأبيض، وتلك قمة الانهزام الشعوري وقمة فقدان الإيمان بالذات وبالنفس. ولذلك فإن نشيد المسيرة السوداء في أميركا اليوم هو: أنا زنجي أسود جميل، شفتي غليظة جميل، شعري جدًا أكرت جميل، وطني أفريقيا السوداء الجميلة، نعم الجميلة، إن مسيرة القوة السوداء لهي مسيرة التعرف على الذات والنفس بعد قرون من الضياع والشتات. ولم يبدأ الرأي العام العالمي يتعاطف مع نداءاتها إلا بعدما اتضح له بأن لتلك القوة هوية وذات يحددان لها مناهج السلوك وشريعة التصرف. ولذا فقد بدأت الكفاءات الفكرية السوداء في أميركا باللقاءات ودراسة تاريخ الإنسان الزنجي في أميركا ومحاولة تحديد هويته من خلال تاريخه وفكره. تمامًا نحن بحاجة لهذا وعلى مستوى أشمل، بحاجة أن نقف لحظة ونسأل أنفسنا: من نحن؟ ما هو فكرنا؟ ما معنى تاريخنا؟ ما هي هويتنا؟ لا بد أن نجيب إجابات مدروسة واضحة كي نبدأ بالسير من جديد وعندها يكون للمسيرة معنى بل معان يتوجها نصر وفتح بإذن الله.

 فتى الخليج

الرابط المختصر :