; وأخيرًا.. لبنان إلى أين؟! | مجلة المجتمع

العنوان وأخيرًا.. لبنان إلى أين؟!

الكاتب إبراهيم طرابلسي

تاريخ النشر الثلاثاء 05-سبتمبر-1989

مشاهدات 65

نشر في العدد 931

نشر في الصفحة 15

الثلاثاء 05-سبتمبر-1989

وأخيرًا.. لبنان إلى أين؟

لبنان ساحة صراع مؤجرة.. واللبنانيون فيها أدوات

إن لم يكن للمسلمين دور إسلامي فلا داعي لأن يكونوا أدوات

بعد كل واحدة من جولات الحرب في لبنان تخرج أطراف الصراع بحصيلة واحدة متكررة هي أن العنف لا يمكن أن يحل القضية اللبنانية، وأن الحل السياسي والوفاق الوطني والتفاهم بين اللبنانيين هو المخرج الوحيد من أتون الأزمة.. وهذا ما حصل بعد استحكام الصراع هذه المرة، فعلى الرغم من القصف العنيف وإزهاق الأرواح وتدمير الأحياء الآهلة بالسكان في كلا الجانبين لم يستطع السوريون وحلفاؤهم إسقاط العماد ميشيل عون وحكومته العسكرية، ولم يتقدم شعار «تحرير لبنان» خطوة واحدة إلى الأمام.. لماذا إذن هذه التجارب المتكررة؟ ولماذا تدمير البلد بشقيه «المسلم والمسيحي» وتبديد ملايين الدولارات كل يوم قذائف وصواريخ وقودًا لهذه الحرب القذرة التي لا تحقق هدفًا ولا تنتهي إلى حل؟!

لأن الساحة اللبنانية كانت لأربعة عشر عامًا وما تزال حلبة صراع مؤجرة لكل من يدفع الثمن ويملك القدرة على توفير أدوات يرسم لها قضية تقاتل من أجلها وتدفع جماهير اللبنانيين في الاتجاه الذي دمروا فيه أنفسهم ولم يحققوا بعد ذلك إلا الخراب.

مراحل الأزمة اللبنانية

لقد كانت هوية الحرب عند بدايتها طائفية عام 1975 ثم تحولت إلى صراع بين الموارنة والمقاومة الفلسطينية عام 1976، ودخلت قوات الردع العربية.. لتنشب الحرب عام 1978 بين السوريين والموارنة، ثم لتنشب حرب السفارات بعضها مع بعض عام 1979، العراقية والإيرانية والليبية، فنسفت أو دمرها القصف المتبادل، ليبدأ الغزو الإسرائيلي عام 1982، وتدخل القوات المتعددة الجنسية لتتعرض للعمليات الانتحارية وترحل عن لبنان عام 1983، وتبدأ حرب الجبل بين الدروز والموارنة عام 1984، وتنتهي بأن تتخلى إسرائيل عن الموارنة وترحل، ثم حرب شرقي صيداء، فانقسام الجيش، فحروب المخيمات بين حركة أمل والفلسطينيين عام 1985 لتستمر أكثر من عامين، فحرب الشيعة والدروز في شوارع بيروت عام 1986، وعودة الجيش السوري إلى بيروت، فحرب الشيعة بعضهم مع بعض: حركة أمل وحزب الله عام 1988، وأخيرًا وليس آخرًا حرب العماد عون مع سوريا منذ 14 آذار «مارس» الماضي وحتى الآن، وفي كل معركة من هذه المعارك كان المحرك خارجيًا، وكان يجد الأدوات اللبنانية، ويوفر لها الدعم المادي ويخلق أو يختلق لها الحوافز لدفعها إلى القتال بحرارة وحماس.

لم يقرر العرب إنهاء الأزمة

والآن، وبعد أن انعقد الإجماع العربي على تشكيل اللجنة السداسية، فالثلاثية من أجل وضع حد للاقتتال في لبنان، وبعد أن انعقد الإجماع الدولي على تصفية المشاكل العالمية العالقة.. يتبين بوضوح أن العرب لم يتفقوا على إنهاء الصراع في لبنان، ولكن محورًا عربيًا دخل ساحة الصراع من أجل مواجهة محور عربي آخر، وأن حرب الخليج التي توقفت بقبول إيران القرار 598 منذ أكثر من عام استؤنفت في لبنان عبر بدائل لبنانية وإقليمية، أما الرغبة الدولية بإنهاء الأزمة اللبنانية فقد تأكد أنها غير صادقة ولا مخلصة، وأن السوفيات والأميركان يهمهم إنهاء أزمة المنطقة «القضية الفلسطينية» أكثر من اهتمامهم بلبنان، وأن الوضع اللبناني ينبغي أن يبقى هشًا غير متماسك ليكون ورقة ضغط في يد القوى الدولية إذا ما استدعى الحل الدولي ضغطًا على هذا الطرف أو ذاك، وإذن فإن حل الأزمة اللبنانية ليس في جدول الأولويات، ولا بأس بإطلاق يد هذا الطرف أو ذاك من أجل استمرارها لتخدم الأغراض القذرة للقوى الدولية والإقليمية.

مشروع ميشال عون

وماذا عن الجولة القائمة من الحرب اللبنانية؟ ما هويتها؟ وأين تكمن المصلحة الإسلامية أو الموقف الإسلامي فيها؟ لقد بدأت الجولة الأخيرة بقرار اتخذه العماد ميشال عون يوم 6 آذار «مارس» الماضي بفرض حصار بحري على المرافئ غير الشرعية على طول الساحل اللبناني، ولما كان في لبنان قوى منتفعة ومستفيدة من هذه المرافئ وعائداتها فقد رفضت قرار عون، وكان العماد يومها يخوض معركته مع القوات اللبنانية «المسيحية» بزعامة سمير جعجع من أجل تحجيم دور القوات وصولًا إلى تفرد ميشال عون بالسلطة وتحقيقًا لمشروعه القاضي بفرض سلطة عسكرية واحدة على كل الأراضي اللبنانية، وفي يوم 14 آذار بدأ القصف المدفعي على المرافئ وعلى الأحياء السكنية في شطري العاصمة وسقط فيه عشرات القتلى ومئات الجرحى واستمرت معركة القصف المتبادل إلى أن بدأت الوساطات العربية والدولية، وكلها تقضي برفع الحصارات عن المرافئ، وهذا يعني سقوط مشروع عون بفرض الحصار وإحياء غرفة العمليات البحرية.. عندها قفز ميشال عون إلى الأمام وبدأ بطرح شعار خروج كل القوى الأجنبية من لبنان، وبهذا استطاع أن يتجاوز دور القوى المارونية الأخرى وفي طليعتها القوات اللبنانية وأن يفرض نفسه محاورًا وحيدًا باسم المسيحيين، وما زال يخوض معركته إلى اليوم تحت هذا الشعار.

أين المصلحة الإسلامية؟

يقول السوريون إنهم يدافعون عن أمنهم القومي ومصالح المسلمين والقوى الوطنية في لبنان، ويقول عون إنه يدافع عن استقلال لبنان ويعمل على تحريره من الاحتلالات الغريبة، وهذا القول أو ذاك يمكن تسويقه وتبريره طالما أن القضايا والمفاهيم متداخلة ومعقدة.. ولابد من التسليم على أي حال بأن مصلحة سوريا في أن تتابع معركتها حتى إسقاط عون، وأن مصلحة عون هي متابعة الدفاع عن شعاراته ومواقعه وإلا سقط.. وكل هذا مفهوم ومبرر.. ولكن الشيء الذي لا يكاد يفهمه الإنسان هو أن يجري الاندفاع وراء هذا المشروع، أو ذاك، حرصًا على المصلحة الإسلامية في لبنان التي يتزاحم القيمون عليها والمدافعون عنها.. خاصة إذا كان هذا الحرص يقضي بدعم ميشال عون والقتال إلى جانبه وتأييد مشروعه السياسي، وهذا ما لابد من التوقف عنده قليلًا من أجل تبيين «المصلحة الإسلامية» أين هي؟

من حيث المبدأ، هل يجوز أن يمنح المسلم -أو المسلمون- الولاء لميشال عون ومشروعه السياسي؟ إن هذا لا يجوز للحاكم المسلم غير الملتزم بالإسلام، فكيف بميشال عون؟!

ثم إن ميشال عون لم يقدم أي تنازل من الامتيازات التي يتمتع بها الموارنة في لبنان، وهم أقلية، على بقية الشعب اللبناني من المسلمين والنصارى، وإذا كان بعض العرب وبعض الإسلاميين يقبلون بأن يمارس الموارنة هيمنة سياسية واقتصادية وعسكرية على مناطق المسلمين، وأن يتمتع رئيس الجمهورية في لبنان بسلطات ملكية هو وأصحاب الامتيازات من طائفته المسيطرين على المناصب العليا في الدولة.. إذا كان هذا مقبولًا فالأمر غريب.

من الذي دمر بيروت؟

وأخيرًا.. من الذي دمر بيروت الغربية، وقوض أحياءها السكنية على الأبرياء من سكانها، وهجر أهلها وقطع عنها الماء والكهرباء؟! من الذي يقصف كل يوم أحياء: عائشة بكار والقصار والطريق الجديدة والمزرعة.. وليس فيها مركز سوري واحد، من قصف المستشفيات والمساجد والمدارس.. إنه جيش ميشال عون وسلاحه.. إننا لا نبرر قصف الأحياء السكنية المسيحية، ولا يملك المسلمون في لبنان دفع هذا القصف، فكيف يقفون مع من يقصفهم ويدمر منازلهم ومتاجرهم وأحياءهم؟

كفانا تجارب غير مدروسة

إن مختلف جولات الحرب اللبنانية هي حروب أدوات، وبالتالي فلا داعي لأن يتلهف أي مسلم واعٍ ليكون أداة في أي من هذه الحروب، اللهم إلا أن تكون حربًا ضد إسرائيل أو دفاعًا عن النفس المشروعة.. ولا ينبغي أبدًا أن تنتابنا الحسرة على دور يلعبه المسلمون الآن في دوامة الصراع.. إن لم يكن لهم دور «إسلامي» أو إيجابي بناء على الأقل فلا داعي لأن يكونوا أداة هدم، أو أداة في مشروع ميشال عون.. وكفانا تجارب فاشلة ينقصها الالتزام بالحكم الشرعي والدراسة الموضوعية المتأنية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 322

103

الثلاثاء 26-أكتوبر-1976

شريط الأخبار العدد 322

نشر في العدد 838

74

الثلاثاء 13-أكتوبر-1987

المجتمع الإسلامي (838)