العنوان وأخيرًا انقسمت الكنيسة الكاثوليكية
الكاتب المحرر المحلي
تاريخ النشر الثلاثاء 09-أغسطس-1988
مشاهدات 81
نشر في العدد 877
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 09-أغسطس-1988
- التيارات الحديثة تتهم الرضوخ للتيار الماركسي والليبرالي كما تتهمه بتحطيم المعتقدات.
معادلة مهمة تلك التي حاول البابا وضعها والعمل بموجبها، هذا البابا البولندي لم تنجح معه سياسة التوازنات والإمساك «بالعصى من الوسط» فتأرجحت القضايا وقلت الزمام فأودى بالكنيسة الكاثوليكية إلى انقسام جديد كالذي حدث عام ۱۸۷۰ أثر المجمع المسكوني الأول عام ١٨٦٩ والذي قرر على أثره أن «البابا هو ظل الله في الأرض، وهو معصوم من الخطأ والزلل وهو خليفة القديس بطرس على عرش الكاثوليكية» وكانت النتيجة أن رفض من أسموا أنفسهم «الكاثوليك القدامى» فكرة عصمة البابا ومقررات المجمع المسكوني الأول أو مجمع ترنتو وما زال أتباعهم وما زالت أفكارهم تتنامى في أوروبا وأمريكا حتى يومنا هذا، بل إن أفكارهم هذه كانت منطلقًا لتجمعات كبرى وتيارات كنسية عصفت -وما تزال- بالتركيبة الحاكمة في كنائس العالم تذكر منها «لاهوت التحرر»، «التحرر والانعتاق»، «خلايا القواعد الكاثوليكية...إلخ.
عندما جاء البابا هذا حاول استرضاء الأجنحة الليبرالية والشيوعية التي تهدد الكنيسة من الشمال الأوروبي ومن الجنوب الأمريكي أو كبح جماحهم على الأقل... ولكنه أخفق لأنه لم يعط التنازلات الكافية التي ترضي طموح قادة هذه التيارات.
ثم أن البابا كان يخشى التيار التقليدي كما يخشى التيارات الحديثة، لأنها تتهمه بالرضوخ للتيار الماركسي والليبرالي كما تتهمه بتحطيم المعتقدات الكاثوليكية بانفتاحه على الأديان «النصرانية وغير النصرانية» وكان زعيم التيار التقليدي الفرنسي القس لوفير «الذي تحدثنا عنه في التقرير الماضي» قد أنذر البابا عدة مرات من مغبة الإيغال بالتسامح مع «أعداء الكنيسة» وينصحه بالعودة إلى مقررات المجمع المسكوني الأول وتناسي المجمع المسكوني الثاني إذا ما أراد الإبقاء على سلطة الفاتيكان.
ولقد حاول البابا الحالي يوحنا بولس الثاني الموازنة بين:
- مقررات مجمع ١٨٦٩ «الأول»- ومجمع ١٩٦٥ «الثاني».
- لاهوت التحرر- اللاهوت التقليدي.
- اللاهوت الليبرالي- اللاهوت المحافظ.
- النصرانية- الماركسية.
- التهديد بالانقسام الأوروبي- التهديد بالانقسام في أمريكا الجنوبية.
ولكنه لم يفلح لا «بالتوفيق بين المتصارعين» ولا «بتنظيم الصراع»، فما أفلحت السياسة عندما اهتزت المبادئ.
فقد كثرت التمردات واشتد عنفوانها بحيث أن صرامة راتزنجر رئيس دائرة العقيدة والإيمان «محاكم التفتيش سابقًا» لم تعد تخيف أحدًا، فلا سياسة «التجميد» للمخالفين أثمرت ولا سياسة «العزل» استطاعت إيقاف الانهيار، ولم يبق إلا «الكي» وهو «التكفير» الذي كان في السابق -أيام سلطة الكنيسة على أوروبا- يعني الإعدام حرقًا وهو ما طبق بحق «البابا الجديد» لوفير غير أن الفاتيكان اليوم لا يملك حرق هذا البابا الانفصالي.
لقد كان «الأسبوع الأسود» كما أسموه في الفاتيكان -الأسبوع الأخير من حزيران- يونيو ۱۹۸۸ بهز مشاعر رجال الدين الكاثوليك في العالم كله، فالكل كان يعلم أن المباحثات قد فشلت وأقفلت في ٥ مايو ۱۹۸۸ بين الفاتيكان والأسقف الفرنسي لوفير بعد وصولها إلى نقطة اللا عودة،
وبقي الأمل في أن يصغي هذا الأسقف لنداءات «الأصدقاء» في تأجيل التفجير... غير أن الأسقف كان قد أعد عدته بعد ٤٨ ساعة من تعمید ٢٤ کاردنيالًا جديدًا بأمرة البابا، لينتقم من السلطة التي جمدته منذ عام ١٩٧٦ بسبب رفضه المقررات المجمع المسكوني الثاني ومطالبته بالعودة إلى الأصول الكاثوليكية وإقامة الصلوات على طريقة التثليث وأحداث هذا الأسبوع كما يلي:
- الثلاثاء 28/6/۱۹۸۸ عاد البابا من جولته في النمسا وبعض الدول الأوروبية ليجتمع مع أعضاء مجلس الكادينالات «الكرادلة» لبحث قضيتين: الأولى التهديد بالانفصال، والثانية تنصيب ٢٤ كاردينالًا جديدًا في مساء اليوم ذاته في احتفال شعبي ورسمي في ساحة القديس بطرس بحضور وفود الدول والسلك الديبلوماسي، وقد قرأ الباب عليهم رسالة موجهة له من الأسقف لوفير بتاريخ 2/٦/١٩٨٨ يقول «فيها إنني أرى إنه لا مناص لي من تنصيب سلطة كنيسية جديدة وتكليفها بمعالجة شؤون الكاثوليكية لتساعدني في إيقاف روح مقررات المجمع المسكوني الثاني وروح لقاء الأديان في قرية أسيس ١٩٨٦» وفي حفل تنصيب الكرادلة الجدد كان الأسى والقلق باديين على وجه البابا وأعوانه، وكانت الصحافة تسأل عن آخر تطورات التهديد بالانفصال أكثر مما تسأل عن توجه الكرادلة ونتائج زيارة البابا.
- الأربعاء 29/6/۱۹۸۸ قام الأسقف لوفير بتعميد ١٦ راهبًا بأمرته في مقره الجديد بسويسرا في مدينة أكوني التي أصبحت عاصمته الجديدة إضافة إلى ۲۰۰ راهب سبق أن عمدهم منذ١٩٧٦.
-الخميس 30/٦/۱۹۸۸ قام الأسقف بصفته راعيًا أعلى للكنيسة الكاثوليكية بتنصيب أربعة أساقفة جدد وهم:
1 - الأسقف ألفونسو دي غالارتيا أسباني ومسؤول رابطة أمريكا الجنوبية ومقره في بوينس
إیرس- عاصمة الأرجنتين.
2- الأسقف ريتشارد وليامون إنجليزي ورئيس تحرير المجلة الأسبوعية في ريج فيلد في الولايات المتحدة الأمريكية.
3- الأسقف برنارد تيسيير ماليريس فرنسي السكرتير العام لمؤسسة البابا بيو العاشر «وهي المؤسسة التي أنشأت ضد إرادة الفاتيكان وأعدت لتقوم بوظيفة الفاتيكان بعد الانفصال» ومقره في مدينة أكوني في سويسرا.
4- الأسقف برنارد فيلاي سويسري مسؤول الخزينة في مؤسسة بيو العاشر في مدينة أكوني بسويسرا.
وفي حفل التعميد هذا -الذي حضره سبعة آلاف من الأتباع- قال الراعي -البابا- الكنيسة الكاثوليك الجديد لي قبر موجهًا خطابه إلى الأساقفة الجدد:
«لقد علمتم أن كرسي القديس بطرس «يقصد البابا» ومراكز السلطة في روما يحتلها الآن أعداء المسيح، ولهذا فإنني أحملكم اليوم وأفوضكم بالقيام بمهام المجامع الكنسية المختلفة على أمل أن نستبدل في القريب العاجل من يحتل كرسي القديس بطرس بخليفة رسولي كاثوليكي حقًا وصدقًا، وعندئذ فقط تستطيعون وضع المسؤوليات التي حملتموها اليوم بين يديه».
وقد أجمع المراقبون على أن لغة الخطاب كانت أقسى بكثير مما توقعوه حتى أن الناطق باسم الفاتيكان صرح قائلًا بأنه لم يبق بد من «تكفير» الأسقف المنفصل.
-الجمعة 1/۷/۱۹۸۸ عقد «الراعي الجديد» مؤتمرًا صحفيًا قال فيه: «إن البابا يوحنا بولس الثاني يفتقر للسلطة وليس له الوزن الكافي لممارسة مهماته، كما إنه هو المسؤول عن الأزمة الخانقة التي تمر فيها الكنيسة اليوم، بل إنه زادهًا تعقيدًا بسبب رضوخه للماركسية والأمريكية الليبرالية وبسبب مساندته لوحدة الأديان.
«إن رئيس الكنيسة الكاثوليكية «وهي المرة الأولى التي لا يسميه بلقبه البابا» يقف الآن في صف أعداء المسيح، وهذا عار شنيع، لقد كان ضعيفًا حتى مع الأساقفة الحمر في أمريكا الجنوبية»
«ولهذا ترى لزامًا علينا تحمل المسؤولية لإيقاف هذا الانهيار باسم الحداثة أو تحديث الكنيسة الكاثوليكية التي وصلت إلى حد الإفراغ والتآكل تحت شعار الإصلاح الدستوري».
وبهذا يكون «البابا الجديد» قد قطع كل الجسور مع الفاتيكان وأصبح من الصعب على لجان التوفيق إعادة تجسير العلاقة مع السلطة في الفاتيكان وتحت شعار «الأصالة» ستكون باكورة عمل أتباعه.
1- رفض التقارب مع الأديان بما فيها الأرثوذكس والبروتستانت.
٢- العودة إلى روح المجمع المسكوني الأول ورفض مقررات المجمع المسكوني الثاني.
٣- مقاومة التيارات الماركسية والليبرالية التي وصلت إلى قمة السلطة في الكنيسة.
4- العودة إلى استخدام اللغة اللاتينية في الصلوات بذات الصيغة التثليثية التي كانت تستعمل بها قبل المجمع المسكوني الثاني ١٩٦٣-1٩65.
5- مقاومة محاولات التوفيق بين المبادئ الكنسية ومتطلبات العصر.
وهكذا يقارب القرن العشرين على نهايته لينتهي بانقسام جديد كما انتهى به القرن التاسع عشر... فهل يقيض الله لهم على رأس كل قرن من يهدم ما بنوه... ونحن -نرجو- أن يقيض الله لنا من يجدد لنا أمور ديننا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل