; وأنت بَعدُ في الدنيا ؟! | مجلة المجتمع

العنوان وأنت بَعدُ في الدنيا ؟!

الكاتب أ. د. عبد المنعم الطائي

تاريخ النشر السبت 16-يناير-2010

مشاهدات 61

نشر في العدد 1885

نشر في الصفحة 66

السبت 16-يناير-2010

الصحابي الجليل والشاعر المعروف عبد الله بن رواحة يتسلم القيادة في معركة مؤتة (۸ هـ) بعد استشهاد رفيقيه جعفر بن أبي طالب، وزيد بن حارثة رضي الله عنهما.. يقاتل الروم ببطولة نادرة حتى يجف ريقه.. يتقدم إليه أحد إخوانه المقاتلين فيعطيه بضع تمرات تعينه على مواصلة القتال... خذ.. شد بها صلبك فإنك لقيت في يومك هذا ما لقيت يقول له، يضع إحداها في فمه محاولًا مضغها فتستعصي على الانزلاق في ريقه المتيبس.. ينظر فيرى أخويه ممزقين في ساحة المعركة، وقد سبقاه إلى هناك، فيلفظ التمرة ويخاطب نفسه مندهشا وأنت بعد في الدنيا ؟ ثم ما يلبث أن يواصل القتال حتى تمزقه سيوف الروم…

يا الله.. كم هي تافهة، منحسرة متضاءلة هذه الحياة الدنيا في أعين المعلمين الكبار من أصحاب رسول الله ؟! لقد استكثر ابن رواحة على نفسه ساعات، بل دقائق من الحياة فأعلن رفضه إياها ببطولة نادرة، واستأنف القتال ملتحمًا بالأعداء من أجل أن ينال الشهادة ويلحق برفيقيه..

ذلك أن الحياة والموت كانا عند أولئك الكبار حالة واحدة ذات وجهين، فأما أولهما فحلم من الأحلام العابرة، وأما ثانيهما: فهو الحقيقة الصلبة الخالدة التي كتب لها الدوام.. وأن الانتقال من حال إلى حال لا يعدو أن يكون نقلة لا تكاد ترى، ولا تستحق كل هذا الهم والحزن والخوف الذي ينتاب معظم الناس وهم يفكرون في الموت أو يقتربون منه..

وكان رسول الله ﷺ قد حذرنا من الحرص على الحياة.. الحرص الذي يتجاوز حده المعقول، ويرغم الإنسان على أن يتشبث بالدنيا.. أن يصير عبدًا لها، وأن يخضع لإغوائها الذي يضع الإنسان في دائرة الأسر الذي يفقده الاتصال بالعالم، ورؤيته على حقيقته..

بل إن بعض الناس يبلغ بهم الأمر أن يتصوروا أنهم خلقوا لكي لا يموتوا .. لا يدخل دائرة قناعاتهم وسط لهاثهم المحموم وراء إغراءات الحياة الدنيا وصخبها، أن النهاية قريبة، وأن الموت يقف لهم بالمرصاد .. على بعد خطوات..

ومن ثم في غمرة هذا الضباب الذي وضعوا أنفسهم فيه، تهتز لديهم الموازين، وتتميع القيم، وتغيب الرؤية الصائبة لمهمة الإنسان في هذا العالم..

وعندما يشيخون - رغما عنهم - لا يكفون عن اللهاث المحموم وراء الجاه والمال، متذرعين بأن عليهم أن يهيئوا لذريتهم مستقبلًا محوطًا بالضمانات، وما هو في حقيقته سوى الوجه الآخر لتشبثهم بالحياة، وحرصهم عليها ، ورغبتهم في الاستمرار بمواجهة تحديات الموت والفناء.

أعرف رجلا من أثرياء مدينتي كان يدلف إلى الثمانين.. وكان يهرع يومًا بيوم إلى عمارة كبيرة كان يشرف على بنائها في شارع كبير من شوارع المدينة الرئيسة.. فلما اكتملت العمارة، لم يجد بأسًا في أن يؤجر أحد محلاتها لحانة تبيع الخمور وتستقبل المدمنين..

ومن عجب أن الرجل كان يصلي ويصوم ويقرأ القرآن.. لعله كان يبرّر لنفسه ضرورة توفير الضمانات لذريته من بعده.. نوع من خداع الذات والتحايل على الموت..

ومن عجب - كذلك - أن معظم الذين يكدحون من أجل إيجاد الضمانات لأبنائهم، يجيء هؤلاء الأبناء فلا يقدرون جهد الآباء حق قدره ويبعثرون الثروات التي جاءتهم دونما عناء..

 إنها أقبح صفقة يمكن أن يمارسها الإنسان.. أن يبيع آخرته بدنيًا غيره..

وثمة فرق كبير بين هذا النمط الذي تعج به المدن في ديارنا الإسلامية، وابن رواحة الذي استكثر على نفسه دقائق مضافة من الحياة !

أيمكن أن يكون هذا هو أحد أسباب انكسارنا في الزمن الرمادي الذي نعيشه؟

نعم.. وبكل تأكيد، إذا تذكرنا رؤية الرسول ﷺ ، المترعة بالشفافية والتي طالما دفعته إلى تحذير أمته من مأساة الالتصاق الزائد بالحياة الدنيا : «ما الفقر أخشى عليكم ، ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم» !!.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 22

112

الثلاثاء 11-أغسطس-1970

غزوة مؤتة (شعر)

نشر في العدد 128

81

الثلاثاء 05-ديسمبر-1972

كعب بن مالك الأنصاري قصة تاريخية