; هويتنا الحضارية في عمارتنا الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان هويتنا الحضارية في عمارتنا الإسلامية

الكاتب أحمد عبد الرحمن العماري

تاريخ النشر الثلاثاء 29-يونيو-1993

مشاهدات 74

نشر في العدد 1055

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 29-يونيو-1993

  • العمارة الإسلامية: النشأة والتطور

    لم يعرف العرب قبل الإسلام فن العمارة، وبعد ظهور الإسلام بدأوا يسهمون فيه بتشييد المساجد، وقد فهم المسلمون من كتاب الله الحث على إعمار الدنيا، والله تعالى يقول: (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) (هود: 61) وقد شرع النبي صلى الله عليه وسلم في بناء مسجده الشريف في المدينة المنورة بعيد الهجرة المباركة إليها، في حدود الإمكانات المعمارية التي كانت متاحة في ذلك الزمان، وفي عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، شرع في بناء مدينة الكوفة سنة 17 للهجرة، وكان الفاروق حريصًا على اختيار موقع لها يوفر لها شروط الحياة كي تعتمد على نفسها، «راجع تاريخ الطبري ج 4 ص 41» وفي ذلك العهد الميمون أيضًا شرع المسلمون في تشييد مدينة الفسطاط بمصر، بإذن من الخليفة، واختار لها عمرو بن العاص ورجاله المنطقة الواقعة بين النيل وتلال المقطم، لتنمو وتزدهر ازدهارًا عظيمًا.

    المسجد منبع الفنون المعمارية

    وكانت الحاجة إلى أداء الصلاة في جماعة هي التي اقتضت بناء المساجد، ومن أرحام المساجد ولدت العمارة الإسلامية، كفن حضاري، متميز، يكشف عن الهوية المتميزة لأمتنا المسلمة، ويحمل طابع الجلال والوقار الذي يتمتع به موضع العبادة لله الواحد الأحد، جلت قدرته «راجع جارودي، وعود الإسلام ص 152» ولأن المسجد كيان مركب ضخم من الأعمدة والأسقف والقباب والمحاريب والمآذن والمداخل والأبواب والنوافذ فقد بذرت البذور المجموعة من العلوم والفنون المعمارية للوفاء بكل تلك الحاجات، وقد تطورت تلك الفنون بسرعة، وظهر ذلك في الجامع الأموي بدمشق والذي أنشأه الوليد بن عبد الملك، وكان مثالًا احتذي / احتذى فيما أنشئ بعد ذلك من المساجد، وأثريت العمارة الإسلامية على أيدي المصريين والهنود والترك والأندلسيين والفرس، وتعددت أنماطها وطرزها مع الحفاظ على طابعها الإسلامي المشترك.

    العمارة في الأندلس والمسجد الجامع

    وبعد فتح الأندلس نشطت حركة العمارة الإسلامية، وكان من الطبيعي أن تبدأ بالمساجد، فيذكر أن مساجد قرطبة بلغت 700 مسجد، لكن المسجد الجامع في العاصمة «قرطبة» لم يكن من الممكن أن يشرع في إنشائه إلا بعد استقرار الأحوال السياسية، ونشأة الخلافة على يد عبد الرحمن الداخل، وقد وسعه وأضاف إليه عبد الرحمن الثاني، والحكم الثاني، والمنصور حاجب هشام، ويمتاز هذا المسجد بزخارف الفسيفساء المذهبة ذات الرسوم الجميلة وشبابيكه الرخامية المفرغة، وعقوده المزدوجة التي يعلو بعضها بعضًا. الموسوعة العربية الميسرة، ومن المؤسف أن تبنى كاتدرائية فوق جزء من ذلك المسجد العظيم بعد سقوط قرطبة في يد شارل الخامس عام 1526م.

    القصور الإسلامية بين الفن والإسراف

    ثم استعملت الفنون المعمارية الإسلامية في تشييد القصور للخلفاء والسلاطين والأمراء والأعيان، وهنا تجافت عن روح الإسلام وشرائعه وأغرقت في السرف والتبذير، وإن المرء ليذهل حين يطالع أوصاف قصر الزهراء الذي شاده «عبد الرحمن الناصر»: «ذلك القصر المتناهي في الجلالة، أطبق الناس على أنه لم يبن مثله في الإسلام البتة. وكل من رآه قطع أنه لم ير مثله، ولم يبصر له شبهًا، بل لم يسمع بمثله، بل لم يتوهم مثله وذكر المؤرخ أبو مروان بن حيان - صاحب الشرطة - أن مباني قصر الزهراء اشتملت على 4000 سارية.. وأن مصارع أبوابها كانت تنيف «تزيد» على 15000 باب، وكان عدد الفتيان «أي الخدم» بالزهراء  13750 وعدة النساء بقصر الزهراء الصغار والكبار، وخدم الخدمة 3314 امرأة، وذكر بعض أهل الخدمة في «الزهراء» إنه قد قدر النفقة فيها في كل يوم بـ 300000 دينار مدة 25 عامًا، «شذرات الذهب ج 3 ص 4-5»

    ويذكر أن القاضي «منذر بن سعيد» أنكر على «الناصر» اتخاذه السطح القبة التي كانت على الصرح الممرد المشهور شأنه بقصر الزهراء: «قراميد مغشاة ذهبًا وفضة» فأمر الناصر بنقض سقف القبة، وأعاد قرمدها ترابًا على صفة غيرها «الموضع نفسه»، لكن الزهراء كله في الحقيقة يمثل انحرافًا مهولًا عن القيم الإسلامية القرآنية، فهو يمثل قمة التبذير، والله تعالى يقول: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ) (الإسراء: 27).

    الأثر المعماري الإسلامي في أوروبا

    ويشرح «ليذابي» في مقالة له في «تراث العصور الوسطى»، الاقتباسات الأوروبية من الفنون المعمارية الإسلامية فيقول: «إن مستودع العلوم والمعارف في تلك العصور كان في إسبانيا ثم في جزيرة صقلية، وكان طبيعيًا أن تنال الفنون في غرب أوروبا نصيبها من هذين المستودعين» (ص 92) وظهرت معالم العمارة الإسلامية في الكاتدرائيات والكنائس الإنجليزية والفرنسية وما يسمى بالفنون القوطية عامة «ج 1 ص 93-99».

    ونحن مطالبون اليوم بصون عمارتنا الإسلامية عن الإسراف، وحمايتها من أخطار الأمركة المعمارية لأنها جزء بارز محسوس من هويتنا الحضارية.


    اقرأ أيضا:

    “لؤلؤة الأندلس المفقودة”.. مظاهر الترف والقوة والهندسة في مدينة الزهراء

     

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل