العنوان واحة الإيمان - «أيام الدنيا في الآخرة»
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 21-أكتوبر-1986
مشاهدات 61
نشر في العدد 788
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 21-أكتوبر-1986
لقد مر معنا ذلك المتنعم من أهل الدنيا، والذي عندما غمس غمسة في النار أنسته كل لذائذ الدنيا، فأقسم أنه لم يمر به خير قط، مع أنه كان من أنعم أهل الدنيا من أهل النار. فشدة العذاب يوم القيامة تُنسِي أهل الدنيا كل ما كانوا يتعاملون فيه في الدنيا، ومن صور النسيان تلك، صورة اختلافهم ونسيانهم بحقيقة مدة لبثهم على الأرض، حتى ينقسموا في ذلك إلى خمس طوائف:
الطائفة الأولى: القائلون بعشرة أيام
يقول تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾ (طه: 102-103)، فيحشر هؤلاء المجرمون بلا نور، وتنقلب ألوان وجوههم إلى الزرقة من شدة الخوف والهلع، ونتيجة لجرائمهم التي لم تبق لهم نورًا في وجوههم، وكأننا ننظر إليهم على شاشة تلفزيون يسر بعضهم للآخر بمشهد ذليل، وهم عراة الأجساد كما خلقهم الله أول مرة، مذعورين وهم يتذكرون المدة الحقيقية التي لبثوها في الدنيا، فيقول بعضهم للآخر بصوت خافت: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾ وحتى هذا التقدير كان مبالغًا فيه، مما جعل الطائفة الثانية، والتي معها أمثل القوم وأذكاهم وأحكمهم، تنفي حقيقة هذه المدة، وتؤكد أنهم لبثوا أقل من ذلك بكثير.
الطائفة الثانية: القائلون باليوم الواحد
يقول سبحانه وتعالى مخبرًا عن هذه الطائفة: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ (طه: 104) فتنخفض العشرة أيام إلى يوم واحد! يا لها من حقارة لتلك الدنيا التي كانوا يعبدونها من دون الله! يا لها من دنيا زائفة تلك التي كانوا يتهالكون عليها ويحسبون أنهم خالدون فيها، فيكفرون بما أنزل الله، وتتبرج نساؤهم، ويفعلون كل ما حرمه الله ونهى عنه. ما كانوا يظنون أنهم سيلاقون ربهم ويسألهم تلك الأسئلة، وما كانوا يتوقعون أنهم هم أنفسهم سيقللون من شأن هذه الدنيا حتى يجعلوا لبثهم فيها «يومًا واحدًا». وحتى هذا التقدير المخفض من عشرة أيام، لا يرضى عنه البعض لشدة العذاب الذي يزيد في النسيان، ويزيد في اختلاف القوم بتقدير مدة اللبث، فتخرج طائفة ثالثة تبالغ في صغر المدة وانقضائها السريع، وتنفي المدة السابقة لتقرر أنها لبثت أقل من يوم واحد!
الطائفة الثالثة: القائلون ببعض اليوم
قال تعالى مفصلًا في هذه الطائفة: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ. قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ. قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (المؤمنون: 112- 115).
يقول سيد قطب رحمه الله: «إن الله سبحانه ليعلم، ولكنه سؤال لاستصغار أمر الأرض، واستقصار أيامهم فيها وقد باعوا بها حياة الخلود، وإنهم ليحسون اليوم بقصر تلك الحياة وضآلتها، وإنهم ليائسون ضيقي الصدر، لا يعنيهم حسابها وعدتها: (قالوا لبثنا يومًا أو بعض يوم فسأل العادين).
وهي إجابة الضيق واليأس والأسى والقنوط! والرد: إنكم لم تلبثوا إلا قليلًا بالقياس إلى ما أنتم عليه مقبلون لو كنتم تحسنون التقدير:
(قال: إن لبثتم إلا قليلًا لو أنكم كنتم تعلمون) ثم عودة إلى الترذيل والتعنيف على تكذيبهم بالآخرة، مع التبصير بحكمة البعث المكنونة منذ أول الخلق: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (المؤمنون: 115) (الظلال: 4/2482).
ولا يكتفون بتقليل مدة الدنيا إلى هذا الحد، لتخرج طائفة رابعة تكذب من قبلها، لتجعل مدة الدنيا أقل من بعض اليوم!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل